الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح معنى تحقيق التوحيد بتخليصه من الشرك والبدع والمعاصي الكبرى، ويبين أن هذا الباب خاص بمن أتى بالتوحيد كاملاً غير منقوص. ويستعرض أدلة تحقيق التوحيد كالاقتداء بإبراهيم والصحابة، والثبات على التوحيد، والتوكل على الله.
يستعرض ستة أوصاف نال بها إبراهيم تحقيق التوحيد الكامل مستدلاً بالآية، وهي: كونه أمة يقتدى به، ودوام الطاعة، والإخلاص، والحنيفية، والبراءة من الشرك. ويؤكد أن من حقق هذه الخصال سلم من العذاب ونال الفضل العظيم.
يبيّن أن من خصال إبراهيم البراءة من الشرك وأهله قولاً وعملاً واعتقاداً اقتداءً بآية الممتحنة، والشكر على نعمة التوحيد كأعظم النعم. ويذكر فوائد لابن عثيمين منها كفر أبي إبراهيم وإيمان والدي نوح.
يُبيّن المتحدث أن العلماء يتساهلون في قبول الأخبار والسير والتاريخ مشيراً إلى أن هذا نهج كثير من أهل العلم. ثم يختم الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فما زلنا في المسائل التي ذكرها المؤلف في ختام باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. وقفنا عند قول المؤلف -طيب الله ثراه-: "باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب". مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: جاء بهذا الباب حتى نحقق التوحيد الذي وجب علينا وتشوقنا إليه. يعني: في الباب الأول وجوب التوحيد، وفي الباب الثاني تشويق إلى تحقيق هذا التوحيد. قال: "وتحقيقه" -أعني: معنى من حقق التوحيد-. قال: تحقيقه تخليصه من الشرك والبدع والمعاصي، ويكون بالعلم والاعتقاد والانقياد. فتحقيق التوحيد بمعنى الإتيان به كاملًا دون نقص. فإن من الأشياء ما ينقض التوحيد وهو الشرك الأكبر، ومنها ما ينقصه، ومنها ما ينقص التوحيد وهو الشرك الأصغر والبدع والمعاصي. فهذا الباب خاص بمن أتى بالتوحيد كاملًا دون شرك ولا بدع ولا معاصي. والمراد بالمعاصي هنا الكبائر أو الإكثار من الصغائر، وإلا فلا يسلم الإنسان من الوقوع في شيء من لمم الذنوب وصغائر الذنوب. فهذا الباب خاص بأمثال هؤلاء، فهو يكون من باب التخصيص: الباب الذي قبله "من حقق التوحيد" ولو كان ناقصًا، والأدلة تدل على ذلك. ولو كان هذا التوحيد ناقصًا، أي أن صاحبه عنده شيء من التفريط والتقصير، لكن عنده أصل التوحيد. أما هذا الباب فهو خاص بمن أتى بالتوحيد كاملًا وافيًا لا ناقص فيه، فلا شرك فيه ولا بدع ولا معاصي. فما مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد؟ حتى نحقق هذا التوحيد كما ينبغي. فمن حقق التوحيد الكامل نال هذه الفضائل العظيمة التي سيأتي بيانها وذكرها في هذا الباب. وقال: وتحقيق التوحيد عند المؤلف -رحمه الله- يكون بقراءة الباب تفصيلًا وإجمالًا، يكون بأولًا: الاقتداء بنبي الله إبراهيم عليه السلام، لأنه هو إمام الموحدين، وهو كذلك من أتى بالتوحيد الكامل كما سيأتي من الأدلة. هذا دليل. الدليل الثاني: الاقتداء بسادات الأولياء الصحابة، وهم كذلك خير الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام. وهذا من فقه المؤلف؛ لأنه قد يقول قائل: إن التوحيد الكامل إنما يكون من الأنبياء، في نبي الله إبراهيم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأما من دونهم من هذه الأمة فلا ينال هذه المرتبة. قد يقول قائل ذلك، فيرد عليه بأن من هذه الأمة من يحقق التوحيد وإن كان دون الأنبياء، وعلى رأس أولئك الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. والدليل الثالث الذي ذكره: البقاء على التوحيد ولو كنت وحدك، يعني: لا يثنيك إعراض المعرضين وقلة السالكين من أن تحقق هذا التوحيد. وسيأتي معنا حديث ابن عباس يشير إليه: "يأتي النبي وليس معه أحد". قال: "التوكل، وترك الرُّقَى والاكتواء