مباحث في البدعة 3

مباحث في البدعة 3

الدرس في مباحث في البدعة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم البدعة وتعريفها في الإسلام

يتناول هذا الفصل تعريف البدعة ومفهومها في الدين الإسلامي، حيث يُعرّفها العلماء على أنها كل ما يُحدث في الدين بدون دليل شرعي. يُستعرض في هذا السياق تعاريف بعض علماء الإسلام لها.

أهم ما يستفاد من تعاريف العلماء للبدعة

يشرح هذا الفصل تفاصيل تعريف البدعة وأهم ما يستفاد من تعاريف العلماء، حيث تُعتبر البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، وتكون إما بزيادة أو نقصان في الدين. يُوضح أن البدعة تكون في الدين فقط وليس لها أصل من الشرع.

ضوابط البدعة وأحكامها الشرعية

يُناقش هذا الفصل ضوابط البدعة وشروطها، ويُبين أن وجود الفوائد لا يُبرر استمرار البدعة، كما أن حسن نية المبتدع لا يُبرر ابتداعه في الدين. يُشدد على أهمية التمسك بالدليل الشرعي.

خاتمة الدرس والدعاء

يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل في الدرس، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبراً عن الأمل في الاستفادة من الدروس المستفادة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في هذه المباحث، إخواني في الله، نستعرض وإياكم أهم ما يتعلق بأمر المحدثات والبدع والاختراعات في دين الله جل وعلا. ذكرنا في الدرس الأول ما يتعلق بخطورة الإحداث في الدين، ثم عرجنا إلى مسألة حكم الشرع في البدع في الدين، وأن حكم الجميع التجريم والتحريم والتضليل، فلا يستثن منها شيء. وفي هذا المقام، في هذه الليلة، بإذن الله، نقف وقفة مع مبحث كذلك من المباحث المهمة، ألا وهي: ما هي البدعة؟ علمنا أنها محرمة، وأنها كما حكم عليها نبينا: «كل بدعة ضلالة»، كل بدعة، إذن، ما هي هذه البدعة التي حكم عليها الشرع بالضلال؟ في هذا المقام، سأورد إليكم بعض التعاريف من علماء الإسلام في معرفة ضابط البدعة، ثم نستلهم منها بعض الفوائد والمسائل. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام أن من أهل العلم ممن نستدل بقوله في تعريف البدعة من ينتسب إلى المذهب الشافعي. ذكرنا أن الاستدلال بكلامهم وأقوالهم وتعريفهم للبدعة فيه رد على الخصوم ممن يشغبون علينا ويرون أن ما نأتي به هو من اجتهادات أنفسنا أو بمحض اجتهاداتنا، الأمر ليس كذلك، بل هم من أقوال الأمة، بل منهم من ينتمي إلى مذهبه. وفيه أيضا بيان للخصوم عن ترك الدعوة التي ضجت منها الأسماع بأنهم على المذهب الشافعي، وهم من أبعد الناس عن هذا المذهب. فإن الشافعية رحمه الله تعالى من أئمة السنة، حتى كانوا يلقب في زمنه بناصر السنة. من التعاريف ما ذكره الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في كتابه فتح الباري، قال: «البدعة ما أحدث في الدين وليس له دليل عام ولا دليل خاص يدل عليه». البدعة ما أحدث في الدين وليس له دليل عام ولا دليل خاص. التعريف الثاني من تعريف العلماء ما ذكره الإمام السيوطي، والإمام السيوطي من أئمة الشافعية، وقد ألف رسالة عظيمة في بابها بعنوان «الاتباع والنهي عن الابتداع»، ذكر فيها وحشد الكثير من الأدلة الدالة على وجوب اتباع السنة. عرف البدعة بقوله رحمه الله تعالى: «البدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تصادم الشرعية بالمخالفة أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان». البدعة عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان. وهكذا من التعاريف البديعة لمعرفة معنى البدعة ما ذكره الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، حيث ذكر في كتابه «جامع العلوم والحكم»، قال: «البدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه». ومن التعاريف للبدعة ما أشار إليه الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه «الاعتصام»، قال: «البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغ في التعبد لله». ولعل تعريف الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى من أوسع التعاريف ومن أوضحها. فكان خلاصة مبحثه في فهمه للبدعة أن ذكر هذا التعريف بأن البدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد. الدين كما قال العلماء مأخوذ من الديدن، الديدن في اللغة بمعنى العادة، فالشريعة الإسلامية تأمرنا بهذا، والمبتدع لما أتى بالبدعة أصبحت البدعة تملي عليه إملاءات في أذكاره وفي أوراده وفي أقواله وفي أفعاله. فأصبح المسلم ينازع، إما أن يسير خلف الشريعة وإما أن يسير خلف البدعة. ولما لاحظ الإمام الشافعي هذا الملحظ ذكر