الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع تنوع أساليب القرآن في دعوة الناس للعبادة كذكر الثواب والعقاب والأسماء الحسنى، مع التركيز على حكمة مخاطبة المؤمنين بـ «يا أيها الذين آمنوا» التي تحث على لوازم الإيمان وتذكر بنعمته. ويبين كيف يراعي الخطاب القرآني السياق في توجيه الأوامر والنواهي للمؤمنين.
يشرح المقطع كيف يدعو القرآن للخير وينهى عن الشر بذكر آثارهما وعواقبهما، مستشهداً بآيات التوحيد والشرك والعمل الصالح والظلم. ويؤكد أن هذا الأسلوب يقوم على الترغيب بذكر الثمار الحميدة والترهيب بذكر العواقب الوخيمة.
يخاطب القرآن المؤمنين بتذكيرهم بنعم مخصوصة كالأخوة بعد العداوة والنصر والقوة بعد الاستضعاف لتحفيز الشكر والطاعة. كما يستخدم أسلوب الترغيب بالجنة والترهيب بالنار لتحريك القلوب نحو العمل الصالح واجتناب المعصية.
يذكر الله أوصاف الجنة التفصيلية كالأ أنهار من ماء غير آسن ولبن لم يتغير طعمه وخمر لذة للشاربين. ويهدف هذا الوصف الدقيق إلى ترغيب المتقين في هذا النعيم الدائم وتحفيزهم على العمل الصالح لنيله.
اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة. وبذكر ما أعد الله للمؤمنين الطائعين من الثواب، وما لغيرهم من العقاب. وطورا يدعوهم إلى ذلك بذكر ما له من الأسماء الحسنى، وما له من الحق العظيم على عباده، وأن حقه عليهم أن يقوموا بعبادته ظاهرا وباطنا، ويتعبدوا له، ويدعوه بأسماء حسنى وصفاته المقدسة. فالعبادات كلها تعظيم وتكبير لله، وإجلال وإكرام، وتذلل إليه وتقرب منه. وطورا يدعوهم إلى ذلك لأجل أن يتخذوه وحده وليا وملجأ وملاذا ومعادا ومفزعا إليه في المآل كله، وإنابة إليه في كل حال. ويخبرهم أن هذا هو أصل سعادة العبدية وصلاحه وفلاحه، وأنه إن لم يدخل في ولاية الله وتوليه الخاص فوالله عدوه الذي يريد له الشر والشقاء، ويمنيه ويغره حتى يفوته المنافع والمصالح، ويوقعه في المآل. وهكذا كله مبسوط في المآل، وهكذا كله، وهكذا مكشوف عنده. وهذا كله مبسوط في القرآن بعبارات متنوعة. وطورا يحثهم على ذلك، ويحذرهم من التشبه بأهل الغفلة والإعراض، والأديان المبدلة؛ لألا يلحقهم من اللوم والأديان المبدلة ما لحق أولئك القوم الأقوام، عندها ما لحق أولئك الأقوام، كقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَلَا تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. نعم، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد، فما زال المؤلف يذكر طريقة القرآن في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية. فذكر أولا أنه يخاطب المؤمنين بأحب الوصف إليهم، وهو وصف الإيمان، ليدل ذلك على أمرين اثنين: الأمر الأول: من جهة الحث على القيام بلوازم الإيمان، فكأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، حافظوا على إيمانكم، وقووا إيمانكم، وزيدوا في إيمانكم، طيب، بامتثال أمره واجتناب نهيه. والأمر الثاني: نعم، الأمر الثاني، الجهة الثانية التي نستفيدها من الخطاب بلفظ الإيمان، نعم، ذكر المنة، فهو يدعوهم إلى شكر هذه النعمة، نعمة الإيمان. نعمة الإيمان، مثل ما الآن أحد يقول: يا طلاب العلم، يخطب يا طلبة العلم، لماذا يخطبهم بهذا؟ كأنه يقول لهم: أولا، تتشرفون بهذا الاسم، فهذا يدعوكم إلى الاستمرار في طلب العلم، وأيضا الازدياد من طلب العلم. هذا أمر. والأمر الثاني: كأنه يقول لكم: اشكروا الله على ما من به عليكم من هذه النعمة، وهي نعمة طلب العلم. لمَاذا؟ لأن ذلك الخطاب يكون على حسب المقام، لكل مقام. فإذا كنت مثلا أمام عامة الناس تخاطبهم بالألفاظ العامة: أيها المؤمنون، أيها المسلمون، يا أيها المؤمنون، يا أيها المسلمون، آه، يا أيها الصالحون. وهذا أيضا إذا كنت عند طلاب علم، معشرة طلاب العلم: يا طلبة العلم. طيب، إذا كنت أمام النساء: يا معشر النساء، أو تقول: يا أيها المؤمنات، يا طالبات العلم. فيه أسلوب من أساليب القرآن. ثم قال هنا: وطورا يدعو المؤمنين إلى الخير، وينهاهم عن الشر، لذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة. أعظم الخير التوحيد، وأعظم الشر الشرك. فلنظرت في القرآن لوجدت أن الله عز وجل يدعو المؤمنين إلى التوحيد بذكر آثاره. قوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. هذا فيه يعني فضل التوحيد، وذكر عواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة، فإن التوحيد سبب للأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة. واضح، فهذا من أساليب القرآن: يدعو المؤمنين إلى الخير، وينهاهم عن الشر، بذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة. ومثله الشرك، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾. هذا فيه كذلك دعوة إلى الحذر من الشرك بذكر آثاره وعواقبه السيئة الوخيمة، وأنه سبب لحرمان الجنة، حرمان الجنة. نعم، الشرك سبب لحرمان الجنة. وقس على هذا، قس على هذا. مثلا لما حث الله عز وجل على العمل الصالح، ماذا قال؟ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. هذا من آثار وعواقب الأعمال الصالحة في الدنيا، أن صاحبها يعيش حياة طيبة. وكذلك ذكر الآثار الحميدة للأعمال الصالحة في الآخرة، قال الله عز وجل: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون. هذا كل ترغيب في ماذا؟ بالعمل الصالح. فهكذا لما تدعو الناس إلى العمل الصالح تذكر لهم آثارا وفوائد وثمارا، وهذا كثير في القرآن بالنسبة للعمل الصالح. قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فالأعمال الصالحة سبب دخول الجنة، هذا من العواقب الحميدة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. هذا كله فيه حث وترغيب في العمل الصالح. وفي أي خير تجد فيه من الفضائل، حتى صلاة الضحى وصلاة الليل، صيام، أي عبادة، تذكر ما فيها من الآثار الحميدة ومن العواقب الحميدة. والعكس: إذا تريد أن تحذر من شر، تذكر عواقبه الوخيمة. تريد تحذر من الظلم شتى أنواعه، تذكر آثاره السيئة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾. وهذا الظلم في معنى الشرك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالظَّالِمُونَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، هذا في الكفر. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أيضا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَافِلٌ عَمَّا يَعْمَلُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾. هذا يحذر من الظلم على وجه العموم، سواء كان ظلم العبد لنفسه، أو ظلم العبد لغيره، أو ظلم العبد بمعنى الشرك. فهكذا تريد تحذر من الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، ﴿مَقْتًا﴾، غضبا من الله. واضح. وهكذا فمن أساليب القرآن في خطاب المؤمنين، لا في خطاب غيرهم، في خطاب المؤمنين، أنه يدعوهم بذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة العاجلة والآجلة، العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة، وبذكر آثار الشر وعواقبه الوخيمة، أي في الدنيا كذلك والآخرة. الظلم أيضا له عواقب في الدنيا، له عواقب في الدنيا. قال: وطورا يدعوهم إلى ذلك بذكر نعمه المتنوعة وآلائه الجزيلة، وأن النعم تقتضي منهم القيام بشكرها، وشكرها هو القيام بحقوق الإيمان. وهذا له أدلة كثيرة في القرآن. مثال ذلك قول الله سبحانه وتعالى وهو يحث المؤمنين على الألفة والمحبة والاعتصام بالكتاب والسنة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. انظر، ذكرهم هنا بماذا؟ بنعمه عليهم. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فمن أساليب دعوة المؤمنين أن تذكرهم بنعم الله عليهم. مثلا أنت الآن بين طلاب العلم، يقول لهم: اذكروا نعم الله عليكم، أنتم في نعمة عظيمة بين القرآن والسنة، بين العلماء والمشايخ والمدرسين، أنتم في نعمة عظيمة، تفرغتم لطلب العلم وغيركم منشغل بدنياه. تذكرهم بهذه النعمة، ها؟ تذكرهم بهذه النعمة. أنت جئت عند نساء صالحات متحجبات، تذكرهن بهذه النعمة: أن الله من عليكن بهذا الإسلام، بهذا الدين، وأمركن بالحجاب، وهذا الحجاب يعني من نعم الله عز وجل عليكن، إذ صانكن من الفواحش ومن نظر القبيح والأشرار ونحو ذلك. هذا أيضا من الأساليب التي يتخذها الداعي إلى الله عز وجل، وهذا من أسلوب القرآن، هذا من أسلوب القرآن. مما جاء أيضا في القرآن مما فيه التذكير بنعمه، قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، هذا في غزوة الأحزاب، ذكرهم بهذه النعمة: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. هذا فيه تذكير بنعم الله. قول الله عز وجل أيضا، أمثلة كثيرة جدا في القرآن، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ذكرهم بهذه النعمة، نعمة القوة والعزة، كانوا مستضعفين في مكة، تذكرهم بهذه النعمة. وهكذا كنت في مجتمع مثلا كانت السنة فيه ضعيفة ثم قويت، تذكرهم بنعمة السنة، نعمة التوحيد، ونعمة الاستقامة. هذا أيضا مما أسلوب القرآن، من أسلوب القرآن. قال: وطورا يدعوهم إلى ذلك بالترغيب والترهيب، ويذكر ما أعد الله للمؤمنين الطائعين من الثواب، وما لغيرهم من العقاب. وأعظم ما رغب الله عز وجل فيه في القرآن الجنة، وأعظم ما رهب الله عز وجل فيه في القرآن النار. من النار رهب، من النار، فكم هي الآيات التي ترغب في الجنة في وصفها وما فيها من النعيم! قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، لماذا الله عز وجل يذكر لنا أوصاف الجنة؟ يرغبنا فيها. ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّار