الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 79، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يفسر الشيخ السعدي سياسة يوسف عليه السلام في تخزين الغلال خلال سنوات الخسب استعداداً للسنوات العجاف، مبيناً وجوب عناية ولي الأمر بأقوات الرعية وأمنهم. كما يتناول قدوم إخوة يوسف إلى مصر طلباً للميرة في سياق هذه التدبيرات الإلهية والحكيمة.
يصف المقطع تعامل يوسف عليه السلام مع إخوته بعدل في الكيل وإحسان في الضيافة، ثم استخدامه أسلوب الترغيب والترهيب لإلزامهم بإحضار أخيهم بنيامين. كما أمر برد بضائعهم سراً في رحالهم تأكيداً لكرمه وضماناً لرجوعهم إليه مرة أخرى.
عاد إخوة يوسف إلى أبيهم يعقوب وأخبروه باشتراط يوسف إرسال بنيامين، فذكرهم يعقوب بخيانتهم السابقة وأكد ثقته بالله وحده. بعد العثور على بضاعتهم مردودة، رغبوا أباهم في إرسال أخيهم فأخذ عليهم موثقاً ثقيلاً بالله ليكونوا ضامنين لعودته.
يختم المتحدث الدرس بالإشارة إلى إرسال الشخص مع المجموعة وتقديم وصايا أبوية مهمة للمستمعين. ويوضح أن تفاصيل هذه الوصايا وتفسيرها ستُعرض في الدرس القادم إن شاء الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: وقفنا عند قول الله عز وجل في تفسير سورة يوسف: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ * وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُم بِهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُم بِأَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَن أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُم فَلَمَّا آتَوهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال الشيخ العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: أي لما تولى يوسف عليه السلام خزائن الأرض دبرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة زروعاً هائلة، واتخذ لها المحلات الكبار، وجبى من الأطعم شيئاً كثيراً وحفظه وضبطه ضبطاً تامة، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرّ الجدب حتى وصل إلى فلسطين التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة. والميرة: هو الرجل إذا ذهب إلى خارج بلده ليحمل لأهله أقواتهم، فهذا تسمى ميرة. وهذا فيه سياسة شرعية وتدبير حسن من يوسف عليه السلام، ففي السبع السنين الخصبة زرع زرعاً كثيراً، وهي الأماكن الكبيرة مثل ما نقول اليوم: المستودعات الكبيرة والهناجر الواسعة، فجنى فيها تلك الثمار فوضعها في هذه المحلات وفي هذه الأماكن حتى تستفيد منها في السبع السنين المجدبة. وهذا فيه أن ولي الأمر يجب عليه أن يعتني بأقوات الرعية، وأن يسايس معاشهم بما يكون سبباً في استمرار أقواتهم. ويدل ذلك على أن الاهتمام بأمر الأقوات أمر مهم جداً لا يستهان به، لأن من أعظم ما يكون سبباً في استمرار حياة الناس الأمن والرغد في العيش، كما قال الله عز وجل في القرآن: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. فهاتان النعمتان من أعظم النعم التي بهما تقوم مصالح العباد في المجتمعات. وكما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾. فذكر الله عز وجل في قيام هذه البلد والنعمة التي أسداها لهذه البلد نعمة الأمن ونعمة الرغد في العيش. وأنتم تجدون في هذه الأيام لما ضاقت الأرزاق على الناس قاموا على حكامهم، وكذلك استاءت أحوالهم، فهذا يدل على أن من أعظم ما يكون سبباً في سعادة أهل المجتمع أن تتوفر أقواتهم وأمنهم. فانظروا إلى يوسف عليه السلام كيف سايس أمر الناس في ذاك الزمان، لما رأى تلك الرؤية وعلم أن بعد هذه السنين المخصبة ستأتي السنين المجدبة، فأكثر من الزرع في السنين المخصبة أو في سنين الخصب حتى يجعلها للسنين المجدبة. وكان يعقوب وبنوه يعيشون في فلسطين، والملك الذي صار يوسف وزيراً عنده وأمينا على أقوات الناس في مصر، فكان الناس حوالي مصر من تلك البلاد يأتون إلى مصر لأخذ أقواتهم. فأرسل يعقوب بنيه من أجل أن يأتوا بأقواتهم، أرسلهم إلى مصر، فجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه، يعني: من أراد قوتاً يدخل عند يوسف لأنه هو المسؤول الأول عن أقوات الناس. فجاء إخوة يوسف فدخلوا على يوسف فعرفهم وهم له منكرون، يعني لم يعرفوه. إخوانه لم يعرفوه لأن الفترة طويلة، يعني: كم جلس في بيت العزيز بعدما أخذوه من البئر، وكم مكث في السجن بضع سنين، ومرت سبع سنين مخصبة، ثم جاءت السنين المجدبة، والله أعلم متى جاء إخوته، في أولها أم في وسطها أو في آخرها. سنين مرت فتغيرت ملامحه، وكذلك اشتد أمره، كما قال عز وجل: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. استوى يعني كبر وشاب وشب، صار شاباً. فالمهم لما دخل إخوة يوسف عليه هو عرفهم، هو عرفهم لأنهم أكبر منه وهم جماعة وهو واحد، لكن إخوته لم يعرفوه. فلما جهزهم بجهازهم، أي: كان لهم كما كان يكيل لغيرهم، أعطاهم ما يعطي غيرهم. وكان من تدبيره الحسن أنه لا يكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، يعني مثلاً: جاء خمسة، كل واحد من الخمسة له من الأقوات حمل بعير فقط، يعني ما يحمله البعير، ما يزيد على ذلك. لماذا؟ حتى لا ينفذ الطعام. وهذا من حسن التدبير حتى ما ينتهي الطعام. لو أعطى الواحد أكثر من حمل بعير سينفذ هذا الطعام بسرعة، ومعه سبع سنين. فكان من حسن تدبيره أنهم إذا جاءوا خمسة كل واحد يعطيه حمل بعير، جاءوا ستة كل واحد يعطيه حمل بعير، وهكذا. وكان قد سألهم عن حالهم، يعني: كيف حالكم، من أين أنتم، وأين أبوكم، وأين بقيت إخوتكم؟ جلس يسألهم لأنه عرفهم. طيب، فأصبح عليه السلام يسألهم عن أحوالهم، فأخبروه أن لهم أخاً عند أبيهم وهو بنيامين، فقال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ﴾. لماذا ما أتيتم به؟ لماذا ما أتيتم به؟ ستحرمون الآن حمل بعير، لو أتيتم به سنزيدكم حمل بعير. فلماذا ما أتيتم بأخ؟ ائتوني بأخ لكم من أبيكم. ثم من كذلك فطنته وذكائه رغبهم في الإتيان به، في الإتيان بهذا الولد، هذا الابن، فقال لهم: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾. المنزلين: فرغبهم في ذلك، يعني: القول هنا المنزلين بمعنى الضيافة والإكرام، المنزلين بمعنى الضيافة والإكرام. يعني: ألا ترون أني قد أكرمتكم ووفيتكم حقكم؟ فلماذا لا تأتون بهذا الأخ ويعطى مثل ما تعطون ويكرم مثل ما أكرمتم؟ فرغبهم في ذلك، ثم رهبهم، يعني: خوفهم، إن لم يأتوا به، فقال لهم: ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾. إذا ما تسمعوا كلامي مرة ثانية ما سأعطيكم شيئاً، لابد تأتون بهذا الأخ، لابد أن تأتوا بهذا الأخ. نعم، فاستخدم معهم الترغيب والترهيب. الترغيب في قوله: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾، هذا ترغيب. والترهيب: ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، ولا تأتون عندي، ولا تقربون عندي، ولا أعطيكم شيئاً. فقالوا: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾. قال الشيخ مفسر: دل هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولعاً به لا يصبر عنه. لماذا ما أتى معهم هذا الأخ؟ لأن أباه يعقوب كان يحبه كذلك حباً شديداً، لاسيما بعدما غاب عنه يوسف، وكان يتسلى به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم. والمراودة: هو الإقناع بلطف ولين وإقناع ونحو ذلك، هذا معنى المراودة. يعني: قالوا سنحاول نقنع أبانا، نتلطف معه حتى يوافق على ذهابه معنا وإتيانه معنا. ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾، أي: لما أمرتنا به. وقال: أي يوسف ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾، أي: الذين في خدمته، يعني: ما هو الذي يكيل ويحمل، لا، هو مثل المدير أو المسؤول، وعنده خدم وعمال. فقال لهؤلاء العمال الذين في خدمته: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾، أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة، لأنه لما يأتي أحدهم يأتي بثمن، يأتي بثمن سواء كان مثلاً ثياباً أو مثلاً إبلاً أو مثلاً مالاً ذهباً فضة، يأتي بثمن مقابل أن يعطى الطعام. فقال لفتيانه بعدما كال لهم كيلهم وأعطى كل واحد منهم حمل بعير: قال لخدمه: اجعلوا بضاعتهم، أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة، في رحالهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يعني: إذا رأوا ذلك لما يصلون إلى بلدهم ورأوا هذا الثمن لا يزال موجوداً معهم، ولم يأخذه صاحب الطعام الذي اشتروا منه هذا الطعام، فيضطرون إلى الرجوع. قال هنا الشيخ: لأجل التحرج من أخذها، على ما قيل. هذا قول: أنهم سيرجعون لأنهم سيقولون: ما رأوا هذا الثمن، ما رأوا هذا الثمن، فلابد أن نرجع هذا الثمن، أنهم يتحرجون أن يأخذوا باعتبار أنهم أخذوا الطعام بدون مقابل، الثمن ما زال موجوداً معهم، رد إليهم هذا الثمن. فمن الأقوال في سبب رجوعهم: التحرج، تحرجوا من أن يأخذوا الطعام ويأخذوا ثمن الطعام. هذا قول. لكن هنا مرتضى المفسر هذا القول، قال: والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلاً وافياً، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسون بها ولا يشعرون. لما يأتي، نعم، لما يأتي، فإن الإحسان يجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن. يعني: هذا قول آخر أن يوسف عليه السلام تعمد إرجاع الثمن إحساناً إليهم، إحساناً إلى إخوته. فإخوته لما يرون ثمن الطعام رد إليهم، فلا شك أنهم سيجعلون ذلك إحساناً من هذا العزيز، من هذا صاحب الطعام، سيرون ذلك إحساناً، فهذا الإحسان سيوجب عليهم الاهتمام بأمره والرجوع إليه، لأن جزاء الإحسان ماذا؟ الإحسان. فلما يرون أن يوسف أحسن إليهم ورد إليهم الثمن، فسيأتون إليه لأنه محسن. ولذلك سيأتي أنهم قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، لأنه أحسن إليهم بالوفاء، الوفاء في الكيل، ورد كذلك بضاعتهم إليهم، ولم يأخذها مقابل الطعام. هذا هو القول الذي استحسنه المفسر وهو الأقرب لما سمعنا من قولهم: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾، أخذوا طعامهم ورجعوا إلى بلدهم، قالوا: ﴿يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾، يعني: مرة ثانية، يعني: ما سيعطونا كيلاً وطعاماً إن لم ترسل معنا أخانا. إذا ما ترسل معنا أخانا فإن العزيز ما سيعطينا طعاماً، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾، أي: ليكون ذلك سبباً لكيلنا. ثم التزموا له بحفظه، تذكروا ما فعلوا بيوسف، وهم يعلمون أن يعقوب سيخاف على هذا الولد لما لهم من سوابق، فقالوا له: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، نحن سنحافظ عليه، نحافظ عليه من أن يعرض له ما يكره. فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُم بِهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُم بِأَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾، أي: قد تقدم منكم التزام، متى هذا الالتزام؟ في أخذهم ليوسف، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالى، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وهذا فيه أن من خان الأمانة تسحب منه الثقة، تسحب منه الثقة، فلا يؤمن بعد ذلك، لا يؤمن بعد ذلك لأن عليه سوابق. فيعقوب قال لأبنائه: قال لهم: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل؟ أي: قد تقدم منكم التزام من قبل وما وفيتم بهذا الالتزام، فكيف الآن آمنكم عليه؟ فهذا معنى كلامه. لكن قال: سأجعل الأمر لله عز وجل، نعم، فلا أثق إلا بالله، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، أن يعلم حالي وأرجو أن يرحمني فيحفظه ويرده علي. وكأنه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم، لان يعقوب لأن المصلحة تقتضي ذلك، لو لم يرسله لما وجدوا طعاماً، الزمن زمن جدب، زمن جدب، فإن لم يذهبوا إلى مصر ويأتوا بالطعام لما وجدوا طعاماً، فلذلك ألان يعقوب. فقال لهم: ﴿فَلَمَّا آتَوهُم مَّوَاعِيدَهُمْ﴾... قال: فلما ألان لهم، ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾، فتحوا يعني: ما أتوا به من مصر وما كان على جمالهم، ﴿فَوَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾، يعني: البضاعة التي أرادوا بها شراء الطعام ردت مع إعطائهم للطعام. فهذا دليل على أنه قد كان معلوماً عندهم أن يوسف قد ردها عليهم بالقصد، يعني: هذا الآن يؤيد المفسر القول الذي جنح إليه، وأنهم يعلمون أن يوسف إنما رد إليهم بضاعتهم عمداً وقصداً، لا يعني غفلة ونسياناً، وإنما قصداً. فقالوا لأبيهم ترغيباً في إرسال أخيهم معهم: ﴿يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾، أي: أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل؟ يعني: كيف نرد أمره ونرد طلبه وقد أحسن إلينا وأكرمنا، فأعطانا الطعام وأعطانا كذلك البضاعة التي مقابل هذا الطعام؟ فكأنهم بهذا الكلام يرغبون أباهم في أن يرضى بأخذ هذا الولد معهم. قالوا له: أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل حيث وفى لنا الكيل ورد علينا بضاعتنا على هذا الوجه الحسن المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟ ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾، أي: إذا ذهبنا بأخينا صار سبباً لكيلنا لنا، لأن قال لهم: إذا لم تأتوا به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون. ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾، بإرساله معنا فإنه يكيل لكل واحد حمل بعير، مثلاً هم منهم عشرة، فإذا لم يأخذوه سيعطيهم حمل عشر من الأباعر، لكن إذا أخذوا أخاهم سيجدون إحدى عشر حملاً. ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾، أي: سهل، لا ينالك ضرر لأن المدة لا تطول. يعني: هذا كل ترغيب منهم لأبيهم، يعني: يرضى بأخذ هذا الولد معهم. فقالوا له: هذا يعني الكيل يسير، أي: سهل، إيش يضرك أن ترسل معنا هذا الابن؟ فلا ضرر عليك لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد ثبتت، المصلحة قد تبينت. فقال لهم يعقوب: ﴿لَن أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ﴾، أي: عهداً ثقيلاً وتحلفون بالله، خلاص تأخذونه، لكن لابد أن تحلفوا أن تحفظوا هذا الولد وأن لا تنالوه بسوء. نعم، فقال لهم: لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقاً من الله، أي: عهداً ثقيلاً وتحلفون بالله ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُم﴾، أي: إلا أن يأتيكم أمر لا قبل لكم به، يعني: أمر ليس من تلقاء أنفسكم، إنما هو قدر من الله، قدر من الله، كمثل: مطر شديد، أو مثلاً عدو غاشم، أو نحو ذلك مما قد يقدر الله عز وجل عليكم. نعم. قال: ﴿فَلَمَّا آتَوهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، على ما قال وأراد، ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، أي: تكفين شهادته علينا وحفظه وكفالته، فالله عز وجل خير حافظ، والله عز وجل كفى به شهيداً وكفى به وكيلاً. فأرسله معهم، ولما أرسله معهم أوصاهم بوصايا عظيمة، وهي وصايا أب لأولاده، وهذا ما سنعرفه إن شاء الله في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر