الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الإقسام على الله له نوعان: جائز ومحرم، وقد ورد في الحديث النبوي أمثلة على الإقسام الجائز. الإقسام الجائز يكون لأهل الصلاح وفي أمور فيها مصلحة للإنسان.
الإقسام الجائز يكون لمن كان بينه وبين الله معنى وفي أمور دنيوية، بينما يكون محرماً عندما يتعلق بأمور تختص بالله مثل توزيع المغفرة والرحمة. يجب الحذر من الإقسام المحرم.
الكلمات لها تأثير كبير على أعمال الإنسان، فقد تحبط عمله أو ترفع درجاته. كما يحذر من التألي على الله بالقول بأن الهداية مستحيلة على شخص ما والحلف بذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال: باب ما جاء في الإقسام على الله. قال: ما جاء في الإقسام على الله، عن جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك. رواه مسلم. في حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوهقت دنياه وآخرته. هذا الباب جعله في الإقسام على الله، والإقسام على الله على نوعين: نوع محرم، ونوع جائز. مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس من لو أقسم على الله لأبره، إن من الناس من لو أقسم على الله لأبره». ومنهم البراء بن مالك، البراء بن مالك هذا أخو أنس بن مالك، قتل مع القراء. فقوله: «إن لو أقسم على الله لأبره»، أقسم على الله، يقول: أقسمت عليك رب أن لا تفعل كذا، أو أفعل كذا، أو يقول: والله لا يحصل هذا. يقسم على الله مثل ما حصل في قضية الربيع بنت النضر، عمة أنس بن مالك، لما كسرت رباعية الأمة، فطُلبت وكسرت رباعيتها، فقال أهل هذه الأمة: نريد القصاص. فحكم لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص. فجاء أنس بن النضر، أخوها، عم أنس بن مالك، فقال: يا رسول الله، الربيع تكسر رباعيتها، والله لا تكسر. ليس معنى: والله لا تكسر، معنى والله، أي أقسم على الله أنها لا تكسر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أنس، كتاب الله القصاص». فعفا أصحاب هذه الأمة، قالوا: خلاص ما نريد القصاص. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من الناس من لو أقسم على الله لأبره». يريد أنس بن النضر أقسم على الله أنها لا تكسر رباعية الربيع، فلم تكسر وعُفي عنها. وهذا من الإقسام، أن يقول: أقسمت عليك رب أن تفعل كذا، أو أن تقول كذا، أو أن تتيسر لي كذا، أو أن لا يكون كذا. مثل أيضا كلام سفيان، أنه جاء بكلمة: برئت. وبعضهم يقول: قال أقسمت عليك يا رب أن لا يدخلها المهدي. لما أراد المهدي أن يصلب سفيان الثوري لأنه هرب، فذهب إلى اليمن، ثم جاء إلى مكة، فعرف المهدي أن سفيان في مكة، فجاء بنفسه إلى مكة حتى يقبض على سفيان. قال سفيان: سأصلبه ولو عند الكعبة. فكان عنده بعض العلماء، كسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض، وكانوا يقولون له: أنه إذا هرب خرج من مكة حتى لا يلقاك. فلما أكثروا عليه من الكلام، ذهب إلى الكعبة وقال: أقسمت عليك يا رب أن لا يدخلها المهدي، أي أن لا يدخل مكة. فجاء نعيه قبل أن يدخل، معنى جاء نعيه، معنى موته قبل أن يدخل إلى مكة، فمات. فجاء نعي في مكة أن المهدي قد مات وهو خليفة المسلمين. وهكذا الإمام أحمد أيضا دعا على المأمون وغيره، ليس دعاء، لكنه إقسام على الله. وهذا أعظم الإقسام على الله، أعظم من الدعاء. والإقسام على الله عز وجل ليس لأحد معين، لكن غالبا ما يكون لأهل الصلاح ولمن كان بينه وبين الله عز وجل معنى، أقصد أنه رجل طائع وصالح، سره مثل علانيته في الصلاح. فمثل هؤلاء الله عز وجل يرفع شأنه، وأيضا لا يرد إقسامهم وطلبهم، فهذا الإقسام جائز. وأما الإقسام المحرم، فهو التدخل فيما يختص به الرب جل وعلا، يقسم على الله فيما يختص به. فمثل هذا الرجل قال: والله لا يغفر الله له. وهذا لا دخل له فيه، أنه يغفر أو لا يغفر، هذا ليس له دخل، هذا من حق الله عز وجل. فلهذا فالإقسام إذا كان فيه ما يكون من هذه المعاني المحرمة فيكون محرما ولا يجوز. فهذا الرجل قال: والله لا يغفر الله له، حلف على أن الله عز وجل لا يغفر لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى أن لا أغفر لفلان؟ كأنه يقنط رحمة الله عز وجل على الناس، وكأنه هو الذي يوزع المغفرة والرحمة، فهذه أمور لا ينبغي أن يدخل فيها الإنسان. لكن أمور مثلا تكون فيها مصلحة إنسان نفسه، مثل ما دعا أنس بن النضر، قال: والله لا تقطع رباعية ربيع. الرباعية معنى الضرس الذي يكون قبل النواجد، هذا العنياب قبل الناب يكون ضرس، هذا يسمى رباعية. فقال: والله لا تكسر رباعية الربيع، هذا شيء فيه مصلحة له، ما فيه شيء. أما أنك تقنط الناس من رحمة الله، تقول: والله لا يغفر الله لك، والله لا يرحمك الله، هذا ما يجوز. فهذا يبين أن الإقسام على الله عز وجل على نوعين، منه ما هو جائز، ومنه ما هو ليس بجائز. قال: فيه مسائل. الأولى: التحذير من التألي على الله. تألي على الله كأنه من تألى، معنى أنه كأنه واضع نفسه أنه يفرض أو أنه له شيء في أمر الله عز وجل، حتى يمنع رحمة الله ومغفرته على الناس. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، لأنه قال: إني قد غفرت له وأحبطت عملك. يعني الإنسان لا يدري، قد يكون كلمة تذهب بأعماله كلها، كلمة هذه تكون ردة كما قال هنا: أبو هريرة تكلم بكلمة أوهقت دنياه وآخرته. وهذا يبين لنا أننا نحذر من الكلمات التي لها مثلا أثر عظيم في مثلا إحباط الأعمال، إما أن تكون ردة وتكون أمرها عظيم عند الله. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا فتهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». كلمة واحدة جعلته في النار في هذه المسافة العظيمة. فيحذر الإنسان من التكلم في مثل هذه الألفاظ أو الكلام الذي قد لا يشعر به وهو يحبط عمله، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبطوا أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾. ويحبط الله عز وجل عملك بكلمة وبفعل. الثالث: أن الجنة مثل ذلك، أي الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، كما أن الألفاظ تدخل بالنار، وهناك ألفاظ أيضا تدخل بالجنة. الرابع: فيه شاهد لقول: إن الرجل ليتكلم بالكلمة، أي أن هناك الكلمات أنها خطيرة جدا توقع الرجل في النار، وكما أن أيضا هناك كلمات ترفع في درجة العبد في الجنة، يصل بها الدرجات في الجنة. الخامس: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه، بأن هذا الشيء يكره أن يقال له: يا فلان لا تفعل، والله لا يغفر الله لك. فيغفر الله عز وجل له. لا يرحمك الله، لا يهديك الله. من أين الهداية ستأتي؟ بعض يقول: من أين الهداية ستأتي إليك وأنت تفعل وتفعل؟ هذا ما ينبغي. عاد لو مثلا الإنسان يحلف، يقول: والله لا تأتي الهداية إليك. لكن إذا كان من باب النصيحة ما في شيء، تقول: من أين تأتي لك الهداية وأنت لا تسلك مسالكها وأنت لا تتسبب في الهداية؟ بعض الناس يقول مثلا: الله ما هداني بعد، فقد يقال له مثلا: أين تأتي الهداية وأنت لا تتسبب لها؟ هذا ما في شيء. لكن يقول مثلا من باب المستحيل: كيف تأتي الهداية؟ معنى كأنه يستحيل عليه أن تأتي الهداية، وهذا ليس صحيحا. فإن كان حلف فهو تألي على الله، فمثلا قال: والله لا يهديك الله، فهذا خطأ ولا يجوز.