الدرس في كتاب البيوع 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الصلح عن إقرار يصح حتى ولو كان على مجهول إذا أمكن التوصل إليه، مع وجود خلاف بين العلماء حول صحة الصلح على مجهول لا يمكن التوصل إليه. واستدلال بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجلين الأنصاريين.
هناك آراء متباينة بين الفقهاء حول جواز الصلح على مجهول، حيث يرى الحنابلة عدم جوازه إذا أمكن معرفته، بينما يرى المالكية وغيرهم جوازه، مع شرح للآثار المحتملة على الورثة.
لا يجوز الصلح على مجهول إذا أمكن معرفة الحق، ويجوز إذا تنازل الشخص عن حقه أو عجز عن معرفة الحق. كما قد يكون جائزًا في المعاملات التجارية عند عدم القدرة على تحديد المبلغ بدقة.
إذا أمكن الوصول إلى الشخص المعتدي عليه، لا يعتبر صلحًا بل يجب أولًا الوصول إلى الحق، ثم يمكن التنازل بعد ذلك إذا رغب الشخص في ذلك.
الحمد لله، صلاة السلام على رسول الله، وعليه وصحبه ومن والاه. فأخذنا الصلح عن إقرار، والصلح عن إقرار أيضا يصح، ولو على مجهول يصح على مجهول إذا كان يستطاع التوصل إليه، خاصة إذا كان جهلا أصلًا. وبعض العلماء يقول: إذا كان لا يستطاع أو يستطاع أن يتوصل إليه وإلى معرفته، فلا يصح أن يكون صلحا. مثلا إذا كان مواريث مجهولة أو أراضي، مثلا ما يدرون من أين هذه الأراضي أو هذا لمن وهذا لمن، فيصطلحون عليها، يقولون: خلاص كل وارث نعطيه كذا وكذا، فيصطلحون على هذا، فهذا ما في شيء. وقد جاء عند أحمد وأبي داود من حديثهما: أن رجلين جاءا من الأنصار جاءا يختصمان إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست، قد درست هذه المواريث، اختفت، ليس بينهما بين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته أو قد قال لحجته من بعض»، فثم قضى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أقطع له قطعة من النار». فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي. كل واحد يقول: خلاص أريده له، وهذا يقول: أريده له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إذا قلت قلت، فاذهب فاقتسم، اعملوا على أي قسمة اصطلحوا عليها، ثم توخوا الحق، ثم استهما». ثم ليحلل كل واحد منكم صاحبه. اعملوا قسمة، قسموها، ثم توخوا الحق، على أنه يكون أقرب إلى الحق، ثم استهما، جعلوا قرعة حتى لا يقول هذا مثلا: أنت أعطيتني كذا وهذا. ففي هذا الحديث دلالة على جواز الصلح على شيء مجهول لا يمكن معرفته، وهذا باتفاق أهل العلم أنه يجوز. أما إذا كان المجهول يمكن معرفته، فالعلماء اختلفوا في ذلك. عند الحنابلة لا يجوز، وعند المالكية وغيرهم يقولون: إنه يجوز. مثلا كثيرا ما يحصل هذا، تجد مثلا الورثة يقولون مثلا لأحد الورثة، مثلا لزوجة بينهم، ما تكون أمهم، تكون زوجة بينهم، يقولون: خلاص نحن نعطيك هذا البيت أنت ساكنة فيه، وهذا لآخر، ويتفقون على هذا، فهذا وهي لا تعلم كم مقدار إرثها. وإلا لو أرادوا الحق لعرفوا كم مقداره، لكن أيش، خلاص يقولون: هذا في بيتها تأخذ هذا البيت، وذاك الإخوة الباقين في بيتهم يأخذونه، وهذا يأخذ بيت وهكذا، بعضهم يقسم هكذا البيوت خاصة. فهذا إذا اصطلحوا، فعند الحنابلة لا يجوز، ما هو المشهور في مذهب الحنابلة، وإلا في رواية عن أحمد أنه يمنع ذلك. والصحيح المنع في مثل هذه الأمور، ما دام أنهم يستطيعون يتوصلون إلى معرفة الحق، فلا يجوز لهم أن يقسموا على مجهول. ولأن فيها أيضا إجحاف، لو عرفت المرأة مثلا بعد ذلك ستطالبهم بأكثر، مثلا لو عرفت أن حقها أكثر من هذا، فلهذا يحصل أحيانا مثل هذه الأمور، يحصل بعد ذلك المنازعات والمخاصمات بسبب مثل هذه الأمور التي تحصل. فلهذا والصحيح أنه لا يجوز ما دام يستطاع التوصل إلى معرفة الحق، فلا يجوز أن يصلح على مجهول، إلا إذا كان هو نفسه الشخص تنازل عن حقه، تنازل عن حقه، أو قال مثلا: خلاص أعطوني هذا وأنا إن كان لي شيء فأنا مسامح فيه وأبرأكم فيه. فمثل هذا ما فيه شيء، معنى هنا نفسه الشخص يتنازل عن ميراث. أما أنه يأتي يصطلحون على هذا، فهذا كما قلنا فيه إجحاف، وكذلك فيه جهالة. فهذا معنى، سواء كان فيه إقرار أو فيه إنكار، وغالبا هذه المسائل تحصل فيه إنكار. وأيضا يجوز أنهم يصطلحون على مجهول كما قلنا إذا لم يستطع، مثلا أحيانا مثل بعض التجار يأتي ببضاعة مثلا عند تاجر آخر، فتجد أنه يثق فيه، خلاص يكون واثق فيه جدا، حتى حين ما يكتب فواتير، فيعطيه، فيعطيه، ثم بعد ذلك المشتري ينسى كم عنده، والبائع أيضا ما يكتب، ويقول: الله ما أدري كم، وهذا يقول: ما أدري، فيصطلحون على شيء، مثلا يقول: عنده خلاص نصطلح على خمسة مليون، والباقي مسامح إذا كان شيء زائد، ويقول له المشتري: أنا مسامح أيضا إذا كان أنقص من هذا، فيصطلحون على هذا، ثم يقسمون أو ثم يعطيه حقه وهكذا، فهذا ما في شيء إذا كان لا يستطيع الوصول إليه. وأما إذا كان يستطاع الوصول إليه، فلا يكون صلح، فلا يكون صلح في مثل هذا، بل أولا يتوصلون إلى الحق، ثم بعد ذلك إن كان يريد يتنازل هو بنفسه، ما في شيء. طيب إن شاء الله نكمل هذا، والصلح على إنكار إن شاء الله نتركه في درس آخر.