الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل معنى إنكار نعمة الله ونسبتها إلى غيره، ويبين أن هذا الفعل قد يكون شركا أكبر أو أصغر حسب اعتقاد الشخص ونسبته النعمة إلى غير الله.
هذا الفصل يشرح مسألة الحلف بغير الله ومدى تأثيره على توحيد العبد، ويبين أن الحلف بغير الله يعتبر شركًا وقد يكون شركًا أكبر أو أصغر حسب نية الحالف وتعظيمه للمحلوف به.
يناقش هذا الفصل الفرق بين الواو وثم في اللفظ القرآني، ويوضح أن الواو تعطف وتشارك بينما ثم تفيد الترتيب والتتابع، مع تقديم أمثلة قرآنية لتوضيح هذا الفرق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله تعالى- أو باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾. قال مجاهد: ما معناه، وهو قول الرجل: هذا ما لي، ورثته عن آبائي. وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا. على المراد أنهم ينسبون النعمة إلى غير الله، ينسبون النعمة إلى غير مسديها ومنعمها سبحانه وتعالى. يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، فلا ينسبونها إلى الله. وكما قال الله عز وجل: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾. وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، معنى: بدل أنكم تشكروا الله على أنه رزقكم، جعلتم هذا الرزق أنكم تكذبون الله، وهذا إنكار وجحود لنعمة الله جل وعلا. فالإنكار لنعمة الله على نوعين: إما إنكار مجرد، ينكر نعمة الله عز وجل عليه، ويقول: ورثت هذا عن آبائي وعن أجدادي. أو أنه لا يشكر نعمة الله عز وجل عليه، وهذا يعتبر إنكار. أو أنه ينسبها إلى غيره، أو أنه ينسب هذه النعمة إلى غير الله جل وعلا، فيقول: لولا فلان لما حصل كذا. وهذا بواسطة فلان، وهذا بشفاعة آلهتنا. وهذا إنكار النعمة أو نسبتها إلى غير الله عز وجل، قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. يعني نسبة النعمة إلى غير الله قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. فإن كان هذه النعمة التي ينسبها إلى غير الله عز وجل إلى آلهة يعظمهم على أنهم هم الذين تسببوا أو هم الذين كان منهم الفضل في هذه النعمة، فلا شك أن هذا شرك بالله جل وعلا. وإن كان فقط ينسب سببها إلى شخص معين، مثل ما ذكر هنا عون بن عبد الله، يقول: لولا فلان لما سرق البيت، ولولا الكلب لسرق اللصوص، وغيرها من هذه الكلمات التي فيها نسبة النعمة إلى غير الله. ينسبون النعمة إلى غير الله: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾. والكافر هنا قد يكون كفرا مخرج من الملة، وقد يكون غير مخرج من الملة. إلا أن شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: أن التعريف باللام في الكفر غالبا يراد به الكفر المخرج من الملة، ليس مضطردا، وإنما غالبا، غالبا يراد به الكفر المخرج من الملة. ففي قول الله: ﴿وأكثرهم الكافرون﴾، أن هؤلاء الكافرون هم الذين ينكرون نعمة الله، لكن قد يكون أيضا من المسلمين من ينكر نعمة الله عز وجل عليه. ولهذا جاء في حديث زيد بن خالد، قال: «مطرنا أو كنا بالحديبية، وصلينا الفجر على أثر سماء أو على أثر مطر، معنى مطرنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، أصبح من عبادي مؤمن وكافر. فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بالله، كافر بالكوكب. ومن قال: مطرنا بنوع كذا ونوع كذا، فهو كافر بالله، مؤمن بالكوكب». يعني هذا حديث زيد بن خالد، وهو في الصحيحين. قال ابن القيم: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا، وهذا شرك بالله؛ لأن فيه اعتقاد أن الآلهة تشفع لهم، وأنها تنفع وتضر من دون الله جل وعلا. والله عز وجل قال: ﴿قل لله الشفاعة جميعا، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولا يشفعون إلا بإذنه﴾. فالشفاعة ما تكون إلا بإذن الله، ما يستطيع أحد يشفع بدون إذن الله. ولهذا نفع هذه الشفاعة، ربنا جل وعلا في آيات كثيرة، ومنها آية: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما لهم منهما من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. قال أبو العباس -بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر- الحديث قد تقدم. وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقول: إن كانت الريح طيبة والملاح حاذقة، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير. كما قلنا: يحمل هذا معنى إنكار النعمة ونسبتها إلى غير الله جل وعلا، فقد يكون كما قلنا شرك أكبر. فهذا الذي ينسب تأثير هذا الفعل إلى هذه الآلهة التي يعظمها، أو هؤلاء الأموات الذين يعظمهم، أو الحجر والشجر الذي يعظمه. وقد ينسب إلى شخص سبب، وهو ليس بيده هذا السبب، وليس هو سببا. وهذا يجري كما قال المؤلف في ألسنة الناس. فمثل ما قال هنا: يقول: كانت الريح طيبة والملاح حاذقة. يقول: أنه ما غرق. يقول مثلا: يتكلم لسان حال يقول: كنا في البحر وجاءت أمواج كبيرة جدا، لكن كان الملاح ماهرا، وهكذا وهكذا، فينسب نجاتهم إلى أشياء لا إلى أشخاص، أو إلى أشياء ليس لها دخل في هذا الباب. قال: فيه مسائل: الأولى تفسير معرفة النعمة وإنكارها. الثانية معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير، معنى هذا يعتبر من شرك الألفاظ، يعتبر من شرك الألفاظ. وكما قلنا: قد يكون مخرج من الملة، وقد يكون غير مخرج من الملة. وإيضا كذلك يرتكز على حسب اعتقاد الشخص. فإن كان يعتقد أن هذه الآلهة أو هذا الذي يقول: أنه لولا فلان لحصل كذا، يعتقد أنه يؤثر في هذا الفعل، فلا شك أن هذا شرك أكبر. قال: الثالثة تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة. فإنكار النعمة قلنا: إما أنه يجحدها، يقول: هذه النعمة من فلان، أو يقول: هذه بفضل فلان. أو كذلك ينسبها إلى غير الله عز وجل، وهو يعتقد أن تأثيرها من الله. أو مثلا ينكرها إنكارا محضا، يقول: هذا بذكائي هذا، لأني أعرف كيف في التجارة، فأنا جمعت هذا المال لأني حاذق في التجارة. أو يقول: أن هذا المال ورثته كابر عن كابر، مثل ما قال قارون: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾. وأنا بسبب علمي، بسبب ذكائي، بسبب مهارتي في التجارة جمعت هذا المال. قال: الرابع اجتماع الضدين في القلب، معنى نسبة النعمة إلى الله ونسبتها إلى المخلوق. فهو يعتقد تأثيرها من الله، لكن ينسب هذا الشيء إلى غير الله جل وعلا. لولا فلان لما حصل كذا. الظاهر هذا يريد الشيخ اجتماع الضدين في القلب. قال: قول الله جل وعلا: ﴿فلا تجعل لله أندادا وأنتم تعلمون﴾. قال ابن عباس في الآية: أنداده والشرك أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل. وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي. وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص. ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانا. هذا كله به شرك. مثل ما قال الله عز وجل: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾. أنا عندهم شرك، وهذا الشرك ممكن أن يكون في الألفاظ كما قلنا، وذكر المؤلف هذا الباب بعد الذي قبله لأنه متعلق به، وهو الشرك في الألفاظ. وهذا الشرك في الألفاظ ممكن أن يكون شرك أكبر، وممكن أن يكون شرك أصغر، بحسب اعتقاد الشخص واعتقاد تأثيره أو اعتقاده في التأثير. قال: عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك». رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم. هذا عن ابن عمر، وليس عن عمر. لعل الشيخ وهم. الحديث عن عبد الله بن عمر. وقد رواه الترمذي وغيره. وذكر المنصور أيضا عن سعد بن عبيدة، فيه قصة. قال سعد بن عبيدة: كنت جالسا في حلقة عند عبد الله بن عمر، فقال: فناداني أهلي، فأرسل إليه أهله. قال: فذهبت إليه، ثم جئت، قال: فإذا المجلس قد انتهى. فلقيت أبا محمد الكندي، رجل. قال له أبا محمد الكندي: قال: فلقيته، فقلت له: أسمعت شيئا بعدما خرج أبي عبد الرحمن؟ قال: نعم. قال: وما سمعت؟ قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك». سعد بن عبيدة لم يسمع هذا الحديث من عبد الله بن عمر مباشرة، لكن رواه أكثر، رواه كثير ممن رواه عن سعد بن عبيدة بدون ذكر هذه القصة. قالوا: لأن سعد بن عبيدة قد روى عن عبد الله بن عمر، فلهذا قال هنا: ذكر المنصور أيضا أن هناك واسطة بينه وبين عبد الله بن عمر، وهو هذا الذي قال له أبو محمد الكندي، وهو رجل مجهول. فلهذا فإسناد هذا الحديث فيه شيء. لكن جاء له شاهد من حديث سالم، عن أبيه، سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه قال: سمعت أبي يقول: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف بغير الله فقال فيه قولا شديدا». ما جاء بهذا القول، لكن قال: «فقال فيه قولا شديدا». فالقول الشديد يحمل على هذا، على أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك». وحديث عمر في الصحيحين، لكن ليس فيه هذا، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم -لما رأى أو سمع عمر يحلف بأبيه-: «لا تحلفوا بأبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد. فمن كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت». من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت. قال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا؛ لأن الحلف بغير الله شرك. حتى وإن كان شركا أصغر، فهو يعتبر من أكبر الكبائر؛ لأنه يمس التوحيد، وكل شيء يمس التوحيد فهو يعتبر كبيرا. فلهذا الحلف بغير الله قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. فإن كان الحالف يحلف بغير الله عز وجل تعظيما لهذا المحلوف به كتعظيمه لله، فيعتبر شركا أكبر. وإن كان هذا الحالف يحلف بغير الله، لكن ليس كتعظيمه لله، وإنما فقط لمكانته عنده، مثلا يقول: وأبي. بعضهم هنا عندنا يقولون: وشرف أمي، أو وكعبة ربي، أو ونبي، ودين الله، أو وديني. غيرها من هذه الألفاظ التي يكون فيها حالف بغير الله، فهذه الألفاظ تعتبر شرك بالله. قال حذيفة بن اليمان عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان». رواه أبو داود بسند صحيح. وهذا أيضا ثبت من حديث قتيلة بنت صيفي، وحديث الطفيل بن عمر: أنه رأى رؤية في المنام، وأنه مر على مجلس من اليهود، فقال لهم: أنتم، أنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. وتقولون: والكعبة. قال: ثم مررت عند قوم من نصارى، فقلت: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. فقالوا لي: إنكم أنتم من القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. وتقولون: والكعبة. ما نتحالفون بالكعبة. قال: فلما أصبحت أخبرت بها النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبرت من أخبرت. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فقال: «إن الطفيل بن عمر رأى رؤية، وإني كنت أريد أن أخبركم عن ذلك، ولكن منعني كذا وكذا». وذكر لهم هذه الرؤية. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، وإنما قولوا ما شاء الله وحده. وقولوا: ورب الكعبة. لا تقولوا: وكعبة. قولوا: ورب الكعبة». فإن هذا يؤثر على توحيد العبد. قال: ويدل على أنه ليس بكفر مخرج من الملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكنت أخبركم، على أن منعني كذا وكذا». فدل على أنه ليس شرك أكبر. لو كان شرك أكبر لأعظمهم بذلك. وجاء عن إبراهيم النخعي: أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك. ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. ويقول: لولا الله ثم فلان. ولا تقول: لولا الله وفلان. قال: في مسائل: الأولى تفسير آية البقرة في الأنداد. الثاني: أن الصحابة -رضي الله عنهم- مفسرون الآلة النازلة في شرك الأكبر، أنها تعمل أصغر. هذا كما جاء عن ابن عباس. الثالث: أن الحلف بغير الله شرك، قد يكون شرك أكبر، وقد يكون أصغر. الرابع: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس، على كلام عبد الله بن مسعود: «لأن أحلف صادقا، لأن أحلف كاذبا أحب إلي أن أحلف بغير الله صادقا». وليس معنى أحب إلي أن يحب ذلك، لا أحب إلي معنى أفضل إلي وأخير؛ لأن ذاك وإن كان هذا الأمر حرام، لكن ذاك أعظم. قال: الخامس: الفرق بين الواو، ثم في اللفظ. ولا شك أن بينهما فرق؛ لأن واو تكون عاطفة، فتشارك، كأنه يشارك الله عز وجل في الفعل: لولا الله وفلان. لكن: ثم فلان، فيبين أن مشيئته وفعله تابع لمشيئة الله عز وجل وفعله.