الدرس في شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 41، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع شروط صحة التيمم الخمسة كنية والإسلام والعقل والتمييز وتعذر الماء، مبيناً أنه رافع للحدثين الأصغر والأكبر مؤقتاً. يستدل المحاضر بالآيات والأحاديث النبوية وقصة صاحب الشجة لتأكيد هذه الأحكام.
يوضح المقطع مشروعية التيمم لصاحب الجرح والخائف من البرد الشديد مستنداً إلى حديثي جابر وعمرو بن العاص. يناقش أيضاً شرط طلب الماء ودخول وقت الصلاة مبيناً خلاف العلماء وترجيح عدم اشتراط دخول الوقت.
يعرض المقطع رأي ابن تيمية في جواز التيمم قبل الوقت ويشرح حديث عمار بن ياسر في كيفية التيمم بضربة واحدة للوجه واليدين. يتناول فضائل عمار بن ياسر وسيرته الجهادية مشيراً إلى المسائل الفقهية القادمة في أحكام التيمم ومبطلاته.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء للحضور بالتوفيق والرضا وصلاة على النبي محمد وآله. يفوض العلم لله تعالى ويحمد الله رب العالمين خاتماً المجلس بالخير والبركة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى: باب التيمم، وعن عمران بن حسين... نعم، فقال: يا فلان، يا رسول الله، أحسنت وأحسنتم جميعًا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب التيمم، وهو من أبواب كتاب الطهارة من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد المقدسي رحمه الله تعالى، وأخذنا مقدمة تتعلق بالتيمم من حيث المعنى اللغوي والشرعي، وهكذا أيضًا مشروعية التيمم حيث دل الكتاب والسنة والإجماع على مشروعية التيمم. كذلك حديث عمران بن حسين الذي سبق معنا، حديث عظيم وموضوعه بيان حكم التيمم من الجنابة، وأن التيمم يعتبر رافعًا للحدث بنوعيه الأصغر والأكبر، على الصحيح أنه رافع للحدث، ورفعه للحدث مؤقت إلى أن يجد الماء أو يقدر على استعمال الماء. وذهب بعضهم إلى أنه مبيح، يبقى الحدث لكن يباح الصلاة بهذا التيمم. أيضًا مر معنا أن في هذا الحديث يسر الشريعة الإسلامية، حيث جاز لمن لم يجد الماء أو كان الماء موجودًا لكن لم يقدر على استعماله لمرض أو خوف شديد أو برد شديد إلى غير ذلك، أن يصلي بهذا التيمم حتى يجد الماء أو يقدر على استعماله، ولا يعيد الصلاة. أيضًا مر معنا الكلام حول التيمم للمريض، وأن المريض إذا كان يقدر على استعمال الماء وجب عليه أن يستعمل الماء، وإذا لم يقدر على استعمال الماء إما لخشية زيادة المرض أو تأخر البرء والشفاء، فعندها يجوز له أن يتيمم حتى يستطيع استعمال الماء. وهنا مسألة مهمة جدًا، ألا وهي شروط التيمم والأسباب المبيحة له، أو أولاً: من شروط التيمم النية، أي نية استباحة الصلاة، فالتيمم عبادة والعبادات لا تصح ولا تصلح إلا بالنية، ولهذا قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: قال ولا نعلم خلافًا في أن التيمم لا يصلح إلا بنية. الشرط الثاني: الإسلام، الشرط الثاني لصحة التيمم هو الإسلام، فهو عبادة لا تصح من الكافر. الثالث: العقل، أن يكون عاقلًا، وكما هو معلوم غير العاقل لا يصح منه، غير العاقل كالمجنون، وهكذا يدخل فيه المغمى عليه. الرابع: التمييز، والتمييز غالبًا يقع في سني... عندك التمييز في أي سن؟ في الغالب يقع... متى يميز الصبي؟ يميز بين الضار والنافع، ويميز فيما يتعلق بآية الصلاة والطهارة وغيرها، غالبًا في سني كم؟ في سني... أنا سمعت سبعة، لكن أظن سمعت شيئًا بعدها... سبعة عشر سنة؟ سنة... ما رأيك؟ أخبرهم أنت، سمعت شيئًا؟ طيب، نعم يا عبد الرحمن، أحسنت: السابعة. نعم، في سن السابعة غالبًا يقع التمييز، وأحيانًا بعض الأطفال لنباهته قد يميز قبل السابعة، في الخامسة السادسة، كما قال محمود بن لبيد: قال عقلت، يعني ذكرت مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي وأنا ابن خمس سنين. الغالب في السابعة، لكن قد يميز قبلها، وغير المميز لا يصح منه أيضًا. الخامس: تعذر استعمال الماء، أن يتعذر استعمال الماء إما لعدم وجود الماء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وهكذا لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَمَسَّهُ بَشَرَتُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ». أيضًا عند خوف الضرر باستعمال الماء، أو زيادة المرض إذا استعمل الماء، أو تأخر البرء والشفاء، ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْغَائِطُ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وفي قصة ذلكم الرجل صاحب الشجة، ما هي الشجة؟ في قصة ذلكم الرجل صاحب الشجة، ما هي الشجة؟ نعم، أحسن: جرح في الرأس يقال له شجة. وحديث صاحب الشجة ماذا؟ حديث جابر عند أبي داود وابن ماجة، قال جابر: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. قال جابر: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فقال: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، هَلَّا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ». وهذا الحديث صححه الإمام أو العلامة أحمد شاكر، وحسنه العلامة الألباني رحم الله الجميع. أيضًا يجوز التيمم عند شدة البرد، برد شديد والماء بارد ولا يستطيع أن يسخن الماء، وخاف على نفسه الضرر أو خاف على نفسه الهلاك، فهنا يجوز أن يتيمم، وقد نقل الإمام ابن قدامة جواز التيمم عن أكثر العلماء، ويدل عليه حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه عند الإمام أحمد وأبي داود والدارقطني، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في الإرواء، في قصة غزوتي ذات السلاسل. قال عمرو بن العاص: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، قال: فأشفقت، أي خفت، إن اغتسلت أن أهلك، إن اغتسلت أن أهلك. ماذا فعل؟ قال: فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، أي صلاة الفجر. قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك، يعني ذكروا له أن عمرو صلى بهم وهو على جنابته، احتلم وتيمم فقط. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» قال: فقلت: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فتيممت ثم صليت. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا. فإذا ماذا؟ إذا تعذر على الشخص أن يستعمل الماء إما لعدم وجود الماء أو لعدم القدر على استعماله لمرض أو لبرد شديد أو غيرها، جاز له أن يتيمم، ثم متى ما وجد الماء أو قدر على استعماله اغتسل ولا يعيد الصلاة. ذكروا كذلك من شروط التيمم: طلب الماء قبل أن يتيمم، أن يطلب الماء، ومعنى يطلب الماء أن يبحث عن الماء. جاء عند الحنفية قالوا: ما في ماء، ما في ماء، قال: مباشرة ماذا فعل؟ تيمم ودخل يريد يصلي. قالوا: لا، ابحث عن الماء. أين أبحث؟ طيب، ممكن تجده في المدرسة، مدرسة النساء، ممكن يكون هناك بعض دبب الماء وعلب الماء فيها ماء، ممكن تتوضأ بها، ممكن تستأذن صاحب بيت تقول: لو سمحت قليل من الماء أتوضأ به، ممكن تشتري لك ماذا؟ دبب ماء إذا كان المال موجودًا وتتوضأ بها. فمذهب الشافعي وأحمد أنه قبل أن يتيمم لا بد أن يطلب ويبحث عن الماء، وخالف أبو حنيفة. أيضًا جاء الخلاف رواية عن أحمد أن ذلك لا يشترط. قال ابن قدامة رحمه الله: ولا خلاف في اشتراطه. أيضًا اشترط بعضهم دخول وقت الصلاة، مثلاً: سيتيمم لصلاة العشاء، قالوا: ينتظر حتى يؤذن لصلاة العشاء، بعدها يذهب ويتيمم. فإن تيمم قبل دخول وقت الصلاة ودخل وقتها، قال بعضهم: يبطل التيمم ويلزمه أن يتيمم عند دخول وقت الصلاة. وهذا اشترطه الثلاثة، وخالف أبو حنيفة. هذا اشترطه الثلاثة وخالف أبو حنيفة، فمن الثلاثة: أحمد والشافعي ومالك، قالوا: يشترط عند التيمم دخول وقت الصلاة التي تيمم لأجل أن يصليها، وخالف أبو حنيفة