التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 1

التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 1

الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة في آداب المعلمين والمتعلمين وأهميتها عند السلف

يستهل المجلس برسالة ابن سعدي «آداب المعلمين والمتعلمين» مبيناً عناية السلف بالآداب وتصنيفهم فيها. ويؤكد أن الآداب من أهم مهمات طالب العلم مستشهداً بأقوال ابن سيرين وسفيان الثوري ومؤلفات ابن سحنون والخطيب البغدادي وابن مفلح وابن عبد البر.

أهمية تقديم الأدب على العلم في مجالس السلف

يبرز حرص الأئمة كمالك وأحمد بن حنبل على تعليم الأدب والسمت قبل العلم مستشهدين بوصية أم مالك. ويشير إلى أن مجالس المحدثين كانت مدارس للأدب والوقار قبل كونها مجالس للعلم كما روى تلميذ مالك عبد الله بن وهب.

أهمية الأدب في طلب العلم وأخلاق طالب الحديث

يؤكد المقطع على ضرورة الأدب لطالب العلم مستشهداً بأقوال مالك وابن المبارك والخطيب البغدادي. ويوضح أن طلبة الحديث يجب أن يكونوا أكمل الناس أدباً وتواضعاً ونزاهة لمجالستهم الأخبار النبوية وسيرة السلف.

خاتمة الدرس والإشارة إلى الدرس القادم

يختتم المتحدث الدرس داعياً الله التوفيق ومبيناً أن الدرس القادم سيتناول الآداب التي استهل بها ابن سعدي رسالته. ويؤكد حاجة الجميع للاستفادة من هذه الآداب والعمل بها في طلب العلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا المجلس يعتبر أوائل المجالس العلمية التي نتذاكر فيها كتاباً ورسالة في الآداب الإسلامية، وهي رسالة للعلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. وهذه الرسالة عنوانها «آداب المعلمين والمتعلمين»، وفي بعض النسخ سُميت بـ «فائدة تشتمل على آداب المعلمين والمتعلمين». فائدة تشتمل على آداب المعلمين والمتعلمين. وسبب هذه الرسالة -أي مدارستها ومذاكرتها- هو بناء على طلب بعض إخواننا مذاكرة رسالة أو كتاب فيما يتعلق بالآداب الإسلامية. والعلماء يا إخوان اهتموا بالآداب، فصنفوا فيها المصنفات؛ فمنها ما ضمن كتب الحديث، وضمن كتب السنة عقدوا أبواباً وكتباً بهذا الاسم: باب أو كتاب الأدب. وهناك كتب مستقلة حول الآداب. ومن أوائل من ألف في الآداب -ذكروا- الإمام محمد بن سحنون الفقيه المالكي رحمه الله تعالى، فله كتاب في آداب المعلمين والمتعلمين. وهكذا أيضاً الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى له «الجامع لآداب الشيخ والسامع». وهكذا الإمام ابن مفلح الحنبلي له كتاب قيم في هذا الباب ألا وهو «الآداب الشرعية». وهكذا الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى له كتاب «بيان العلم وفضله» بيّن فيه جملة كبيرة من هذه الآداب. وهكذا أيضاً غيرهم من المصنفين صنفوا فيما يتعلق بالآداب. والآداب يا إخوان -بالنسبة لطالبي العلم- يعتبر من أهم المهمات التي يجب أن يعتني بها عناية عظيمة، عناية عظيمة. ولهذا السلف رحمة الله عليهم أولوا هذا الجانب اهتماماً بالغاً. فهذا الإمام محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: «كانوا -أي الصحابة- يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم». ومعنى الهدي: أي السمت والأدب والخلق، كما يتعلمون العلم، كما يتعلمون العلم. وهكذا ذكر الإمام سفيان بن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: «قالوا: لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا ويتعبدوا عشرين سنة». أولاً الأدب، أولاً الخلق، قبل أن يتعلم العلم، قبل أن يتعلم العلم. وهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال لفتى من قريش، فتى أي شاب صغير من قريش، قال له: «يا ابن أخي، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم». فهذا يدل على عناية عظيمة من هؤلاء الأئمة -ماذا؟- من هؤلاء الأئمة بجانب الأدب قبل العلم. الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: «كانت أمي تجهز عمامتي صغيراً، كان قال: كانت أمي تجهز عمامتي وأنا صغير قبل ذهابي لحلقي العلم، فتقول: اذهب إلى ربيعة» -أي ربيعة بن عبد الرحمن شيخه- «قالت: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه، فتعلم من أدبه قبل علمه». استفاد هذه الفائدة من أمه، ولهذا قال لهذا الفتى القرشي: قال له ماذا؟ قال له هذه الوصية العظيمة أن يتعلم الأدب قبل أن يتعلم العلم. وهذا أحد تلاميذ الإمام مالك رحمه الله تعالى ألا وهو عبد الله بن وهب، كان يلقب بديوان العلم. عبد الله بن وهب كان يلقب بديوان العلم. قال عبد الله بن وهب: «ما تعلمنا من أدب مالك» -لاحظ- «أكثر مما تعلمنا من علمه، ما تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه». كما ذكر ذلك الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في «سير أعلام النبلاء»، «سير أعلام النبلاء». بل ذكر الإمام الذهبي في السير أيضاً قال: «كان يجتمع في مجلس الإمام أحمد ما يزيد على خمسة آلاف»، قال: «خمس مئة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت». قال: «خمس مئة يكتبون»، قال: «والباقون ماذا يتعلمون؟ حسن الأدب والسمت». ولهذا يا إخوان كانت مجالس المحدثين هي مجالس الأدب، هي مجالس الأدب قبل أن تكون هي مجالس العلم. فهذا الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: «من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأتِ حلقة مسعر بن كدام، فيها السكينة والوقار، وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام، وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام». فهذه مجالس المحدثين ومجالس أهل العلم. وهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى كان مجلسه مجلس أدب ومجلس سمت وخلق حسن مع العلم الذي كان ينثره ويبثه في أوساط طلابه. ولهذا قيل في مجلس الإمام مالك: «يأبى الجواب فلا يراجع هيبة، والسائلون نواكس الأذقان أدباً، الوقار وعز سلطان التقى، فهو المهيب وليس ذا سلطاني، وليس ذا سلطاني». وهكذا أيضاً ذكر الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى، ابن المبارك يا إخوان يذكر حالهم ويذكر واقعهم في أزمان العافية، يقول ابن المبارك: «نحن إلى قليل من الأدب» -نحن ليس نحن وإنما هم- «أحوج منا إلى كثير من العلم». ابن المبارك يقول ذلك، فماذا عسانا أن نقول نحن؟ فماذا عسانا أن نقول نحن في هذه الأزمنة المتأخرة التي حرم الكثير من الناس الأدب والخلق، بل ولربما كان من طلاب العلم، بل ولربما ممن يشار إليه بالبنان ممن ينتسب إلى العلم وأهله، إلى العلم وأهله. ابن المبارك يقول ذلك، بل قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: «طلبت الأدب ثلاثين سنة، طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة». يقول: «طلبت الأدب» أي عند المحدثين ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. قال: «و كانوا -أي العلماء وطلاب العلم- يطلبون الأدب قبل العلم، وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم». إذن يا إخوان، الأدب وما أدراك ما الأدب، هذا ينبغي أن يجعله طالب العلم خاصة والمسلم على وجه العموم من أهم المهمات وأوجب الواجبات. ونختم هذا المجلس بما ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه «الجامع في أخلاق الراوي والسامع»، قال رحمه الله تعالى: «والواجب -والواجب- أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً». احفظها يا طالب العلم. قال: «والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً، وأشد الخلق تواضعاً، وأعظمهم نزاهة وتدينا، وأقلهم طيشاً وغضباً، وأقلهم طيشاً وغضباً». هذه يا إخوان تكتب بالذهب لا بمائه، يعني ينبغي أن يجعلها طالب العلم نبراساً نصب عينيه. قال: «والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً، وأشد الخلق تواضعاً، وأعظمهم نزاهة وتدينا، وأقلهم طيشاً وغضباً». لماذا؟ قال رحمه الله تعالى: «لدوامي قرع أسماعهم بالأخبار المجتمعة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، قال: فيأخذ بأجملها وأحسنها، ويصدف عن أراذلها، نعم عن أرذلها وأدونها». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل الكلام حول هذه الآداب التي استفتح بها العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى هذه الرسالة الماتعة وهذا الكتاب القيم، الذي نحن جميعاً المتكلم والسامع أحوج ما يكون إلى أن يستفيد منه وأن يعمل بما فيه. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.