الدرس في تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل قصة قوم لوط وتكذيبهم للنبي لوط، مشيراً إلى أن عذابهم كان نتيجة الشرك والكفر وتكذيب الرسل وليس فقط بسبب الفاحشة. يُبرز أهمية التوحيد وخطورة الشرك.
يناقش هذا الفصل خطأ الخوارج في تكفير المسلمين بسبب المعاصي، موضحاً أن فعل المعاصي لا يعد كفراً ما لم يصاحبه جحود أو استحلال. يُفسر الآيات المتعلقة بقصة لوط وقومه.
يشرح هذا الفصل الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع في سياق قصة لوط، ويبين أن نجاة آل لوط كانت نتيجة شكرهم الحقيقي لله. يشدد على أهمية الشكر بالطاعة وليس باللسان فقط.
يُظهر هذا الفصل حكمة الله في استدراج بعض الكافرين، مما يزيد من إصرارهم على الباطل ويُحكم الحجة عليهم. يُوضح أن هذا الاستدراج يأتي في سياق توضيح إصرارهم على الكفر.
اشْتَرَكُوا فِي الْقَنَاةِ وَنَجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نَعْمَةٍ مِنْ عِندِنَا فَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بِطَشَتِنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوا عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بِكَرَةٍ عَذَابٌ مُسْتَقِيمٌ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. قَالَ مُفَسِّرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ مِنْ نُورٍ أَيْ بِالْأُمُورِ الْمُنْذِرَةِ لَهُمْ عَلَى لِسَانِهِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا رِيحًا تَرْمِيهِمْ بِالْحَصَوَاتِ وَهِيَ صِغَارُ الْحِجَارَةِ الْوَاحِدُ دُونَ الْكَفِّ فَهَلَكُوا إِلَّا آلَ لُوطٍ وَهُمْ بِنْتَاهُ مَعَهُ، نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ مِنَ الْأَسْحَارِ وَقْتَ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَلَوْ يُرِيدُ مِنْ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لَوَرَعَ مِنْ الصَّرْفِ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ مَعْدُولٌ عَنْ السِّحْرِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِأَلْ. وَأَنْ أَرْسَلَ الْحَاصِمَ عَلَى آلِ لُوطٍ أُولَئِكَ قَوْلَانِ، وَعَبَّرَ مِنْ صَفَنَايَا الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّهُ مُتَوَقِّعٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْجِنْسِ تَسْمُحًا. نِعْمَةٌ مَصْدَرٌ أَيْ إِنْعَامًا مِنْ عِنْدِنَا، كَذَلِكَ أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَزَاءِ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ أَيْ مَنْ آمَنَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَأَطَاعَهُمْ. وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ نُوطٌ بِطَشَتِنَا أَخَذَتْنَا إِيَّاهُمْ بِالْعَذَابِ فَتَمَارَوْا تَيَادَلُوا وَكَذَّبُوا بِالنُّذُرِ. وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَتَوْا فِي صُورَةِ الْأَضْيَافِ لِيَفْجُرُوا بِهِمْ وَكَانُوا مَلَائِكَةً. فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ أَعْمَيْنَاهَا وَجَعَلْنَاهَا بِلَا شَقٍّ كَبَاقِي الْوَجْهِ بِأَنْ صَفَقَهَا جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ. فَذُوقُوا فَقُلْنَا لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ أَيْ إِنْذَارِي وَتَخْوِيفِي أَيْ ثَمَرَتَهُ وَفَائِدَتَهُ. وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ مُخْرِجًا وَقْتَ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عَذَابٌ مُسْتَقِيمٌ دَائِمٌ مُتَّصِلٌ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ. فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، مَا زِلْنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْآيَاتِ الْعَظِيمَاتِ فِيهَا، وَالَّتِي فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْعِبَرِ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ مَعَ أُمَمِهِمْ. وَنَحْنُ الْيَوْمَ فِي قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لُوطٍ مَعَ قَوْمِهِ. وَقَدْ مَرَّتْ مَعَنَا قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ فِي السُّوَرِ السَّابِقَةِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِحِكَمٍ يُعِيدُ لِزِيَادَةِ الْعِظَةِ وَالْعِبَرِ، وَلِذَلِكَ تَأْكِيدٌ وَتَثْبِيتٌ مَا فِي هَذِهِ الْقَصَصِ مِنْ مَعَانٍ عَظِيمَةٍ يَكُونُ فِيهَا إقَامَةُ الْحُجَّةِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُجْرِمِينَ أَلَّا يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ مَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ. وَفِيهَا كَذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُنْجِيهِمْ كَمَا أَنْجَى قَبْلَهُمْ، وَسَيَرْفَعُ الْبَلَاءَ كَمَا رَفَعَ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَهُمْ. وَنَلَاحِظُ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةٌ مَكِّيَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا، وَالْآيَاتُ كَذَلِكَ كُلُّهَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ مَكِّيَةٌ، وَفِيهَا هَذِهِ الْمَعَانِي وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ وَاللَّطِيفَةِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا الْكَثِيرُ مِمَّا ذُكِرَ. وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ بِذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ، وَفِي هَذَا دَائِلٌ أَنَّ عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ فِعْلِ الْفَاحِشَةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ بِالرُّسُلِ مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ فِعْلِ الْفَاحِشَةِ. وَفِي هَذَا تَنْبِيهَانِ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَهَمِّيَّةُ التَّوْحِيدِ وَخَطَرُ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي أَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِينَ قَدْ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ ذُنُوبِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ. وَلِذَلِكَ فَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ يُعَذَّبُونَ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى الْكُفْرِ، بَلْ عَلَى الْكُفْرِ وَعَلَى كُلِّ مَا تَرَكُوا مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْفَضَائِلِ وَمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، فَدَلَّ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْكَافِرَ الْمُنْفِقَ وَالْمُتَصَدِّقَ لَا يَكُونُ عَذَابُهُ كَالْكَافِرِ الْبَخِيلِ. وَالْكَافِرُ الَّذِي يَكُونُ جَبَّارًا سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ فَاعِلًا لِلْفَوَاحِشِ وَالرَّذَائِلِ لَا يَكُونُ عَذَابُهُ كَالْكَافِرِ الرَّحِيمِ الرَّقِيقِ الَّذِي لَا يَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَالْعَفِيفِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي الْفَوَاحِشِ. لَكِنْ لِأَنَّهُ كَافِرٌ فَكَذَلِكَ يُعَذَّبُ بِالْكُفْرِ. وَفِي الْمُقَابِلِ التَّوْحِيدُ شَأْنُهُ عَظِيمٌ، فَإِذَا فَعَلَ الْمُوَحِّدُ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي مَا فَعَلَ مَا دُونَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، فَإِنَّهَا مَرْجُوَّةٌ تَحْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَغْفِرَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَوَكَّلُ عَلَى تَوْحِيدِهِ بَلْ يَرْجُو بِتَوْحِيدِهِ مَعَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي مَهْمَا بَلَغَتْ مَا دَامَتْ دُونَ الْكَبَائِرِ، مَا دَامَتْ دُونَ الشِّرْكِ. وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكَائِرِ، فَإِنَّهَا لَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي التَّخْلِيدِ فِي النَّارِ. وَبِهَذَا نَعْرِفُ خَطَأَ بَعْضِ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ الْخَوَارِجِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِمَّنْ كَفَّرَ بِفِعْلِ الْفَوَاحِشِ. فَإِنَّ بَعْضَ الْخَوَارِجِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا اسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ لُوطٍ وَقَوْمِهِ عَلَى التَّكْفِيرِ بِفِعْلِ الْفَاحِشَةِ. وَثُمَّ قَالُوا: وَهَذِهِ مِنْ شُبَهِ الْخَوَارِجِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ فِعْلَ الْفَوَاحِشِ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِحْلَالِ. وَهَذَا الِاسْتِحْلَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِالْقَوْلِ، بَلِ الْمُجَاهَرَةُ بِالْمَعَاصِي مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الِاسْتِحْلَالِ كَمَا زَعَمُوا. وَبِهَذَا كَفَّرُوا بِفِعْلِ الْمَعَاصِي، وَتَدَرَّجَ الْأَمْرُ لَيْسَ فَقَطْ فِي الْفَوَاحِشِ، قَاسُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ أُخْرَى كَثِيرَةً، فَكَفَّرُوا الْمُسْلِمِينَ بِفِعْلِ جِنْسِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ. وَهَذَا خَطَأٌ وَمَسْلَكٌ مُنْحَرِفٌ مُنَافٍ لِمَا عَلَيْهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، عَقِيدَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ. بَلِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرُ عَظِيمَةٌ، وَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ كَبَائِرَ إِلَّا لِعَظِيمِ خَطَرِهَا، وَمِنْهَا الْفَوَاحِشُ. لَكِنَّ فِعْلَهَا لَا يَعْنِي كُفْرَ صَاحِبِهَا، وَالْمُجَاهَرَةُ بِهَا تَزِيدُ فِي الْجُرْمِ وَالْعَذَابِ وَالْعِقَابِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ لَا يَعْنِي أَنَّهُ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْكُفْرِ. وَهَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعْنًى لِلِاسْتِحْلَالِ؟ الْجَوَابُ: لَا. إِذَا وَقَعَ الِاسْتِحْلَالُ فِي الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَةِ أَوِ الْفِعْلِيَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كُفْرًا. مَنْ اسْتَحَلَّ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَمَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ. وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِوُضُوحٍ وَبَيِّنَةٍ وَبِمَا قَدْ سَبَقَ كَلَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْعَارِفِينَ الصَّادِقِينَ الرَّاسِخِينَ أَنَّهُ يَكُونُ كُفْرًا. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ وَدَقِيقَةٌ ضَلَّتْ بِهَا قَوَافِلُ، بَلْ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْعِلْمِ بِسَبَبِ ضَلَالِ بَعْضِ رُؤُوسِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَتَلْبِيسِهِمْ بِالشُّبَهِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَفِي الْآيَاتِ عِظَاتٌ وَعِبَرٌ كَثِيرَةٌ وَمَسَائِلُ عَدِيدَةٌ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَنَا أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مَعَ لُوطٍ النُّذُرَ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي بِهَا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ. فَلَيْسَتْ نُذَارَةً وَاحِدَةً، بَلْ نُذُرٌ كَثِيرَةٌ. بَلْ أَيَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ لُوطًا بِرِسَالَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَكَانَ عَهْدُ لُوطٍ فِي عَهْدِ مَنْ؟ فِي عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِعْ قَوْمُ لُوطٍ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالنُّذُرَاتِ الْكَبِيرَةِ الْكَبِيرَةِ. وَلِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي جَمَعَ لَهُمْ فِيهَا عُقُوبَةَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ مَعَ عُقُوبَةِ فِعْلِهِمْ لِلْفَوَاحِشِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾، قَالُوا: رِيحًا تَرْمِيهِمْ بِالْحَصَوَاتِ، وَهِيَ صِغَارُ الْحِجَارَةِ الْوَاحِدُ دُونَ الْكَفِّ. وَيُفْهَمُ مِنْ الْآيَاتِ الْأُخْرَى أَنَّ هَذِهِ الْحِجَارَةَ كَانَتْ فِيهَا نَارٌ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى أَنَّهَا مِنْ مَاذَا؟ مِنْ سِجِّيلٍ. فَهِيَ حَصَوَاءُ مُلْتَهِبَةٌ مُحْرِقَةٌ. وَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِهَذَا الْوَصْفِ، فَهِيَ مُتَفَرِّقَةٌ حَصَوَاءُ بِمَعْنَى مُتَفَرِّقَةٍ وَكَثِيرَةٍ، وَهِيَ كَذَلِكَ مُلْتَهِبَةٌ وَمُحْرِقَةٌ. مُلْتَهِبَةٌ وَمُحْرِقَةٌ. وَبِهَذَا كَانَ إِحْرَاقُهُمْ وَإِهْلَاكُهُمْ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿رِيحًا﴾، أَخَذَهُ مِنْ بَعْضِ الْآيَاتِ الْأُخْرَى. وَهَذَا يُرَجِّحُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذِهِ الرِّيحَ كَانَتْ رِيحَ هَذِهِ الْحَصَوَاءِ الْمُشْتَعِلَةِ. وَغَالِبًا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُهَيِّئُ أَسْبَابَ الْعُقُوبَاتِ، وَكَذَلِكَ الْعَذَابَ وَالنِّكَبَاتِ بِجَعْلِ أَسْبَابٍ قَرِيبٍ مِنْهَا. وَذَلِكَ أَنَّ مَهْلَكَ هَؤُلَاءِ بِالْغَالِبِ يَكُونُ مِنْ الْبَرَاكِينِ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهَا. وَقَوْمٌ مَكَانُهُمْ مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ فِي جِهَةِ بِلَادِ الْأُرْدُنِ، وَالْجِبَالُ الْبُرْكَانِيَّةُ لَا تَزَالُ آثَارُهَا مَوْجُودَةً إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، مِمَّا يَدُلُّ وَيُؤَكِّدُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾، قَالَ: هُمْ ابْنَتَاهُ مَعَهُ، يَعْنِي مِنْ آلِ بَيْتِهِ. لَيْسَتْ زَوْجَتُهُ مَعَهُ لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مُسْتَثْنَاةٌ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى. وَالْقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَالْقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَهَذَا يُؤَكِّدُ مَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْخِلَافِ: هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُتَّصِلٌ؟ وَمَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَالْمُتَّصِلِ؟ عِنْدَ مَنْ؟ نَعَمْ. الْمُتَّصِلُ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ، وَالْمُنْقَطِعُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ آلَ لُوطٍ لَمْ يَكُونُوا مِنْ جِنْسِ الْمُعَذَّبِينَ. إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّاهُمُ اللَّهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ جِنْسِ الْمُعَذَّبِينَ لَا وَصْفًا وَلَا عُقُوبَةً. فَهُمْ أَهْلُ إِيمَانٍ، وَأُولَئِكَ أَهْلُ كُفْرٍ. وَفِي هَذَا دَائِلٌ كَذَلِكَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ عُوقِبَتْ عَلَى الْكُفْرِ لَا عَلَى الْفَاحِشَةِ. عُوقِبَتْ عَلَى الْكُفْرِ لَا عَلَى الْفَاحِشَةِ. وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ. وَفِي هَذَا دَائِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ لِأَجْلِ الْكُفْرِ وَلِأَجْلِ الْفَاحِشَةِ، أَوْ كَذَلِكَ الرِّضَا بِهَذِهِ الْفَاحِشَةِ. وَقَوْلُ سُبْحَانَهُ: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، أَيْ وَقْتَ السَّحَرِ كَمَا قَالَ مِنْ الْأَسْحَارِ، وَهُوَ مَا قَبْلَ الصُّبْحِ. لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ لُوطًا أَنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، وَأَنَّ الصُّبْحَ قَرِيبٌ. فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَذَّبَهُمْ بَعْدَ طُلُوعِ الصَّبَاحِ حِينَ ابْتَعَدَ لُوطٌ نَبِيُّ اللَّهِ مَعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَوْقِعِ الَّذِي سَيَقَعُ فِيهِ الْعَذَابُ وَتَقَعُ فِيهِ الْعُقُوبَةُ. وَهَذَا مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُسَخِّرُهَا وَيُيَسِّرُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِذَا أَرَادَ شَيْئًا: ﴿إِنَّمَا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وَيَجْعَلُ لَهُ أَسْبَابًا كَمَا قَدْ أَخْبَرَنَا فِي عَدَدٍ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَوْلُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾، أَيْ أَنَّ هَذَا الْإِنْجَاءَ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَفِي هَذَا الْإِنْجَاءِ تَضَمَّنَ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ نَجَاةُ لُوطٍ مَعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي الْانْتِقَامُ الْعُقُوبَةُ بِإِنْزَالِ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ حَتَّى يَسْتَمِرَّ الْأَمَانُ. لِأَنَّ لُوطًا كَانَ مُسْتَضْعَفًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَدْ هَمَّ بِهِ قَوْمُهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، فَأَنْجَاهُ اللَّهُ. وَلَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، أَكَّدَ لَهُ هَذَا الْإِنْجَاءَ بِإِنْزَالِ الْعُقُوبَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الْمُعْتَدِينَ الْمُجْرِمِينَ. وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّهُ نَجَّاهُ سَالِمًا بِبَدَنِهِ سَالِمًا بِدِينِهِ سَالِمًا بِبَدَنِهِ سَالِمًا بِدِينِهِ. وَالْأَمْرُ الرَّابِعُ أَنَّهُ نَجَّاهُ وَمَعَهُ أَهْلُهُ الْمُؤْمِنُونَ أَهْلُ الْإِيمَانِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ مِنْ أَتْبَاعِهِ. لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ آلَ لُوطٍ لَيْسَ الْمُرَادُ خَاصَّةً أَهْلَهُ، بَلْ مُرَادٌ أَتْبَاعُ آلِ لُوطٍ. كَمَا نَقُولُ فِي التَّحِيَّاتِ: فَإِنَّنَا نُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ. وَالصَّحِيحُ الْمُرَادُ أَتْبَاعُ نَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَتْبَاعُ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ لِمَا خَصَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُتَابَعَةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُوا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾. وَفِيهِ دَائِلٌ أَنَّ الشُّكْرَ لَا يَنْحَصِرُ بِشُكْرِ اللِّسَانِ، بَلْ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شُكْرُ مَاذَا؟ الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ بِفِعْلِ أَسْبَابِ هَذَا الشُّكْرِ الَّتِي مِنْهَا الْإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ الَّتِي مِنْهَا الْإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ. فَالشُّكْرُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ أَنْ تَشْكُرَ اللَّهَ بِلِسَانِكَ وَتُكَذِّبَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِجَوَارِحِكَ وَجَنَانِكَ. وَلِهَذَا صَارَ هَذَا الشَّاكِرُ بِاللِّسَانِ مَعَ الْكَافِرِ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. كَالْمُسْتَهْزِئِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَدَدًا مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْوَصْفِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بِطَشَتِنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾، يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ قَدْ سَبَقَ أَنْ حَذَّرَهُمْ مِنْهَا لُوطٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَقَعَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَ أَنْ قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ النُّذَارَةُ. وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعَذِّبْ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَجِ، بَلْ وَتَكْرَارِ هَذِهِ الْحُجَجِ. وَلِهَذَا كَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذِكْرَ النُّذَارَةِ مَرَّتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ وَفِي آخِرِ الْقِصَّةِ تَأْكِيدًا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾، تَقَدَّمَتْ فِي صُوَرٍ سَابِقَةٍ قِصَّةُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، قِصَّةُ رُسُلِ اللَّهِ، مَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ جَاءُوا ضِيَافًا عَلَى لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِتْنَةً وَمِحْنَةً لِقَوْمِ لُوطٍ. كَمَا جَاءَ أَنَّهُمْ جَاءُوا فِي صُورَةِ مُرْدَانٍ فِيهِمْ مِنْ الْجَمَالِ مَا كَانَ فِتْنَةً لِقَوْمِ لُوطٍ، فِتْنَةً لِقَوْمِ لُوطٍ لِأَجْلِ أَنْ يُسْتَدْرَجُوا إِلَى سَبَبِ الْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ. لِأَنَّهُ فِي نَفْسِ اللَّيْلَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا هَؤُلَاءِ الْأَضْيَافِ كَانَ صَبِيحَتُهَا فِيهَا مَاذَا؟ الْعُقُوبَةُ وَالْعَذَابُ. كَانَ فِي صَبِيحَتِهَا الْعُقُوبَةُ وَالْعَذَابُ. وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَدْرَجُ بَعْضُ الْكَافِرِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْإِحْكَامِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ مُصِرِّينَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرِ