التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 53

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 53

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التوسط في النفقات والصدقات والفرق بين الإسراف والتبذير

يشرح الدرس قاعدة التوسط في الإنفاق والصدقات مستنداً إلى آيات تأمر بالاعتدال بين الإسراف والتقتير، ويوضح الفرق بين الإسراف (مجاوزة الحد في المباحات) والتبذير (الإنفاق في المحرمات). كما يستشهد بحديث سعد بن أبي وقاص الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التصدق بجميع المال، ويشير إلى التوسط في الشجاعة بين الجبن والتهور.

الاعتدال في الشجاعة والصبر وحقوق الوالدين

يوضح المقطع مفهوم الاعتدال في الإسلام بين الإفراط والتفريط، فيفرق بين الشجاعة والتهور في القول والفعل مستشهداً بآيات الجهاد، وبين الصبر المشروع والجزع المنهي عنه مع جواز الحزن الطبيعي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ويبين حقوق الوالدين والأقارب في الإحسان والطاعة في المعروف فقط دون معصية الله.

الوسطية في أداء الحقوق والمعاملات والآداب والانحراف عنها

يؤكد الدرس أن الإسلام جاء بالوسطية في جميع جوانب الحياة كالمعاملات مع الوالدين والأرحام والأولاد والزوجات والأصحاب، حيث تكون المحبة والطاعة في طاعة الله لا في المعصية، وكذلك في الأكل والشرب واللباس بنهي عن الإسراف والتقصير الضار. ويوضح أن انحراف الفرق كلها مرده إلى إفراط أو تفريط عن هذا المنهج الوسط، فالخروج عن الوسطية يتم إما بالغلو أو بالجفاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف: وأمر بالتوسط في النفقات والصدقات، ونهى عن الإمساك والبخل والتقتير، كما نهى عن الإسراف والتبذير أيضًا. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فلا يزال المؤلف يذكر الأمثلة على هذه القاعدة، وهي التوسط والاعتدال في الأمور، وذم التقصير والغلو ومجاوزة الحد. فذكر أمثلة في العبادة، وفي حق الأنبياء، وحق العلماء. ثم ذكر كذلك التوسط في النفقات؛ التوسط في النفقات والصدقات، بمعنى أنك لا تفرط في ذلك بغلو ولا تفريط، وكذلك بالإمساك والبخل. وهذا المثال دل عليه القرآن في أدلة. قال عز وجل في سورة الفرقان: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾. فـ «لم يسرفوا» بمعنى الغلو في النفقة وإخراج النفقة بزيادة، و«لم يقتروا»؛ الإقتار بمعنى الإمساك، يعني لم يمسكوا ويبخلوا. ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ أي وسطًا اعتدالًا، قوامًا أي اعتدالًا. فهم ينفقون فيما يحتاج إلى نفقة، ويمسكون فيما لا يحتاج إلى نفقة. فهذا أمر مطلوب؛ لأن الإنفاق من غير حاجة يؤدي إلى إتلاف المال، والإمساك لوجود الحاجة يؤدي إلى البخل، وتعطيل مصالح الإنسان. ومثل هذه الآية أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾. يعني: لا تمسك يدك، ما تنفق شيئًا، ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾، ﴿ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾؛ ما يعني خلاص ما معك في الجيب تخرجها هكذا، بدون أي اعتبار للنفقات المهمة والواجبة. واضح. ومما يدل على ذلك أيضًا حديث سعد بن أبي وقاص، لما مرض وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يتصدق أو أن يوقف جميع ماله، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تتصدق بكل مالك؟» قال: لا. قال: «ألا تتصدق بنصفه؟» قال: لا. قال: «فبالثلث؟» قال: «بالثلث، والثلث كثير». انظروا ما حثه على أن يتصدق بجميع ماله، وهذا من الاعتدال في الصدقة. فهذا