تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 102

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 102

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات المستحقين للصدقة وأحكام المسألة

يستعرض المقطع ست صفات لأهل الصدقة ذكرها الله تعالى: الفقر، والحبس في سبيل الله، وعدم القدرة على التكسب، والتعفف، ومعرفتهم بالسيما، وعدم الإلحاف في السؤال. ويؤكد أن الإلحاف في المسألة مذموم شرعًا مستدلًا بأحاديث تحث على الكسب وتنهى عن سؤال الناس.

آداب السؤال وفضل الإنفاق سراً وعلانية

ينهى المقطع عن سؤال الناس تكثرًا مع وجود الكفاية، ويبين أن المضطر لا يلحف في السؤال صيانة لكرامته. كما يبرز فضل الإنفاق ليلاً ونهارًا سرًا وعلانية، وأن أهله ينالون أجرًا عظيمًا وأمنًا من الخوف والحزن يوم القيامة.

أحكام الإنفاق سراً وعلانية وفضل الصدقة القليلة

يبين المقطع جواز الإنفاق ليلاً ونهاراً سراً وعلانية مع التحذير من الرياء عند الإعلان، ويؤكد أن الصدقة القليلة من كسب طيب يعظم الله أجرها حتى تصير مثل الجبل. ويندد بالساخرين من المتصدقين بالقليل من المؤمنين.

