الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 21، ألقاها
يناقش حكم الرقى والتمائم في الإسلام، ويوضح الشروط لجواز بعضها وتوضيح أن البعض الآخر يعتبر شركاً. يشرح معنى الرقى والتمائم وآراء العلماء حولهما.
يشرح تعريف التمائم بأنها كل ما يعلق لدفع البلاء أو العين، ويشمل أمثلة عليها. يبين نهي النبي عنها واعتباره إياها شركاً حتى لو كانت من القرآن.
يفسر حديث 'من تعلق شيئاً وكل إليه' ويوضح معناه ودلالته على خطورة التعلق بغير الله. يبين الفرق بين الشرك الأصغر والأكبر وآثارهما.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "قرة عيون الموحدين": قال قوله - أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - في كتابه "التوحيد": قال قوله، باب ما جاء في الرقى والتمائم. أولاً، قوله رحمه الله: باب ما جاء في الرقى والتمائم. مناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، وهي أن هذا الباب هو استمرار في ذكر الأشياء التي تخل بعقيدة التوحيد من الرقى والتمائم الشركية. فالأبواب بعد باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هي تفصيل وتبيين لذلك الباب، ومنها هذا الباب. وقوله رحمه الله: باب ما جاء في الرقى والتمائم، هكذا أجمل في هذه الترجمة وأبهم الحكم، بخلاف الترجمة السابقة، فإنه جزم فيها بأن ذلك من الشرك، فقال في الترجمة السابقة لهذا الباب: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. أما هنا فلم يقل: باب من الشرك ما جاء في الرقى والتمائم. والسبب في ذلك - كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى - أن الرقى منها ما هو ممنوع وشرك، ومنها ما هو مشروع ومستحب. وكذلك التمائم منها ما هو منصوص عليه بأنه شرك، ومنها ما هو مختلف فيه، كتعليق شيء من القرآن. فلأجل هذا جعل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الترجمة هنا مبهمة، لأجل المعاني المذكورة. وقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرقى. الرقى جمع رقية، والرقية هي العوذة التي تكتب وتعلق على الإنسان من العين والفزع وغيرهما. وذكر بعضهم أن الرقى ما يرقى به من الدعاء لطلب الشفاء. وكلاهما حق، أي أن الرقى تطلق على هذا وتطلق كذلك على ذاك. والرقية المشروعة - بإجماع العلماء - ما اجتمع فيها ثلاثة شروط، كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتاب "فتح الباري". الأول: أن يكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته. الثاني: أن يكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه من غيره. الثالث: أن يُعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله جل وعلا. فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة دلت على صحة الرقية. والأصل في ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعرضوا علي رقاكم، لا بعث بالرقى ما لم تكن شركاً». وإنما نهى العلماء عن غير اللغة العربية خشية أن يكون شركاً، فهو من باب سد الذرائع المفضية والموصلة إلى الشرك. وقوله رحمه الله: والتمائم. التمائم مفردها تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم. فأبطلها الشرع. وأما الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى فعرفها بقوله: التميمة في كلام العرب القلادة. قال: هذا أصلها في اللغة، ومعناها عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها من أنواع البلاء. وعرفها ابن حبيب المالكي رحمه الله تعالى بتعريف لعله من أجمع التعريف، فقال: هي كل ما علق على الإنسان أو على الفرس أو على البعير أو غيره خيفة العين أو خيفة أمر لم ينزل به بعد. فهو - كما ذكر رحمه الله - هي كل ما علق على الإنسان، سواء كانت خرزات أو خيوطاً أو حلقاً من صفر أو معادن أو ما شابه ذلك. فكل ما علق على الإنسان، وسواء كانت تعلق على العنق أو كان في اليد أو الأصبع أو الرجل أو الحلق أو ما شابه ذلك، فهي داخل في مسمى التميمة. وقوله: على الإنسان أو على الفرس أو على البعير أو غيره، يدخل بعمومه كل ما كان في معناه. فمن علق شيئاً من هذه الأشياء لأجل دفع البلاء، إما خيفة العين أو خيفة أمر لم ينزل به، سواء علق شيئاً على السيارة أو شيئاً على البيت أو شيئاً على غنم أو طير أو ما شابه ذلك لأجل هذا المعنى، فإنها من التمائم. فهي داخلة في التميمة. قال رحمه الله: قوله، باب ما جاء في الرقى والتمائم، أي من النهي عما لا يجوز من ذلك. والشارح رحمه الله تعالى هنا يقول: أي كالمفسر لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، أي باب ما جاء في الرقى والتمائم من النهي. قال رحمه الله تعالى: قولهم، في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: «أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت». قال: هذا الحديث في الصحيحين. قال البغوي في شرح السنة: تأول مالك أمره عليه الصلاة والسلام بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ، يظنون أنها تعصمهم من الآفات. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وأعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئاً. قال: وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ أبي داود عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أنها قالت: أن عبد الله رأى في عنقها خيطاً، فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه. قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: «أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك». والحديث صحيح. قال المصنف رحمه الله تعالى: لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعلهم من المنهي عنه. منهم ابن مسعود رضي الله عنه. قال رحمه الله تعالى: والمقصود بيان أن هذه الأمور الشركية وإن خفيت، فقد نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكمال علمهم بما دلت عليه لا إله إلا الله من نفي الشرك قليله وكثيره، لتعلق القلب بغير الله في دفع ضر أو جلب نفع. قال رحمه الله تعالى: وقد عمت البلوى بما هو أعظم من ذلك بأضعاف مضاعفة. فمن عرف هذه الأمور الشركية المذكورة في هذين البابين، عرف ما وقع مما هو أعظم من ذلك. قال رحمه الله تعالى: وفيه ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التحذير من الشرك والتغليظ في إنكاره، وإن كان من الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر. قال رحمه الله تعالى: وعن عبد الله بن عكاين مرفوعاً: «من تعلق شيئاً وكل إليه». قال: رواه أحمد والترمذي. وعبد الله بن عكاين بضم الميم عليه مصغر، ويكنى أبا معبد الجوهني الكوفي. قال الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقة. والحديث - كما ذكر - بأنه حديث حسن. قوله: من تعلق شيئاً وكل إليه. التعلق يكون بالقلب؛ لأنه أصل التعلق. قال: وهو التفات القلب عن الله إلى شيء يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه. فهو نوع من الالتفات. هذا الالتفات هو الذي جعله من الشرك الأصغر؛ لأنه لم يكن معتمداً مرتفقاً إلى ربه جل وعلا وحده لا شريك له، بل التفت في هذا الأمر وفي هذه القضية وفي هذه النازلة إلى غير الله جل وعلا. قال: كما تقدم بيان في الأحاديث في هذا الباب والذي قبله. وهو ينافي قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]. قال: فإن كان من الشرك الأصغر، فهو ينافي كمال التوحيد. وإن كان من الشرك الأكبر - كعبادة أرباب القبور والمشاهد والطواغيط ونحو ذلك - فهو كفر بالله وخروج من دين الإسلام، ولا يصح معه قول ولا عمل؛ لأنه ينافي أصل التوحيد ويناقضه. قوله: وكل إليه، أي وكله الله إليه، أي إلى ما علق قلبه به من دون الله. ومن وكله الله إلى غيره، ظل وهلك؛ لأن حقيقة التوفيق أن يمد الله جل وعلا العبد بالعون والسداد منه، فلا يكله إلى نفسه طرفة عين. وهذا هو التوفيق، وهو من الله جل وعلا. وضده الخذلان، والخذلان أن يمنع الله جل وعلا توفيقه وسداده وعونه إلى العبد، ويكله إلى نفسه أو يكله إلى من التفت إليه من غير الله جل وعلا. قال: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن القاسم، قال: حدثنا أبو سعيد المؤدب، قال: حدثنا من سمع عطاء الخرساني. إذن الواسطة بينهما مجهولة؛ لأنه قال: حدث من سمع. قال: من سمع عطاء الخرساني، قال: لقيت وهب بن منبه، وعطاء الخرساني ممن اختلط في آخره. والعلماء رحمهم الله تعالى في قبول حديثه يفصلون بين من أخذ عنه قبل الاختلاط، فيقبلون حديثه، ومن أخذ عنه بعد الاختلاط فلا يقبل حديثه. والواسطة هنا أو الراوي عنه هنا لا نعلم من هو. قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت، فقلت: حدثني بحديث أحفظه عنك في مقام هذا وأوجز. قال: نعم، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام: «يا داود، أما وعزتي وعظمتي، لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت لهم بينهن مخرجاً. أما وعزتي وعظمتي، ما يعتصم عبد من عبيدي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسقمت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأي واد هلك». والأثر - كما سمعتم - لا يصح. قال: وشاهد هذا في القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.