أن من أوصاف البدعة أنها «تضاهي الشرعية»، وكأن أصبحت البدعة دين. قال الإمام البربهاري رحمه الله تعالى في «شرح السنة»: «واعلم واحذر من محدثات الأمور، فإن كل بدعة صارت في الأمة كان أولها صغيرة يشبه الحق، فاغتر بها من لا يعرفها حتى أصبحت دينا يدان به». فالبدعة تكون دين، وهذه من شؤم البدعة على صاحبها. نأتي الآن، إخواني في الله، إلى أهم ما نستفيده من تعاريف العلماء. نجد أن جميع تعاريف العلماء أدت إلى أهداف واضحة الدلالة، أولاها: أن البدعة ما تكون إلا في الدين، وليفهم الذي لا يفهم من يشغب على أهل السنة. فالبدع إنما تنصب في أمور الدين فقط، هذا مجالها، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا»، أي في ديننا. وتجد أن كلام العلماء كما قال الحافظ بن حجر: «البدعة هو إحداث في الدين»، قال ابن رجب: «البدعة إحداث في الدين»، كما قال الشاطبي رحمه الله: «طريقة في الدين»، هذا بالإجماع. مما يستفاد من أقوال العلماء على أن البدعة ليس لها أصل من الشرع، ما لها أصل من الشرع. أما إذا كان هناك أمر عمومات الشريعة تدل عليه، فهذا ليس من البدعة في شيء. كما أشار الحافظ بن حجر: «وليس له دليل عام ولا دليل خاص». هناك أشياء إخواني في الله الناس يحتاجون إليها وهي في أمور الدين يفعلونها لأن الأدلة العامة دلت عليه، وهذه تكون في الوسائل لا في المقاصد، وهذه الذي يعبر عنها العلماء بالمصالح المرسلة. مما يستفاد من أقوال العلماء وخاصة من عبارة السيوطي رحمه الله على أن البدعة كما أنها تكون في زيادة تكون كذلك في النقصان. الأصل أن المبتدع يضيف أشياء، لكن أحيانا تجد أن من فعل المبتدع النقصان ينقص من الدين. فمن خرج على الناس مثلا وحرم عليهم شيئا من الطيبات وحرم عليهم شيئا مما أباح الله وأحل الله للأمة، وقصد من المنع التعبد لله، قل: ماذا أنت الآن؟ ابتدعت في دين الله. لأن البدعة كما تكون بزيادة تكون أيضا في نقصان. مما ننبه عليه أخيرا، إخواني في الله، تجد أنه من خلال تعاريف العلماء أنهم ما يشترطون في البدعة أن تكون خالية من الفوائد، هذا ليس شرط. يعني ليس الكلام هذا: بعض الناس يرى أن البدعة تكون بدعة إذا كان فيها مفاسد، أما إذا كانت البدعة فيها فوائد لا بأس، نغض الطرف عنها، هذا ليس غير موجود عند أهل السنة. العلماء قاطبة ذكروا الضابط: إحداث شيء في دين الله قولا أو فعلا أو اعتقادا زيادة أو نقصانا، هذه بدعة، فيها فوائد ليس فيها فوائد، هذا ليس له وزن وليس له اعتبار في شرع الله جل وعلا. فلا تجعل أن البدعة فيها فوائد أنها حجة على أنك تسترسل بها. فيها فوائد فيها الصلاة على النبي فيها ذكر الله فيها... اجعله لك، وقد مضى معنى في درس أمس: ما كان من الأحاديث النبوية وما كان من فعل الآثار السلفية، فعل الصحابة والتابعين، يمنعون أي بدعة ولو كان فيها ما فيها من فوائد. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم فوائد». إذا كان هذا حال اليهودي هل هذا مبرر له على أنه يعيش على اليهودية؟ أو أن النصراني يستمر على نصرانية إلى ما يجد الفوائد في دينه؟ الجواب: لا. وهكذا المبتدع إذا وجدت أن في بدعتك فائدة فلا تسعى لها، أنها عذر لك في الاستمرار، فهي بدعة. الأمر الثاني: أنك تجد ليس من شروط البدعة أن يكون صاحبها سيء المقصد. لأن بعض الناس وقد سمعنا من بعض المبتدعة أنه إذا أراد أن يتحدث عن البدعة وأن يشنع على المبتدعة يتكلم عن صلف معين، وهم الزنادقة، هؤلاء الزنادقة الذين أدخلوا في الدين البدع وأرادوا إفساد الدين. يحاول بعض المبتدعة أنهم يشيعون عند العامة أن المبتدع له صورة واحدة: من هو؟ هو الشرير، الرجل الشرير، الرجل الزنديق، ينسل داخل الأمة ويعطي البدع والأفعال حتى يضيع الناس. هذا قد يكون وقد لا يكون. لأن من المبتدعة من هو حسن النوايا، يوجد مبتدع على حسن نية، يوجد مبتدع من يريد الخير للأمة، يوجد، حكمه بدعة، دليله ما مضى معنا في درسي أو في قول عبد الله بن مسعود عندما عاب على أصحاب الحلق، دافعوا عن أنفسهم قالوا: «يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرا»، ما أردوا زندقة، ما أردوا تفريق الأمة، ما أردوا التخريب للدين، ما أردوا التضييع لمعالي الشريعة، ما أردوا هذا، ما أردنا إلا خيرا، ويقسمون على ذلك، وهم صادقون في نواياهم. لكن هل النية الحسنة مبرر على أن من شاء يضيف ما شاء؟ لو كان الأمر كذلك يا عبد الله فاستلم الأمواج المطلاطمة من البدع. لأن عندي أنا من الخير وأفكر بطريقة تعطيكم أسلوب من أساليب التعبد، وذاك يفكر في نفسه ويأتي بطريقة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.