سخرية الله من الذين يلمزون المتطوعين في الصدقات

توضح الآية أن الذين يسخرون من المؤمنين المتطوعين بالصدقة ومن لا يجدون إلا جهدهم، سخر الله منهم وأعد لهم عذاباً أليماً. وهذا يدل على خطورة الاستهزاء بأعمال الخير وأهلها وعاقبة السوء التي تنتظرهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقرارنا من الأمس تفسير قول الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. فذكرنا أن الله عز وجل كما ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- ذكر ست صفات فيمن هو أهل لأن يُعطى، وأن يُتصدق عليه. فأولاً: الفقر. والصفة الثانية: أنهم حبسوا في سبيل الله، وحصروا ومنعوا، أي منعوا أنفسهم، ومنعهم أنهم في جهاد أعداء الله عز وجل، وكذلك المدافع عن دين الله سبحانه وتعالى. وأيضًا صفة ثالثة: أنهم لا يستطيعون أن يتكسبوا لأجل مقامهم هذا، لا يذهبون ولا يضربون في الأرض ولا يسافرون لأجل التكسب، بل يمنعهم هذا المقام وهو الجهاد في سبيل الله جل وعلا، إما في جهاد، وإما في طلب علم، وإما في غيرها من المهام العظيمة. وصفة رابعة: أن الجاهل إذا نظر إليهم لا يعلم أنهم أهل أو ممن يتصدق عليه لشدة عفتهم، لشدة تعففهم عن سؤال الناس، وتنزههم عن مثل هذه، أو الاستشراف لمثل هذه الأمور. وصفة خامسة: أنهم يعرفون بسيماهم، يعرفهم أهل التفرس، يعرفهم أهل أيضًا كذلك التوسم، يتوسمون فيهم أنهم يحتاجون إلى الصدقة وغيره. وصفة سادسة: أنهم لا يسألون الناس إلحافًا، أي إن سألوا إذا اضطروا إلى السؤال للحاجة والاضطرار، فإنهم لا يلحفون في المسألة، لا يلحفون، والإلحاف هو الإكثار في السؤال. ولهذا جاء في ذم المسألة أن الإلحاح وكثرة السؤال للناس هو مذمة، كما جاء في الصحيحين: «لا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم»، أي ليس في وجهه مزعة لحم من كثرة سؤاله للناس. وأيضًا جاء في الصحيحين حديث أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحطب فيبيعه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو تركوه». وأيضًا قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم وغيره: «من سأل الناس تكثرًا، إنما يسألهم جمرة من نار»، يسأل الناس تكثرًا لأجل التكثر بالمال، ومعه ما يكفيه، لكن يسألهم لأجل التكثر. فلذلك فهم لا يسألون الناس إلحافًا، إن اضطروا إلى السؤال فإنهم لا يلحفون في السؤال، لا يكثرون على الناس، لأن كثرة السؤال تذهب ماء الوجه. فإذا اضطر إلى أن يسأل لأجل أهله، أو لأجل عياله، أو لأجل كذا، أو إخوانه، أو كذا من الناس، فإنه لا يلحف في السؤال. وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. وهذا أيضًا مما كرره ربنا سبحانه وتعالى، وأن العبد ما أنفق نفقة إلا والله عز وجل يعلمها ويؤجره عليها. ثم قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: فإن الله يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، وإن الله ينيلهم الخيرات، ويدفع عنهم الأحزان والمخاوف والمكروهات، معنى العشاء التي يكرهونها. ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، لا يخافون أبدًا بل هم آمنون يوم يخاف الناس، وكذلك أيضًا ينعمون يوم يعذب الناس، فلذلك لا يصيبهم الحزن لأنهم في نعيم. فلذلك من هذا النعيم أن الله عز وجل يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله. ومن أولئك أهل الصدقة والنفقات كما جاء في حديث خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ومنهم: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه». فأهل النفقات ممن يظلهم الله في ظله. وصحح الشيخ الألباني أيضًا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد تحت ظل صدقته يوم القيامة»، تحت ظل صدقته يوم القيامة. فلذلك فهم لهم الخيرات العظيمة. أُولَئِكَ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية، هذا يدل على أنه أيضًا يجوز أن يعلن بصدقته، يعلن بصدقته إذا احتاج إلى الإعلان، كما تقدم معنى أن السر والعلانية يجوز. لكن من أعلن الصدقة لأجل الرياء والسمعة، فهذا لا يتحصل على أجر هذه الصدقة. وأما إن أعلن هذه الصدقة لأجل القدوة، وكذلك أن الناس ينتبهون لهذا الفقير أو لهذه الجهة التي ينبغي أن الناس ينفقون عليها، فلا بأس بذلك. أما التفاخر: فلان أعطى كذا، فهذا أقرب إلى الرياء. قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، أي كل أحد منهم بحسب حاله. وتخصيص ذلك بأنه عند ربهم يدل على شرف هذه الحال ووقوعها في الموقع الأكبر، كما في الحديث الصحيح: «إن العبد ليتصدق بالتمرة من كسب طيب، فيتقبلها الجبار بيده، فيربيها لأحدهم كما يربي أحدكم فلوه». الفلو هو صغير الإبل، يربيه ويكبره ويكبره. قال: «كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل العظيم». هذا شرف هذه الصدقة وموقعها العظيم الذي تقع فيه، فهي تقع في موضع عظيم. ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، فيربِّي الله عز وجل صدقة العبد ولو كانت يسيرة. «إن العبد ليتصدق بالتمرة من كسب طيب»، تصدق بالتمرة لكنها من حلال، «فيتقبلها الجبار بيده، فيربيها لأحدهم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل العظيم». أي هذه التمرة، لكن يجعل الله عز وجل أجرها أجرًا عظيمًا. ولهذا أنكر الله عز وجل على الذين يغمزون من يتصدق بشيء يسير، ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. جاء في تفسير أو في سبب نزول هذه الآية: أن الرجل يأتي بالصدقة اليسيرة، فاستهزأ به المنافقون، فيقولون: إن الله غني عن صدقتك، هذا شيء يسير تأتي به. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾، يعني العمل الذي يعملونه، يتكسبون منه شيء يسير معهم، فيتصدقون به. فهذا التصدق أعظم ممن يتصدق عنده مال كثير بمال كثير، لكن هذا القليل هو عظيم عند الله عز وجل. فلذلك قال: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. الله عز وجل يسخر من هؤلاء الذين يسخرون بأهل الصدقات. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.