والتطير". وهذا من كمال التوحيد. من كمال التوحيد أن يتعلق الموحد بالله عز وجل وحده، فلا يتعلق بشيء من الأسباب ولو كانت جائزة. ولو كانت جائزة، وهذا من كمال توحيده. فمدار هذا الباب يدور حول هذه الأربعة أو هذه الأربع مسائل، ودلل عليها بأدلة كما سيأتي معنا. الدليل الأول: وهو الاقتداء بنبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال: الدليل الأول: "باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب". وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120]. وأيضًا يمكن أن يقال: مناسبة ذكر هذا الباب لكتاب التوحيد أيضًا التشويق إلى تحقيق التوحيد، التشويق إلى تحقيق التوحيد. فإن فضل وأجر من حقق التوحيد دخول الجنة، بل ودخول الجنة بغير حساب ولا عذاب، بغير حساب ولا عذاب. بخلاف من لم يحقق التوحيد وإنما أتى بما يثبت به أصل التوحيد فقط دون تمامه وكماله، فهذا قد يحاسب وقد يعاقب، وقد يعاقب كما مر معنا. لكن من حقق التوحيد فلا عذاب عليه ولا حساب، وهذا فضل عظيم يدعونا جميعًا إلى أن نسعى إلى تحقيق التوحيد، إلى تحقيق التوحيد. فهو في الحقيقة تابع للباب الذي قبله، وإنما الفرق أن الباب الذي قبله فضل من حقق أصل التوحيد وإن كان عنده من الشرك الأصغر أو من المعاصي أو من البدع. وأما الباب الذي بعده فهو فضل التوحيد لمن أتى بالتوحيد الكامل، من أتى بالتوحيد الكامل وحقق هذا التوحيد فسلم من الشرك الأصغر ومن البدع غير المكفرة ومن كذلك المعاصي. قال: وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. قال ابن عثيمين في هذه الآية: ثناء على سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فوجب علينا محبته والاقتداء به، فلنا أيضًا من الثناء بقدر ما اقتدينا به. وهذا لأنه حقق التوحيد بأمور ستة ذكرت في الآية. يعني: الله عز وجل في هذه الآية يثني على نبي الله إبراهيم، وما هو سبب الثناء؟ تحقيق التوحيد. لأنه حقق التوحيد فأمر نبيه أن يقتدي به، وأمر نبينا هذه الأمة أن تقتدي به. وإبراهيم عليه السلام في هذه الآية بيّن ربنا أنه حقق التوحيد بأمور ستة، بأمور ستة: الأمر الأول: أنه كان أمة. ومعنى "أمة" في هذه الآية: إمامًا يقتدى به في أعماله وأفعاله وجهاده مع الاعتماد على الله. فمن أول ما ينال به العبد تحقيق التوحيد أن يكون قدوة في الخير، قدوة في التوحيد، قدوة في العمل بالتوحيد، قدوة في الأعمال الصالحة، الجهاد في صدق الاعتماد على الله سبحانه وتعالى. فمن كان كذلك فيه خصلة من خصال تحقيق التوحيد. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: قانتًا. والقنوت يأتي بمعاني كثيرة، ومن هذه المعاني: دوام الطاعة، دوام الطاعة. فمعنى "قانتًا": أي دائم الطاعة مستمرًا فيها على كل حال، فهو مطيع ثابت مديم. فإذا من أسباب تحقيق التوحيد دوام الطاعة، دوام الطاعة لا ينقطع ولا يفتر ولا يمل من أداء الواجبات وترك المحرمات، فهو دائم الطاعة لله عز وجل. فهذا وصف ثاني. الوصف الثالث والأمر الثالث: "قانتًا لله". لله، هذا فيه دليل على ماذا؟ الإخلاص. فمن أسباب نيل تحقيق التوحيد الإخلاص لله عز وجل في الأعمال، في جميع حركات العبد وسكناته يكون مخلصًا لله، مستشعرًا الثواب من الله سبحانه وتعالى، لا رياء ولا سمعة ولا شيء من حظوظ النفس أو نيل حطام من حطام هذه الدنيا، وإنما جميع أعماله لله عز وجل. فبهذا ينال تحقيق التوحيد. ورابعًا: حنيفًا. والحنيف هو المائل عن الشرك إلى التوحيد، والمعنى: مقبلًا إلى الله، مقبلًا إلى الله مدبرًا عن الشرك، مجانبًا لكل ما يخالف الطاعة. فهذا هو الحنيف، والمعاني متقاربة. من قال: إنه المائل عن الشرك إلى التوحيد، بمعنى أنه مقبل إلى الله لتوحيده وطاعته، وفي المقابل مجانب لكل ما يغضب الله أو يخالف شرع الله. فهذا أيضًا سبب نال به إبراهيم تحقيق التوحيد، ومن اقتدى به سينال بإذن الله عز وجل هذه المنزلة العالية الرفيعة. وخامسًا: من أسباب تحقيق التوحيد: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. أي: البراءة من الشرك وأهله، ويكون ذلك بالقلب واللسان والجوارح. كيف البراءة من الشرك وأهله؟ يعني: لا يحب هؤلاء بقلبه، بل يبغضهم ويبغض أعمالهم. هذا معنى من معاني البراءة من الشرك. وأما باللسان: فهو ينكر عليهم ذلك، لا يسكت، يقول: من دعا غير الله فهو مشرك، من استغاث بغير الله فهو مشرك، ما يفعلوا هؤلاء عند القبور من الاستغاثة والدعاء والذبح والنذر والذل والسجود والركوع والصلاة ونحو ذلك من الشرك، ينكر بلسانه. وأما بجوارحه: فلا يشارك هؤلاء ولا يجامعهم ولا يجالسهم، بل يتبرأ منهم كما قال الله عز وجل: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ [الممتحنة: 4] إلى آخر الآية. فهذه الآية تفسر معنى "ولم يكن من المشركين". ففيه البراءة من الشرك وأهله بالقلب واللسان والجوارح. هذا الخامس. السادس: شاكرًا لأنعمه. لأن جاء بعد هذه الآية: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: 120-121]. ومعنى "شاكرًا لأنعمه": لأن النعم ابتلاء وتحتاج إلى شكر. فلا تظن أن الشكر لا يكون، أو أن النعم ليس فيها ابتلاء. بل كما أن العبد يبتلى بالضراء والشدائد، فكذلك يبتلى بالسراء والنعم. فمن أعظم نعم الله عز وجل على الموحد أن من الله عز وجل عليه بنعمة التوحيد، هذه تحتاج إلى شكر. بل من أعظم الشكر الذي ينبغي أن يعبد الله عز وجل به المرء ربه أن يشكر الله عز وجل على نعمة التوحيد. فبهذه الستة الخصال نال إبراهيم عليه السلام هذه المنزلة العالية الرفيعة، وهي تحقيق التوحيد. ثم ذكر فوائد. ذكر ابن عثيمين عند شرحه لهذه الآية قال: فوائد: أولًا: أبو إبراهيم عليه الصلاة والسلام آزر، مات على الكفر، لقول الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ [التوبة: 114]. وهذا أيضًا معنى من معاني البراءة من الشرك وأهله، ولو كان هذا المشرك من أقرب الناس إليك. فهذا إبراهيم تبرأ من أبيه وهو من أقرب الناس إليه نسبًا، لكن لما أصر على الشرك تبرأ إبراهيم عليه السلام منه. قال: الفائدة الثانية: أبو نوح عليه الصلاة والسلام، كانا مؤمنين، لقول الله عز وجل: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ [نوح: 28]. فلو كانا كافرين لما دعا لهما، لأنه لا يجوز أن يستغفر للكافرين. لذلك نهي إبراهيم عن أن يستغفر لأبيه، وهكذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر للمنافقين لأنهم من الكافرين. فاستدل العلماء بهذه الآية: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ على أن أبوي نوح عليه السلام مؤمنان، مؤمنان. قال: ثالثًا: قال الإمام أحمد: "ثلاثة ليس لها أصل". ومعنى "أصل" يعني: تحرٍّ في صحة أسانيدها ونقلها بالأسانيد، ليست مثل الأحاديث. قال: "المغازي والملاحم والتفسير". فالغالب أنها تذكر بدون إسناد، فلا أحد يعلم عن الأمم السابقة شيئًا إلا عن طريق الوحي من كلام الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فإذا جاءت هذه الأمور من غير إسناد فالأصل أنها ترد، إذا لم يكن نقلها عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو في القرآن الكريم. إذا لم ترد لا في القرآن ولا في السنة فالأصل أنها ترد؛ لأننا لا نعلم بصحتها. لكن بعض أهل العلم يتساهل في أمر الملاحم والمغازي ويذكرها في كتبهم، وكذلك يحتجون بها. وإذا كانت هذه الملاحم والمغازي فيها حكم شرعي عملي فلا بد من النظر في إسنادها وإلا ترد. أما إذا كانت عبارة عن أخبار وسير وتاريخ ونحو ذلك فيتساهل في هذا. وهذا طريقة كثير من أهل العلم، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا.