التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 16

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 16

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أساليب القرآن في مخاطبة المؤمنين والدعوة إلى الله

يؤكد المقطع أن على الدعاة الاقتداء بأساليب القرآن المتنوعة في مخاطبة المؤمنين، لأن الله أمر بالدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. وتعد طرق القرآن في الأمر والنهي أقرب الوسائل لتحقيق الهداية وإيصال الخير، إذ هو أعظم موعظة وذكر.

منهج الدعوة بالقرآن والنقد لأساليب الجماعات المبتدعة

يشدد المقطع على أن أسلوب الدعوة الصحيح هو الاقتداء بالقرآن في مخاطبة المؤمنين بـ «يا أيها الذين آمنوا» لحثهم على استكمال لوازم الإيمان. وينتقد أساليب جماعات كالإخوان والتبليغ والسرورية التي استبدلت الدعوة بالعلم الشرعي بالأناشيد والتمثيليات والرحلات الترفيهية.

دلالة خطاب {يا أيها الذين آمنوا} على إكمال الإيمان وشكر نعمته

يبيّن المقطع أن مخاطبة القرآن للمؤمنين بـ {يا أيها الذين آمنوا} تهدف إلى حثهم على زيادة إيمانهم وتمامهم بالعمل بالشرائع الظاهرة والباطنة. ويؤكد أن شكر نعمة الإيمان بالانقياد لأوامر الله يوجب ازدياد الهدى والإيمان، مستدلين بحديث شعب الإيمان.

خاتمة الدرس والإشارة إلى أساليب قرآنية قادمة

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أن ما تم ذكره هو أحد أساليب القرآن الكريم، ويؤجل ذكر الأساليب الأخرى إلى الدرس القادم. ويختم حديثه بالحمد لله على ما تيسر من البيان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فخلاصة هذه القاعدة: أن مما يستفاد من كتاب الله عز وجل -خاصة للعلماء والدعاة والوعاظ والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر- يستفيدون من القرآن طريقة خطاب الناس، كيف تخاطبهم، كيف تدعوهم، ما هي الأساليب النافعة الناجعة في دعوة الناس إلى الخير، في أمرهم بالمعروف وفي نهيهم عن المنكر. هذه هي خلاصة هذه القاعدة. قال في طريقة القرآن في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية: فالقرآن خاطب عباده المؤمنين بأساليب متنوعة، فيجدر بالدعاة إلى الله عز وجل أن يخاطبوا العباد بمثل هذه الأساليب حتى تنجح دعوتهم. فكما ذكر، قد أمر الله تعالى بالدعاء إلى سبيله بالتي هي أحسن، وكيف نعرف السبيل التي ندعو بها والتي هي أحسن؟ من القرآن، من أسلوب القرآن وخطاب القرآن للمؤمنين. فهذا معنى قوله: قد أمر الله تعالى بالدعاء إلى سبيله بالتي هي أحسن. الدعوة إلى الله في قول سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾. فكيف نأخذ هذه الأساليب من القرآن؟ أي بأقرب طريق موصل للمقصود، محصل للمطلوب. ما هو المقصود؟ المقصود هداية الخلق، المقصود إيصال الخير إلى الخلق، ونهيهم عن الشر. فكيف تصل إلى هذا المقصود؟ بما جاء في القرآن من أساليب ومن طرق. قال: ولا شك أن الطرق التي سلكها الله في خطاب عباده المؤمنين بالأحكام الشرعية أحسن وأقرب، لأن القرآن هو أعظم وعظ ومذكر ومؤثر. فيكون خطاب القرآن أقرب طريق للوصول إلى المقصود، فهي أحسن الطرق. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. يسمى الخطبة ذكراً. واضح في المعنى أنك تأخذ خطبتك من القرآن، من أساليب القرآن، ومن وعظ القرآن. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: ولا شك أن الطرق التي سلكها الله في خطاب عباد المؤمنين بالأحكام الشرعية أحسن وأقربها. وهذا فيه رد على بعض الجماعات المنحرفة كجماعة الإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، وجماعة السرورية، وغيرها من الجماعات الذين ابتكروا وسائل مخالفة لما جاء في القرآن والسنة. رأوا أن من وسائل الدعوة مثلاً: الأناشيد، أو التمثيليات. هذا خطأ، هذا ليس بأسلوب للدعوة، ما جاء لا في القرآن ولا في السنة. ورأوا مثلاً من أساليب الدعوة: المخيمات التي يستقطب فيها الشباب، والرحلات الترفيهية، كل يوم رحلة، كل أسبوع رحلة، وانصرفوا عن العلم. هذا هو سبيلهم، وهذه هي طريقتهم. أنكر عليهم العلماء فيها لأنها أساليب تخالف أساليب القرآن، وهم لا يدعون بالعلم الشرعي، بأسلوب القرآن، بالإيمان وتقوية الإيمان، ونحو ذلك مما سيأتي معنا من هذه الطرق. قال: فأكثر ما يدعوهم إلى الخير وينهاهم عن الشر بالوصف الذي منّ عليهم به، وهو الإيمان. فيقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ افعلوا كذا واتركوا كذا. يعني على الداعية إلى الله عز وجل لما يخاطب الناس يقول مثلاً: يا أيها الذين آمنوا، أيها المؤمنون. هذا من الأساليب الناجحة في تأثير الداعية في المدعوين. لماذا؟ ما هو أثر هذا اللفظ في قلوب السامعين؟ قال هنا: لأن في ذلك دعوة لهم من وجهين. أنت لما تقول: أيها المؤمنون، يا أيها المؤمنون، أنت تدعوهم الآن من جهتين. ما هما هاتان الجهتان؟ قال: أحدهما من جهة الحث على القيام بلوازم الإيمان وشروطه ومكملاته، فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا، قوموا بما يقتضيه إيمانكم من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والتخلق بكل خلق حميد، والتجنب لكل خلق رذيل. فإن الإيمان الحقيقي هكذا يقتضي. ولذلك قال هنا: ولهذا أجمع السلف أن الإيمان يزيد وينقص، وأن جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة من الإيمان ولوازمه، كما دلت على هذا الأصل الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. وهذا أحدها: حيث يصدر الله أمر المؤمنين بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، أو يعلق فعل ذلك على الإيمان، وأنه لا يتم الإيمان إلا بذلك المذكور. الوجه الأول: دعوة لهم أن يتمموا إيمانهم ويكملوه بالشرائع الظاهرة والباطنة. فيقول: يا أيها الذين آمنوا، أي: ازددوا في إيمانكم، ازددوا في إيمانكم، ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى ﴾. فزيادة الإيمان من الهداية، من هدايات الإيمان، ولا يكون ذلك إلا بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. فأهل السنة عندهم الإيمان: كل أعمال الخير من الإيمان، حتى إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، كما جاء في حديث أبي هريرة: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». الوجه الثاني: دعوة لهم إلى شكر نعمة الإيمان، ببيان تفصيل هذا الشكر، وهو الانقياد التام لأمره ونهيه. فمن شكر نعمة الإيمان أن نمتثل أمر الله وأن نجتنب نهيه. فمن رزق بالإيمان وعنده هدايات الإيمان ثم لا يبالي بها، لا يؤدي الصلاة كما أمر الله، ولا يبر بوالديه، ولا يمتنع عن المحرمات، لا عن الزنا، ولا عن مقدمات الزنا، ولا عن الغيبة. هذا في الحقيقة لم يشكر نعمة الله عليه، لم يشكر نعمة الإيمان، لأن من شكر هذه النعمة أن تعمل بخصالها. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾. فإذا شكرت نعمة الله عز وجل عليك بامتثال أمره واجتناب نهيه، زادك من هذه النعمة، وصار إيمانك إيماناً تاما كاملا بإذن الله عز وجل. إذن، من طريقة القرآن في أمر المؤمنين أن يخاطب المؤمنين بهذا الوصف: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، أو يعلق: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. هذا أسلوب من أساليب القرآن، وهناك أساليب أخرى سيذكرها إن شاء الله، نؤجلها إلى الدرس القادم. إلى هنا، والحمد لله.