الدرس في شرح الرائد في علم الفرائض 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المحور أول شروط الإرث وهو تحقق موت المورث فعلياً أو حكماً، متناولاً حالات المفقود الذي يحكم القاضي بموته، وشهادة عدلين بالوفاة، وحكم الجنين المسقط ميتاً بسبب جناية ووجوب الغرة فيه.
يبين المحور الشرطين المتبقيين: تحقق حياة الوارث بعد المورث حياة مستقرة لا مجرد حركات انفعالية، ووجوب علم القاضي بجهة الإرث ونوعها ودرجتها من قرابة أو زوجية أو ولاء مع ضرورة التثبت وحصر الورثة.
يختم المحور بشرح شروط الإرث الثلاثة مع الإشارة إلى حديث عن القضاة وأهمية التثبت في الأحكام، ويوضح الفرق في القوة والدرجة بين الأخ الشقيق والأخ للأب في ميراث الإخوة.
يختتم الدرس بدعاء جامع يطلب فيه العبد من الله التمتع بالسمع والبصر والقوة، والنصر على الظالمين، وأن لا تكون الدنيا أكبر همه، مع الختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. لا نزال في كتاب «الرائد في علم الفرائض» للشيخ الدكتور محمد العيد الخطراوي رحمه الله تعالى وغفر له. كنا انتهينا من شروط الإرث، وأنها ثلاثة كما ذكرها أهل العلم. قال: شروط... كنا انتهينا من أركان، الآن شروط ندخل فيها اليوم. قال: شروط الإرث: تعريف الشرط للغة والاصطلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾. واصطلاحًا: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. تقدم في علم الأصول في بعض الشروحات الكلام على هذه المسائل مفصلة. الشرط: مثل الطهارة للصلاة. لأننا نريد أن نفهم الشرط، مثل الطهارة للصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بالطهارة، فالطهارة شرط لصحة الصلاة. قال: عددها: شروط الإرث ثلاثة، ولا يتم الإرث إلا بتمامها. الأول: تحقق موت المورث، أو إلحاقه بالأموات حكمًا، كالمفقود إذا انقضت فيه مدة الانتظار، وحكم القاضي بموته، يعني حكم اجتهادًا بموته. كذلك إذا شهد عدلان أن فلانًا مات، كنا معهما، وهما عدلان، يحكم بموته أيضًا. أو إلحاقه بالأموات تقديرًا، وذلك كالجنين الذي ينفصل من أمه ميتًا لسبب جناية عليه توجب الغرة. يعني: ضربت المرأة في بطنها، فسقط جنينها ميتًا. الغالب أن السبب تلك الضربة التي تعرضت لها تلك المرأة وهي حامل. هذا فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة». والغرة المراد بها: الرأس، يعني بعبد أو أمة. توجب الغرة: يعني التعويض. والغرة هي: بياض في جبهة الفرس، هذا الأصل، كما في حديث أبي هريرة: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا غرًا». الغر: نور أو بياض في جبهة الفرس، لمعة في رأس الفرس، شعرات بيضاء مجموعة تسمى غرة. قال: والغرة هي عبد أو أمة تقدر بخمس من الإبل، يأخذها ورثة الجنين. هذا إذا ثبت أن الضربة أماتته، إذا ثبت أن الضربة هي التي أماتته، سواء كانت هذه الجناية عمدًا أو خطأً، وسواء ألقت بسببها الجنين في الحال، أو بقيت متألمة حتى سقط، ذكرًا كان أو أنثى. إذن لا بد من تحقق موت المورث، هذا الشرط الأول. هذا الخلاصة: تحقق موت المورث، أو إلحاقه بالأموات. الثاني: تحقق حياة الوارث بعد موت المورث، ولو لحظة، ليدخل الحمل إذا فصل حيًا حياةً مستقرة. حياةً مستقرة: احتراز عن حركة الانتشار التي أشرنا إليها أمس، وهي أن الأجسام اللينة إذا ضغطت ثم أطلقت تحركت، ولا يعني تحركها حياتها. هذه سميناها حركة الانتشار: شيء يضغط، فإذا فتحت انتشر. هل هذا حي؟ هذا ليس بحي، وإن حرك رجله أو حرك أطرافه، فهذا لا يدل على حياته. ولهذا يقول المؤلف رحمه الله: «حيًا حياةً مستقرة»، أن يصيح أو يبكي ونحو ذلك. الثالث: العلم بالجهة المقتضية للإرث، العلم بالجهة المقتضية للإرث من زوجية أو ولاء أو قرابة، وتعين جهة القرابة من بنوة وأبوة وأمومة وأخوة وعمومة، وكذلك العلم بالدرجة التي اجتمع فيها الميت والوارث. هذا الشرط إذا تأملنا فيه وجدناه شرطًا يتعلق بالقاضي. هذا الشرط يتعلق بالقاضي: من الذي يعلم جهة الإرث ونوعها ودرجتها، ويحقق القول في ذلك، ويبحث في ذلك؟ هذا شرط على القاضي، ويجب عليه التحري. يجب على القاضي أن يتحرى: ماذا وجه القرابة بين فلان وفلان؟ هل يوجد ورثة آخرون؟ يجب أن يتحرى، يتحرى ذلك غاية التحري. يسمونه حصر الإرث. أحذر النبي صلى الله عليه وسلم القضاء من التساهل، في حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: «القضاة ثلاثة: فقاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة». فيجب الحرص على معرفة الحق. هذه ثلاثة شروط: تحقق موت المورث، تحقق حياة الوارث، العلم بالجهة المقتضية للإرث. ثلاثة شروط لا بد من تحققها في بيان الإرث، في تحقيق الإرث وتوزيعه على من يستحقه. إذن هذه الخلاصة: أن الإرث له شروط، منها ثلاثة شروط مشهورة. له شروط هي ثلاثة، لا يتم إلا بتمامها: تحقق موت المورث أو إلحاقه بالأموات، تحقق حياة الوارث ولو لحظة، وكذلك الجنين أن ينفصل حيًا صارخًا أو باكيًا حياةً مستقرة. الشرط الثالث: على القاضي أن يكون عالمًا بالجهة المقتضية للإرث، عالمًا بدرجة الورث. هذا ابن ابن، وهذا ابن الميت، لا شك أن ابن الابن أقرب. هذا أخوه شقيقًا، وهذا أخوه لأب. الشقيق أقوى أم لأب؟ من الأقوى: الأخ الشقيق أم الأخ لأب؟ عندك أخوه... لماذا؟ لأنه يرتبط من أمه ويرتبط به من أبيه، بينما الأخ من الأب يرتبط به من الأب فقط. مسألة الكلام مفصلة إن شاء الله. وهذا العلم من العلوم السهلة اليسيرة التي تحتاج فقط إلى عون من الله عز وجل وتوفيق، وتحتاج إلى مراجعة، مراجعة فيها. إذن شروط الإرث ثلاثة: تحقق موت المورث، تحقق حياة الوارث، العلم بالجهة المقتضية للإرث. فإذا كان لأحد شيء في هذا فليقل هاهنا إن شاء الله تعالى. هذا، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.