معنى قوله: وأمر بالتوسط في النفقة. حتى لو عندك مال، فليس معنى ذلك أنك تخرج هذا المال دفعة واحدة؛ لأنك قد تحتاج إليه فيما بعد. طيب، فأنت تتوسط في نفقتك: الشيء الضروري تنفق فيه، والشيء الذي ليس بضروري تمسك عنه. فهذا هو التوسط في النفقات والصدقات. ونهى عن الإمساك كما تقدم في الآية: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾، هذا إمساك، والتقتير. كما نهى عن الإسراف والتبذير في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾، وفي التبذير أيضًا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۚ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾. ذكر بعض أهل العلم لطيفة في الفرق بين الإسراف والتبذير، فقال: الإسراف يكون بمجاوزة الحد في النفقة في الأمور المباحة، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾، يعني لا تخرجوا المال في شراب أو طعام زائد عن الحاجة. وأما التبذير، فقالوا: يكون بالغلو في النفقة في المحرم، في الحرام. ولذلك قال: ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۚ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾. فمن مثلًا ينفق المال في المخدرات، أو في القات، أو في أي محرم من المحرمات، فهذا يسمى مبذرًا، لا يسمى مسرفًا. لكن من يشتري المأكولات ويأكل نصفها ويرمي بالنصف الآخر، هذا يسمى ماذا؟ مسرفًا. أو يأكل حتى يطلع الطعام إلى حلقه، يملي بطنه حتى تمتلئ، ويسرف على نفسه بالطعام، هذا يسمى مسرفًا، لا يسمى مبذرًا؛ لأنه في الحلال، ليس في الحرام. نعم، اقرأ: «وَأَمَرَ بِالْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَنَهَى عَنِ الْجُبْنِ، وَذَمَّ الْجُبَنَاءَ وَأَهْلَ الْخَوَارِ وَضَعْفِ النُّفُوسِ، كَمَا ذَمَّ الْمُتَهَوِّرِينَ الَّذِينَ يُلْقُونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ». نعم، هذا كذلك أمر الشرع فيه بالتوسط. فأمر بالقوة والشجاعة بالأقوال والأفعال، مثل قوله سبحانه وتعالى في أمر الجهاد: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾. هذا أمر بالقوة والشجاعة. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾. هذا أمر بالقوة والشجاعة. وقول الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ﴾. هذا أمر بالقوة والشجاعة في الأقوال، في الأقوال أن يقول المسلم كلمة الحق. لكن قد أحيانًا الشجاعة في الأقوال تتحول إلى تهور، وتكون مفسدتها أعظم من مصلحتها. فمثلًا: إنسان شجاع، لكن أعزل، ما عنده سلاح، ما عنده سلاح، وعدوه عنده السلاح. تواجه مع عدوه، عند عدوه السلاح. فهل نقول من الشجاعة أن يقدم هذا المسلم، ولو أن يرمي بحجر؟ هذا ليس من الشجاعة، هذا من التهور. سيرميك بغصاص ويقتلوك، انتهيت. صح، هذا من التهور، ليس من الشجاعة. فكما أن الله أمر بالشجاعة، نهى وذم التهور. لا إفراط ولا تفريط. ولذلك حتى في الجهاد، الله عز وجل جعل قوة معينة للمؤمنين، كما قال الله عز وجل: ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾. يعني جعل النصف: العدو مثلًا عشرة آلاف، والمؤمنون يكونون خمسة آلاف. طيب، إذا نقصوا على ذلك، يعني عذرهم الله عز وجل، وليس من الشجاعة أن يتهور المؤمنون وهم قلة قليلة جدًا مقابل العدو الذي أعداده هائلة وكثيرة. فهذا الآن، فهذا معنى قوله: وأمر بالقوة والشجاعة بالقول والفعل، ونهى عن الجبن. الجبن يعني الخور. لا تخاف إذا أنت أخذت بالأسباب في الجهاد، في كلمة الحق. وذم الجبناء وأهل الخور وضعف النفوس: ﴿ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾، ﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ﴾. كما ذم المتهورين الذين يلقون بأنفسهم وأيديهم إلى التهلكة، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، كما مثلنا لكم. نعم: «وَأَمَرَ وَحَثَّ عَلَى الصَّبْرِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَنَهَى عَنِ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَالسَّخَطِ». نعم، كما نهى عن التجبر وعدم الرحمة والقسوة، في آيات كثيرة. نعم، أيضًا هذا في التعامل مع ما يقدره الله عز وجل من الأقدار. فأمر الله عز وجل المؤمن بالصبر، ونهى عن الجزع والهلع والسخط والتسخط والتبرم ونحو ذلك. ومع هذا نهى عن التجبر وعدم الرحمة. يعني يموت لك قريب، ها؟ يموت لك قريب، أنت مأمور بالصبر. لكن ليس معنى الصبر أن لا تدمع لك عين، وأنك لا تقع رحمة في قلبك. لا، هذا ليس من الصبر، هذا ليس من الصبر. واضح. هذا الآن: النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ولده إبراهيم، دمعت عيناه، وقال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». هل نقول هذا الحزن منافٍ للصبر؟ لا، هذا ليس منافيًا للصبر. فلا إفراط ولا تفريط. لا تجزع بمعنى تلطم الخدود، وتشق الجيوب، وتولول وتصيح. وليس معنى الصبر أنه لا تدمع لك عين، ولا يرق لك قلب. واضح هذا الآن. فالإسلام حث في هذا الباب على كذلك التوسط بأقدار الله. حث على التوسط: تصبر ولا تجزع وتتسخط، ومع هذا لا تتجبر، بمعنى أن يقسى قلبك، ويفقد قلبك الرحمة، يفقد قلبك ماذا؟ الرحمة، فيكون قاسيًا. نعم، اقرأ: «وَأَمَرَ بِأَدَاءِ حُقُوقِ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْكَ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ، وَنَهَى عَنْ عُقُوقِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَذَمَّ مَنْ قَصَّرَ فِي حَقِّهِمْ أَوْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَفِعْلًا، كَمَا ذَمَّ مَنْ غَلَا فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ حَتَّى قَدَّمَ رِضَاهُمْ عَلَى رِضَا اللَّهِ، وَطَاعَتَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ». نعم، وهذا أيضًا في التعامل مع الوالدين والأقارب والأصحاب. تعاملهم بالتوسط، لا إفراط ولا تفريط. فمثلًا التعامل مع الوالدين: أمرنا الله عز وجل بالإحسان إليهما، وبرهما، وطاعتهما، وهذا الواجب. ونهانا عن أن نطيعهما في معصيته. ماذا قال الله عز وجل: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾. طيب، عدم طاعتهم هنا هل يكون من العقوق؟ لا، بل طاعتهما تكون من العصيان. وهكذا في الحرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف». لو قال لك أبوك: اذهب واشتري لي خمرًا، اذهب وإتي لي بمال من البنك الربوي، لا يجوز لك أن تطيعه في ذلك؛ لأن هذا معصية. فإذا أمر بالاعتدال، لا يطاع الوالدان طاعة مطلقة، وإنما يطاعان في طاعة الله عز وجل. ومثله الأرحام: أنت تحب مثلًا أولادك، ليس من محبتك لأولادك أن تترك لهم الحبل على الغارب، فلا تأمرهم بالصلاة، ولا بقراءة القرآن وحفظ القرآن، ولا بالآداب الفاضلة. هذا ليس من العدل في تربيتهم. فمحبتهم وسط، محبتهم وسط: أمرهم بالمعروف، نهيهم عن المنكر، تعليمهم، رحمتهم، الإنفاق عليهم، محبتهم، ونحو ذلك. لا إفراط ولا تفريط. كذلك صاحبك: عندك صاحب، لا تطيعه في كل شيء. إذا أمرك بمعصية، فلا تطيعه، ولا تستجب له؛ لأن المقدم إنما هو طاعة الله عز وجل، لا طاعة أحد من خلقه. وهذا جاء كذلك في القرآن، كما جاء في حق الوالدين، وكما جاء كذلك في حق الأصحاب. قال الله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾. فإذن هذا الآن: توسط في معاملته مع هذا الصاحب، أو لم يتوسط؟ لم يتوسط؛ لأنه أمره بمخالفة الرسول، فأطاعه، فكانت هذه الطاعة سببًا في عذابه ودخوله النار: ﴿ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾. فإذن ينبغي أن يعتدل الإنسان في أداء الحقوق مع الوالدين، مع الأرحام، مع الأولاد، مع الزوجات. ليس مع أنك تحب زوجتك تأمرك بجلوس في البيت وعدم الخروج للصلاة، تطيعها. لا، هذا ليس من العدل في المعاملة. العدل في المعاملة أن تطيع بطاعة الله، وهكذا لغيرها من المعاملة. نعم: «وَأَمَرَ بِالِاقْتِصَادِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ، وَنَهَى عَنِ الْإِسْرَافِ وَالتَّرَفِ، كَمَا نَهَى عَنِ التَّقْصِيرِ الضَّارِّ لِلْقَلْبِ وَالْبَدَنِ». نعم، وهذا في قول الله عز وجل: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾. وأيضًا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾. وهذا أمر باللباس، ونهى عن السرف والترف، كما نهى عن التقصير الضار للقلب والبدن. يعني نهى النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا أن يواصل المسلم في الصيام، لماذا؟ لأن هذا يضعفه. كما أنك مطالب بتغذية هذا الجسد، فأنت كذلك منهي عن الإضرار بهذا الجسد. فقول الله عز وجل مثلًا في القرآن الكريم: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾. فهذا الذي لا يعطي الجسد حظه من الطعام، هذا يقتل نفسه. طيب، فالإسلام هنا جاء بالوسطية في باب إعطاء الجسد حقه. فتعطي الجسد حقه من غير إفراط ولا تفريط: تعطيه الأكل الذي يناسبه، والذي يقويه ويغذيه، وتبتعد عن كل ما يضر هذا الجسد، سواء كان من أكل ضار، أو من عدم الأكل النافع، والتقليل من ذلك حتى يضر بجسدك. هذا كله جاء كذلك في القرآن كما سمعت في الآيات. وبالجملة: ﴿ فَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إِلَّا كَانَ وَسَطًا بَيْنَ خُلُقَيْنِ ذَمِيمَيْنِ ﴾: التفريط أو إفراط. وصدق في هذا؛ لأن ديننا دين الوسطية. الوسطية: بعض الناس يأخذها من العواطف ومن الأهواء. الوسطية تأخذ من القرآن والسنة. أي شيء: الوسطية في العقيدة، أي شيء: الوسطية في العبادة، أي شيء: الوسطية في المعاملة، أي شيء: الوسطية في أي شيء تأخذ من القرآن والسنة. فإنك ما تجد أمرًا كما ذكر هنا أمر الله به إلا وهو بين طرفين: إفراط وتفريط، وهو العدل، وهو الوسط. وجميع الفرق التي ضلت وانحرفت عن الطريق الوسطية، إما أن يكون سبب ضلالها إفراط أو تفريط. مثلًا عندك القدرية والجبرية: القدرية انحرفت من باب الإفراط؛ لأنهم غلوا في باب القدر، وكذلك أفعال العباد. والجبرية فرطت، فنفت يعني ماذا؟ عمل أو قدرة الإنسان، وقدرة المخلوق. وهذا تفريط. وهكذا ما من فرقة إلا وتجد أنها بين الإفراط والتفريط: إما أنها مفرطة، أو إنها مفرطة، واحد من الاثنين. لأن من انحرف عن الوسط إما ينحرف بغلو، وإما بجفاء، إما بغلو، وإما بجفاء. حتى الفرق المعاصرة التي تسمى بالجماعات الإسلامية، تجد منها من يخرج على سبيل الغلو، مثل مثلًا التكفيريين، الخوارج، التكفيريين، الخوارج: خرجوا من باب الغلو، غلوا في التكفير، كفروا الأمة. طيب، وفي المقابل كذلك من الإخوان المسلمين: يعني خرجوا، خرجوا بسبب التساهل والتفريط، فميعوا مسألة العقيدة، ومسألة الولاء والبراء، ومسألة كذلك التعامل مع المسلمين، ونحو ذلك، فوقعوا في هذا المنهج المنحرف. فكما ذكر: الوسط هو التزام ما أمر الله. ذلك كل من خرج عن الوسط، خرج بإحدى أمرين اثنين: إما بإفراط وتفريط، بغلو أو جفاء. طيب، من خرج عن الوسط، خرج عن الوسط. شكرًا.