فقال: لا يشترط، تيمم قبل صلاة العشاء أو لصلاة المغرب وبقي على طهارته ولم يحدث، أذن للعشاء جاز له أن يصلي العشاء. وهذا يا إخوان هو الصواب، وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والعلامة الصنعاني والشوكاني، وهكذا العلامة السعدي وابن باز وغيرهم من أهل العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء ويصلي ما لم يحدث أو يقدر على استعمال الماء. فهذه مجموعة من الشروط التي ذكرها العلماء. قال رحمه الله تعالى: قال وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت، أي أصبحت جنبًا، غالبًا أنه احتلم، قال: فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، كما تمرغ الدابة. ما هي الدابة يا أبا طاهر؟ ما هي الدابة؟ قال: فتمرغت في الصعيد، أي تراب، كما تمرغ الدابة. الصعيد التراب، والدابة شيء يتمرغ في التراب، ما الذي يتمرغ في التراب؟ أهو إنسان أم حيوان أم جماد؟ أحسن، إذن الدابة هي الحيوان، قد يكون حمارًا وقد يكون غيرها. تمرغ الدابة. قال: ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ» أي يكفيك عن التمرغ هذا، يكفيك ماذا؟ أن تقول بيديك هكذا، كيف هكذا؟ قال: ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه. هذا الحديث يا إخوان صحابي، عمار بن ياسر، وعمار بن ياسر هو العنسي مولى بني مخزوم، كنيته ما كنيته؟ عمار بن ياسر، ما كنيته؟ نعم، أحسنت: أبو اليقظان. أبو اليقظان، ووالده ووالدته كلاهما صحابي، صحابيان، ولا يخفى على الجميع أن آل ياسر ممن أسلموا قديما بمكة، وكانوا ممن يعذب بمكة، بل أمه سمية أول شهيد في الإسلام، إذ طعنها أبو جهل، عليه من الله ما يستحق حتى ماتت، وكانوا يعذبون في ذات الله عز وجل. وعمار شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهاجر الهجرتين، هاجر الهجرتين، ما هما الهجرتان يا أبا معد؟ الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة. أحسنت. هاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، وصلى يا أبا عمر، وصلى إلى القبلتين، ما هما القبلتان؟ الأولى إلى بيت المقدس والثانية إلى مكة. وهذا يدل على قدم إسلامه رضي الله عنه. وردت في فضائله أحاديث كثيرة، منها أنه يقتل مظلوما كما حصل في واقعة صفين بين علي ومعه أهل العراق، ومعاوية ومعه أهل الشام، كان عمار في صف علي رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي سعيد الخدري أنه، أي أبو سعيد الخدري، ذكر بناء المسجد، أنهم كانوا يبنون المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم المسجد النبوي، قال أبو سعيد: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، هم يحملون من لبنة واحدة وعمار يحمل من لبنتين، قال: فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فنفض التراب عنه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وَيْحَ عَمَّارٍ، وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قال أبو سعيد: يقول عمار، أي حين سمع ذلك: أعوذ بالله من الفتن، أعوذ بالله من الفتن. وقتل رضي الله عنه في سنة سبع وثلاثين من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث موضوعه كيفية التيمم من الجنابة، كيفية التيمم من الجنابة، وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى في الدرس القادم مجموعة من المسائل تتعلق بكيفية التيمم: هل التيمم ضربة أم ضربتان؟ وهكذا أيضًا ما هو حد اليدين في التيمم؟ إلى الرسغين أم إلى المرفقين أم إلى الآباط؟ وبماذا يبدأ في التيمم؟ هل يمسح الوجه أولا أم يمسح اليدين أولا أم يجوز البدء بأيهما شاء؟ كذلك يأتي معنا الحديث حول مبطلات التيمم وجملة من المسائل المتعلقة بذلك. في خاتمة هذا الباب، باب التيمم، يأتي معنا الحديث عن ذلك إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم