الدرس في كتاب البيوع 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث المؤلف عن مفهوم الصلح على الإنكار وجوازه عند جمهور العلماء لما جاء في الحديث: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا». بينما يرى الشافعية أن هذا النوع من الصلح غير جائز.
يتناول المقطع حكم الصلح على الإنكار في حالة ادعاء شخص على آخر بدين أو عين، ويجوز الصلح مع تنازل المدعى عليه عن جزء من المال. كما يشرح آراء الفقهاء المختلفة حول اعتبار هذا الصلح بيعًا أم لا.
الصلح على الإنكار يعتبر بيعا في حق المدعي، بينما هو إبراء للذمة في حق المدعى عليه. ويوضح الشروط التي يعتبر فيها الصلح بيعا في حق المدعي وتثبت الشفعة للمدعى عليه في حالة المشاركة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، يتكلم المؤلف على مسألة الصلح على الإقرار، وهنا بعدما انتهى من الصلح على الإقرار ذكر الصلح على الإنكار، أن يصالح المدعي المدعى عليه مع عدم إقراره، أي لا يقر بالدعوى، سواء كانت الدعوى في أصل القضية أو في المال نفسه أو في ثمنه أو في شيء من الأمور التي يختلف فيها في المال. فيصالح المدعي قطعا، يعني يتفقون على مال معين ثم يطالبه به. فمثلا أن يدعي أن هذه الدار التي يسكنها فلان، مثلا عمه، ليست له وإنما هي أيضا لأبيه، فيدعي عليه هذا، فيقوم عمه مثلا يقول: خلاص، أنا مدام أنت على هذا، أو يقول هذا ابن أخي، إذا كنت تنكر لعلنا نتصالح، فيقول: خلاص سأعطيك شيئا من المال تعويضا. فهذا صلح على الإنكار. وجمهور العلماء على القول به، على أنه يجوز الصلح، لما جاء في الحديث: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا». وعند الشافعية المشهور عند الشافعية أنهم يمنعون من الصلح على الإنكار، قالوا: لأن المدعي لم يثبت حق له على المدعى عليه، لأن المدعى عليه لم يقر، ولم يأت المدعي ببينات، سيقولون في هذا الصلح أكل المال بالباطل. لكن هذا الكلام ليس صحيحا، فهذا الصلح حصل بالاتفاق بينهم، وبراءة للذمة، لأن الصلح هذا يبرأ ذمة المتخاصمين. وأيضا فيه ترك لليمين التي يطالب بها المدعي، فلهذا فالصحيح أنه يجوز الصلح. ولأن أيضا هذا الصلح غالبا فيه تنازل عن مال له، إن كان يدعي، وذاك أيضا، ولا شك أنه يجوز للإنسان أن يتنازل عن مال كله، فكيف لأجل الصلح؟ وقد قال الله عز وجل: «فإن صلحوا بينهما صلحا فلا تبعة عليهما». قال رحمه الله: من ادعى عليه بعين أو من ادعى عليه بدين، فسكت أو أنكر وهو يجهله، ثم صالح عليه بمال، صح. العين معنى شيء موجود، مثل الدار، مثل البيت، سيارة، تلاجة، شيء معنى موجود يسمى عين. والدين معروف، نحن يدعي عليه مثلا دينا معينا، ألف ريال، معنى مئة ألف ريال أو كذا. أو مثلا صاحب دكان يدعي أن فلان اشترى منه بمئة ألف دينا، فقال له مثلا صاحب دكان: يا فلان، أنت أخذت، أهلك أخذوا من عندي بمئة ألف، والرجل هذا ما عنده هذا، أو يقول مثلا أهلي أخذوا، ولا شيء يسير، فهو ينكر أو يسكت، يسكت معنى حتى ما يحصل بينه وبين صاحبه أو صاحب دكان هذا شيء، فيسكت. فيقوم يصطلح عليه، يقول: خلاص، أنا ما أدري هذا المال كثير، وبعد الخصوم مثلا يقول له: خلاص يدفع حتى سبعين، يقول: خلاص سأدفع سبعين، فيصالحه على هذا. وهذا الذي يسميه العلماء صلح الإنكار، وهو مذهب جمهور العلماء كما ذكرنا، خلافا للشافعية. قال: وهو للمدعي بيع يرد معيبة، ويفسخ الصلح، ويأخذ منه بالشفعة. وللآخر إبراء، لا رد ولا شفعة. هذه المسألة قد تقدمت: هل الصلح على الإنكار يعتبر بيعا مثل الصلح على الإقرار بعوض؟ هل يعتبر هذا بيعا؟ الصلح على الإنكار هل هو بيع؟ لأنه فيه تنازل، أو فيه تعويض، يعوضه مثلا يعطيه أكثر مما طلبه. فالآن المؤلف يقول: أنها بيع، معنى بيع مثل البيع، للمدعي يقول: وهو للمدعي بيع يرد معيبة، ويفسخ الصلح، ويأخذ منه بالشفعة. وهذا مبني على أن الصلح على الإنكار بيع. فعندنا الآن في هذه المسألة، بل في مثل هذه الصلح، مصالح ومصالح، من المصالح -بكسر الميم- المدعي، غالبا والمصالح هو المدعي، لأن المدعي يدعي شيئا وهذا ينكره، فيقول: لو خلاص نتصالح على شيء. هنا يقول الآن المؤلف: أن المدعى عليه ليس الصلح في حقه بيعا، وإنما دفعه إبراء للذمة، هو يدفع إبراء للذمة فقط، لأنه ينكر أصلا أن يكون عليه شيء. وأما في حق المدعي فهي معاوضة، لأنه يعتقد أن هذه الدار له، فعاوض عنها بشيء من المال، فهذا يعتبرونه بيعا في حقه. لكن هذا إذا كان لم يدع شيئا يريد يثبت رجوعه. إذا كان مثلا يقول: يدعي أن هذا أخذ حقه، والآن هو يريد رجوعه، هذا ليس بيعا، وإنما استرجاع ما، فيه معاوضة. فإذا صالحه مثلا المدعي قال: خلاص، أو أقصد، دفعه مثلا المدعي قال: خلاص، وصالحك، أعطيك جزء من البيت، معنى ابن أخيه مثلا يدعي أنه له في بيته عمه، خلاص مدام هكذا حتى لا نخسر الرحم، وكذا خلاص سأعطيك جزء من البيت، فهذا ليس معاوضة، لأنه الآن سيخسر مال وليس سيعوض مال. فالآن خلاصة هذه المسألة أنه يقال: أن المدعي يكون الصلح في حقه بيعا مثل بيع، معنى إذا رأى عيبا رد هذا الصلح الذي حصل بسببه، أو يفسخ الصلح، هذا المدعي يفسخ الصلح. وأما المدعى عليه فليس له شيء من ذلك، وتثبت فيه الشفعة أيضا، تثبت فيه الشفعة إذا كان الدار مشاركة، وادعى أن له فيها، وأعطي، فإنه يثبت له الشفعة.