الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 3، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشارح بشرح رسالة ابن السعدي «آداب المعلمين والمتعلمين» مؤكداً أن الإخلاص لله شرط في كل وسائل طلب العلم وتبليغه. ثم ينبه إلى وجوب البدء بأهم العلوم الشرعية وما يعين عليها من علوم العربية.
يؤكد المقطع على أهمية التدرج في طلب العلم بالبدء بالمتون المختصرة والكتب المبسطة قبل الانتقال إلى المطولات. وينهى عن الاستعجال في التحصيل مستدلاً بقول الإمام الزهري وآية الربانيين.
يشدد المقطع على أهمية الصبر وعدم العجلة في طلب العلم والبدء بالأهم فالمهم كإتقان تلاوة القرآن وحفظه. كما يعنى بتعلم اللغة العربية وعلومها كآلة لفهم العلوم الشرعية مع الاستشارة المستمرة للمشايخ.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء إلى الله أن ينفع الحاضرين بما سمعوه ويرزقهم علماً نافعاً وعملاً صالحاً. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقد مر معنا في درس ماضٍ الكلام حول ما يتعلق برسالة العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين، التي سماها «آداب المعلمين والمتعلمين»، وفي بعض النسخ باسم «فائدة تشتمل على آداب المعلمين والمتعلمين». وقد سبق معنا في الدرس الماضي أن نبه رحمه الله تعالى على أهمية الإخلاص لله عز وجل في تحصيل العلم، وكذلك في تبليغ العلم؛ فالعلم عبادة، بل من أجل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل. وإذا لم يوجد الإخلاص، فإن الأمر يكون وبالاً على ذلكم المتعلم، بل وعلى ذلكم المعلم. ولهذا سبق الإشارة إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في أولئك الثلاثة الأصناف الذين هم أول من تسعر بهم النار، ومنهم رجل قرأ القرآن لكي يقال قارئ، وفي رواية: تعلم العلم لكي يقال عالم، فيؤمر به بعد ذلكم إلى النار. وكذلك كما سبق، جميع المجالات والجوانب المتعلقة بالعلم، سواء دراسة أو تدريس، أو كان بحثاً أو مناظرة، أو إسماعاً أو استماعاً، أو كتابة أو حفظاً، أو شراء للكتب، أو غيرها من الأبواب الأخرى، يخلص العبد منا العمل لله تبارك وتعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «فكل طريق حسي أو معنوي يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله، فإنه داخل في هذا»؛ أي: فيما يجب على العبد أن يخلص فيه لله عز وجل، «فإنه طريق يوصل إلى الجنة»، كما سبق في حديث أبي هريرة: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». قال رحمه الله تعالى: «ثم بعد هذا يتعين البداءة بالأهم فالأهم من العلوم الشرعية، وما يعين عليها من علوم العربية». قال: «وتفصيل هذه الجملة معروف، وينبغي أن يسلك أقرب طريق يوصل إلى المطلوب الذي قصده، وأن ينتقي من مصنفات الفن»؛ أي فن العقيدة أو الفقه أو التفسير أو النحو أو البلاغة أو الصرف أو غيرها من الفنون والعلوم، «وأن ينتقي من مصنفات الفن الذي يشتغل فيه أحسنها وأوضحها وأكثرها فائدة، ويجعل جل همه واشتغاله بذلك الكتاب حفظاً عند الإمكان، أو دراسة، دراسة تكرير، بحيث تكون المعاني معقولة له محفوظة، ثم لا يزال يكرر ما مر عليه ويعيد، وما مر عليه ويعيد، ومعنى ومعنى، لا يزال يكرر ما مر عليه ويعيد»؛ أي: يكثر النظر ويكثر المراجعة. وهكذا أيضاً يكثر المذاكرة في هذا الذي تم دراسته، تم دراسته. ولهذا مما ينقل عن الإمام الخليل رحمه الله تعالى أنه قال: «من أكثر من مذاكرة العلماء لم ينسَ ما علم، واستفاد ما لم يعلم». نقله عنه الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. وفي هذه الكلمات تنبيهات عظيمة جداً، ومنها: أنه ينبغي على طالبي العلم أن يتدرج في تحصيل العلوم، فيبدأ بالصغير قبل الكبير. وهذا في معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ [آل عمران: 79]، الرباني الذي يبدأ بصغار العلم قبل كباره. قبل كباره: أراد أن يدرس فيه النحو، لا يبدأ بابن عقيل وقطر الندى فيعجز وينقطع، وإنما يبدأ بما هو الأسهل، يدرس له مقدمة ابن آجروم، المقدمة الآجرومية، يحفظها حفظاً، ويدرسها دراسة، ويكثر من النظر إليها. وهكذا يتدرج في علم النحو. أراد أن يدرس في المصطلح، هل يذهب مباشرة ويدرس تدريب الراوي، أو غير ذلك من كتب العلل وغيرها؟ لا، يبدأ بالمنظومة البيقونية، أو غيرها من الكتب المبسطة التي يسهل على المبتدئ أن يفهم بدايات هذا العلم. وهكذا قل في التوحيد، وهكذا قل في كتب العقيدة، وهكذا قل فيما يتعلق بأصول الفقه، وغيرها من الفنون. ولا يستعجل يا إخوان، ولا يستعجل. فقد قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: «من طلب العلم جملةً ذهب جملةً»، فاته جملة، فاته جملة. ولكن يا إخوان، يؤخذ على مر الأيام والليالي. لا تستعجل الثمرة، من السنة الأولى تريد أن تصبح مدرساً، وممن لربما يشار إليك بالبنان. اصبر واجتهد، واحرص على جمع العلوم، واحرص على إتقان هذه الفنون. لا تنتقل من كتاب إلى آخر إلا بعد أن تهضم مادة هذا الكتاب، وإياك والعجلة. ونبه كذلك أيضاً على أهمية أن يبدأ بالأهم فالمهم، الأهم فالمهم. ذكروا أن رجلاً جاء إلى الإمام أحمد رحمه الله، وعنده أيتام، عنده شباب يريد أن يطلبوا العلم، فسأل هذا الرجل الإمام أحمد: هل يسمعهم الحديث؟ يعني هؤلاء المبتدئين، هل يسمعهم الحديث؟ يعني يسمعوا الأحاديث ويتفقه فيها. قال: لا، علمهم القرآن. يعني ابدأ معهم بماذا؟ بتعليم القرآن. وهكذا يا إخوان، يأتي الطالب يريد أن يدرس، أولاً ينبغي أن يجاهد نفسه على التلاوة الصحيحة، تصحيح النطق، وأن يتخلص من الأخطاء الموجودة عنده، واللحن الذي قد يكون موجوداً لديه. ثم بعد ذلك يبدأ بالحفظ شيئاً فشيئاً، يبدأ مثلاً بحفظ الفاتحة وقصار السور، يكمل جزء عم، انتقل إلى تبارك، فالمجادلة، فالذاريات، فإذا به قد أصبحت عنده ملكة، يستطيع أن يحفظ في كل يوم نصف صفحة، بل لربما أصبح يقدر على أن يحفظ ورقة. ممكن بعدها يا إخوان ينتقل إلى البقرة، أو غيرها من المواضع الأخرى. وهكذا نبه على أمر آخر، ألا وهو الاهتمام بتعلم اللغة العربية. هذه ليست لغير الناطقين بها فحسب، الإخوة الأعاجم الذين يأتون من هنا وهناك، بل حتى الذي يتحدث باللغة العربية، كم يستفيد من تعلم النحو والصرف، وهكذا أيضاً البلاغة، وغيرها من علوم العربية! فهي من علوم الآلة التي تعينك على فهم التوحيد والعقيدة، وعلى دراسة الفقه والتفسير، وغيرها من العلوم الأخرى. نبه على أمر آخر، ألا وهو أنه ينبغي أن يسلك أقرب طريق يوصل إلى المطلوب الذي قصده. وهذا في الغالب يا إخوان، ماذا يعينك عليه؟ المدرس الذي تدرس عليه، فتستشيره فيما تدرس، وإذا درست استشيره فيما تدرس بعده، فيدلك على ما هو أنفع، ويدلك على طريق أخصر وأقرب، من خلالها تستطيع أن تجمع ماذا؟ المطلوب، وتصل إلى هذا الشيء الذي أنت تقصده، الذي أنت تقصده. وبعد هذه المقدمة، سيأتي معنا ويذكر بعض الآداب المتعلقة بالمعلمين. فنسأل المولى عز وجل أن ينفعنا جميعاً بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر