الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 498، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتحدث عن الحاكم النيسابوري، حافظ كبير ومؤلف تاريخ نيسابور وكتب أخرى في علوم الحديث. يُناقش أيضًا قيمة "المستدرك" وكيف أنه لم يكمله، وانتقد بعض أجزائه لاحتوائه على أحاديث موضوعة.
رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أنه أتى إلى جبل وعر وصعد فيه حتى سمع أصوات أهل النار، ثم رأى قومًا معلقين بأرجلهم وشفاههم مشققة تسيل دمًا. هذا الحديث يدل على أن العذاب موجود اليوم والنار موجودة، وهو من عقيدة أهل السنة.
رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج أقوامًا يعذبون في النار بسبب أفعالهم، كما رأى أطفال المؤمنين يلعبون في الجنة، والتقى بثلاثة من الصحابة استشهدوا في معركة مؤتة، ثم رأى الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى عليه السلام ينتظرونه في الجنة.
رأى النبي صلى الله عليه وسلم أهوال العذاب في الآخرة ثم وجوهًا مشرقة لأصحابه وأنبياء الله. هذه الرؤية العظيمة تشمل مشاهدة العذاب والمكافأة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الحاكم رحمه الله -حاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري- كان حافظًا كبيرًا، وعنده معرفة عظيمة بالحديث، وقد ألف تاريخ نيسابور فأجاد فيه وأفاد، ولعله لم يؤلف مثله في التواريخ من كثرة اطلاعه على الرجال وعلى أحوالهم. كذلك ألف في المصطلح، وهو من أوائل من ألف في المصطلح. ألف «معرفة علوم الحديث» أو «علوم الحديث»، وله كتب أيضًا، ومن أعظمها أيضًا «المستدرك» الذي استدرك فيه على الصحيحين، وهو مشروع عظيم. وإن كان أصل الكتاب ليس بلازم للبخاري ولا للمسلم؛ لأنهما لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح حتى يستدرك عليهما، لكن ألف الحاكم الاستدراك من باب ذكر الأحاديث الصحيحة مع الصحيحين. لكن الظاهر -كما قال ابن الصلاح، وكذلك الحافظ ابن حجر وغيرهم- على أنه أولًا ذكر ذلك الحافظ ابن حجر على أن الحاكم جمع المادة، جمع المادة وأراد بعد ذلك أن يهذبها. أن جمع الأحاديث التي لم يخرجها البخاري ومسلم، ثم أراد أن يبين ما هو الصحيح منها وما هو الذي لا يصح. فكأنه بدأ في هذا المشروع حتى صار إلى الثلث منه، بعد ذلك وافته المنية، أو أنه لم يستطع أن يكمل بقية المشوار. فلهذا من طالع مستدرك الحاكم يجد أن ثلثه أو أكثر من الثلث في معنى ما قصده، أي أنه حقق أشياء كثيرة مما قصدها، وأيضًا حديث أكثرها صحيحة. وأما الثلث الثاني، بل باقي الكتاب، تجد أنه بعيد عن المادة التي من أجلها ألف الكتاب، بل ذكر هناك حديث موضوع، ظاهرة الوضع، حتى قال الإمام الذهبي: «حديث الطير منها سماء»، أنا مشهور، حديث الطير عند العلماء أنه حديث موضوع: «أن الله خلق طائرًا، قال: لا إله إلا الله»، وكذا... ومن هذا الكلام. فهذا الحديث، حديث الطير، باطل وموضوع. لكن قال الحافظ الذهبي في المستدرك: «حديث موضوعة حديث الطير منها سماء»، أفضل منها بكثير. ولهذا ألف الإمام الذهبي كتابًا في الاختارات، سماه «الاختيارات»، وأخرج مئة حديث موضوع من المستدرك وذكرها في هذا الكتاب. وألف كذلك كتابًا عظيمًا سماه «التلخيص»، تلخيص المستدرك، وتعقب الحاكم في مواضع كثيرة. لكن الظاهر -كما ذكر رحمه الله في ترجمة الحاكم- ذكر الذهبي في ترجمته -من السير أو من تذكرة الحفاظ- أنه فعلًا، أو أن الكتاب الذي لخص فيه المستدرك كان على عجل منه، معنى لم يدرسه دراسة قوية، وإنما ألفه على استعجال، معنى كأنه من حفظه يؤلف وينتقب بعض الأشياء التي يجدها. فلهذا تجد أحاديث كثيرة لم يعلق عليها، وهي ضعيفة. فلهذا انتقد بعض أهل العلم -كشيخنا مقبل وغيره- قول بعض أهل العلم: «وافقه الحاكم أو وافقه الذهبي»، أنا كثيرًا تجد يقولون: «أخرجه الحاكم ووافقه الذهبي». فبعضهم انتقد هذه العبارة؛ لأن الذهبي قد صرح أنه لم يحقق في هذا الكتاب، وإنما علق عليه تعليقات من باب الاستعجال فقط، من باب أيضًا عدم التحقيق في ذلك، وإنما من باب التعليقات السريعة التي يجدها، كأنه كان معه قلم ويقرأ في المستدرك، وكلما رأى شيء خطأ علق عليه. فلهذا ستجد أن الإنسان إذا كان كذلك سيمر عليه أشياء كثيرة وهو لم يقصد التحقيق. قال الحاكم أبو عبد الله: حدثنا أبو العباس محمد بن عقوب، وهو الحافظ الكبير أبو العباس محمد بن عقوب الأصم، وسمي أصم لأنه صم في آخر عمره حتى أنه ما كان يسمع. وهذا الحافظ عمر واشتهر، وجاءه الناس من كل مكان، وكان من علماء نيسابور كذلك، وجاءه الناس من كل مكان، واجتمعوا عليه حتى كانت في آخر عمره المجالس، أو كثرة الناس في مجلسه، حتى أنه كان يحمل على الأكتاف لكثرة الناس حتى يروا، وكان حده، وكان أيضًا عنده كتب الشافعي، أخذها من الربيع بن سليمان المراد، وكان مؤذنًا في جامعه. قال: حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، وهو أصله خولاني من اليمن، لكنه كان يسكن مصر، وهو من مشايخ النسائي، وهو ثقة حافظ. قال: حدثنا بشر بن بكر، وهو التنيسي شامي. قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو أيضًا حافظ من حفاظ أهل الشام الدمشقي، من دمشق. عن سليم بن عامر، وهو أيضًا شامي. أن يحيى الكلاعي، وهو أيضًا من الشاميين الثقات. قال: حدثني أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتي بي جبلًا وعرًا»، قال: «فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة»، فقلت: «ما هذه الأصوات؟» قال: «هذا عواء أهل النار». ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بأرجلهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا. فقلت: «من هؤلاء؟» قال: «هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم». قال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه». وقال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن عقوب، وهو الأصم. قال: حدثنا الربيع بن سليمان، وهو الجيزي المصري، صاحب الشافعي، صاحب كتب الشافعي. أنا... أكثر كتب الشافعي المسندة هي من طريق الربيع بن سليمان، ومنها «الأم»، ومنها «الأم» غير مختصر المزني، مختصر المزني من طريق المزني، لكن «الأم» هذا الكتاب المؤلف هو من طريق الربيع بن سليمان. كذلك أيضًا ما يسمى بـ«مسند الشافعي» هو ما أخرج من «الأم»، وكذلك «اختلاف الحديث» الذي ألفه الشافعي هو من طريق الربيع بن سليمان. فكان راويًا لكتب الشافعي، ولهذا كما قلنا أن محمد بن عقوب الأصم جاءه الناس من كل مكان، كانوا أكثر من يأتيه لأجل كتب الشافعي؛ لأنه عنده أخذها عن الربيع بن سليمان. قال: حدثنا بشر بن بكر التنيسي، وتنيس هي في دمشق. قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن سليم بن عامر الكلاعي. قال: حدثني أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم... وهنا لم يذكر يحيى الكلاعي، وإنما ذكر سليم بن عامر. قال: حدثني أبو أمامة. فيعتبر الإسناد الأول، ذكر يحيى الكلاعي، من الزيادة في متصل الأسانيد. لأن هذا الإسناد متصل، فزيادة يحيى هنا من الزيادة. وقد يكون كلاهما صحيحًا، لكن قد يكون كلاهما صحيحًا، وأن بحر بن نصر حفظ ذلك عن بشر بن بكر التنيسي؛ لأن ربيع بن سليمان هنا خالف بحر بن نصر، وكلاهما من الحفاظ الكبار. قد يكون عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رواه عن سليم بن عامر الكلاعي عن يحيى عن أبي أمامة، ورواه عن سليم بن عامر عن أبي أمامة. أنا كأن سليم بن عامر سمعه من يحيى وسمعه من أبي أمامة نفسه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان»، معنى هذه رؤية منام، ورؤية الأنبياء حق، رؤية الأنبياء حق، قال: معنى وحي أيضًا. قال: «فأخذا بضبعي»، أن الضبع هو الرجل، معنى بيديه. «فأتي بي جبلًا وعرًا»، أنا جاء بي إلى جبل وعر. فقال لي: «اصعد»، فقلت: «إني لا أطيق»، أنا ما أستطيع أن أصعد هذا الجبل. فقال: «إنا سنسهله لك». قال: «فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل»، معنى آخر الجبل. إذا أنا بأصوات شديدة. قلت: «ما هذه الأصوات؟» وكأنهم ذهبوا به إلى النار، معنى مكان النار، فسمع هذه الأصوات الشديدة. وهذا الحديث استدل به بعض العلم على أن العذاب موجود اليوم، والنار موجودة، وهذا لا شك فيه، وهو من عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار موجودتان الآن، خلقهما الله عز وجل، فعد الجنة للمتقين والنار للمجرمين الكافرين. وأيضًا يدل هذا الحديث، وحديث كثير، على أن فيها النعيم، وفيها كذلك -أقصد في الجنة النعيم، وفي النار العذاب- ومن هذا هذا ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام. فسمع أصواتًا شديدة، فقال: «ما هؤلاء أو ما هذه الأصوات؟» قالوا: «هذا عواء أهل النار». ثم انطلق، معناه قال: عواء. ويقال: عواء، كما جاء في الرواية الأولى. قال: «ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم»، أنا منكسين، أنا معلقين بالعراقيب من الأرجل، ورؤوسهم إلى تحت، إلى أسفل. قال: «معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا». قال: «هذه أشداق الفم مشققة وتسيل دمًا». فقلت: «من هؤلاء؟» قال: «هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم»، أنا هذا العذاب فقط فيمن يفطر قبل الوقت. فكيف بمن يفطر متعمدًا اليوم كله؟ قال: «ثم انطلق بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخًا، وأسوأ ريحًا، وأسوأ منظرًا»، أنا صفات أو ثلاث صفات كلها صفات قبيحة. أولًا بطونهم منتفخة جدًا، ويخرج منهم ريح منتنة وخبيثة، وكذلك مناظرهم سيئة جدًا. قال: «وأسوأ منظرًا». قال: «فقلت من هؤلاء؟» قال: «هؤلاء الزانون والزواني»، أنا لهذه الريح هو ما يخرج من فروجهم، كما جاء في الروايات الأخرى، من ذلك الصديد الذي رائحته خبيثة. وأيضًا يسمى بنهر الغوطة، كما جاء في صحيح مسلم، يسمى بنهر الغوطة. فقيل: يا رسول الله ما نهر الغوطة؟ قال: «صديد يخرج من فروج الممسات»، أي الزواني. قال: «ثم انطلق به»، وهذا جزاء وفاقًا، مثل ما فعل، أنا ترك الحلال وذهب إلى الحرام، فصار هذا الحرام خبيثًا مخبثًا، ورائحة منتنة. قال: «ثم انطلق بي فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات». فقلت: «ما بال هؤلاء؟» أنا هناك نساء والحيات تنهش في ثديهن. فقلت: «ما بال هؤلاء؟» قال: «هؤلاء اللواتي يمنعن أولادهن ألبانهن ويتعمدن ذلك». فتمنع وتفطم ولدها حتى لا تتعب نفسها، أو حتى لا ترهق نفسها، فتفطم ولدها من اللبن وتعطيه لبنًا آخر، أو تعطيه طعامًا أو تعطيه شيئًا مما يقوم مقام اللبن. فهذا لا يجوز، ولا ينبغي، إلا إذا كان فيه ضرر على المرأة. إلا إذا كان فيه ضرر على المرأة، فهذا يجوز. أما إذا لم يكن هناك ضرر، أي ضرر المراد به الضرر الذي فوق هذا الضرر المتحقق. لا شك أن المرأة تتعب في الرضاع وتحتاج إلى ما يقوم جسمها من الطعام والشراب، فتجد بعض النساء مثلًا لا يأكلن كثيرًا، وتجد أنها تأكل شيئًا يسيرًا، ثم يضرها ذلك الرضاع، فهذا هي المتسببة في ذلك. لكن لو أكلت العقل الذي يقوم جسمها، فإن تعبها في الرضاع ما يكون كثيرًا. قال: «ثم انطلق بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين». فقلت: «من هؤلاء؟» والحيات أيضًا قد ذكر، أو قد ذكرنا في النار أن هناك حيات عقارب تنهش أهل النار. قال: «ثم انطلق بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين». فقلت: «من هؤلاء؟» قال: «هؤلاء ذراري المؤمنين»، أنا أولاد أهل الإيمان، يلعبون بين نهرين، عندهم هذا النهر وهذا النهر. والظاهر أن هذا في الجنة. قال: «ثم شرف لي»، شرف، أنا مكان مرتفع. فإذا أنا بثلاثة نفر. قلت: «من هؤلاء؟» قال: «هؤلاء جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة». أن هؤلاء استشهدوا في أيش؟ من معركة؟ جعفر وزيد وعبد الله استشهدوا في أيش؟ من معركة مؤتة، استشهدوا في معركة مؤتة. كأولهم جعفر، فلما سقط جعفر أخذ الراية زيد، ومثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يأخذ الراية جعفر، ثم زيد، ثم عبد الله بن رواحة». فلما سقط زيد بن حارثة رضي الله عنهم جميعًا، أخذ الراية عبد الله بن رواحة، رواحة، ثم قتل أيضًا عبد الله بن رواحة. ولأن الروم كانوا كثير جدًا، وجيش المسلمين قليل. ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، وهو خالد بن الوليد رضي الله عنه. فقاتل المشركين، فقاتل المشركين، ثم خرج بالجيش، بعدما قتل فيهم، ثم خرج بالجيش بدون أن يشعروا، فلم يلحقوهم، فخرج وجاء إلى المدينة ببقية الجيش، وأثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في رواية، في رواية بن سحاق، لكنه رواها معضلة: «أنهم لما جاء هذا الجيش، قال: جاء الفرارون». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل هم الكرارون»، عن الذين يفرون ويكرون مرة أخرى. لكن هذه الرواية لم تثبت. لكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على خالد بن الوليد، وأنه نجى المسلمين. وهذا نصر يعتبر نصرًا؛ لأن الجيش الذي كان مقابلهم كان جيشًا كبيرًا، عن مئتي ألف، وأهل الإسلام آلاف يسيرة، ثلاث آلاف أو أكثر قليلًا. فلهذا خرج، جاء خالد بالجيش، بعدما قتل فيهم قتلًا كثيرًا، قتلًا كثيرًا، حتى أنه كسرت في ذلك اليوم عليه تسعة أسياف، تسعة أسياف تكسرت عليه رضي الله عنه. فكان آخر شيء معه مثل الخشب اليمانية، وهي كالسيف، كان يقاتل بها رضي الله عنه. قال: «ثم شرف لي شرف، فإذا أنا بثلاثة نفر». قلت: «من هؤلاء؟» قال: «إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، ينتظرونك»، أي في الجنة. فهذه الرؤية العظيمة، رأى النبي صلى الله عليه وسلم أولًا شيء من أهوال العذاب الذي يكون في الآخرة، ثم رأى هذه الوجوه العظيمة، وهذه الوجوه المشرقة، من أصحابه، وكذلك بعد ذلك من أنبياء الله عز وجل. فنكتفي بهذا، والله تعالى...