الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح أن الشفاعة ملك لله وحده، وطلبها من الأصنام أو الأولياء شرك؛ لأن الله كامل العلم والقدرة بخلاف ملوك الدنيا المحتاجين لوسائط. ويبين أن أصل ضلال المشركين والصوفية هو تشبيه الخالق بالمخلوق ظانين أن الله يحتاج إلى شفعاء.
يبيّن الفرق بين شفاعة المخلوقين المحتاجين لشفعاء وكمال الله الغني عن خلقه، ويرد على شبهة من يعبدون غير الله زعماً أنهم شفعاء فقط. ويوضح أن الشفاعة تنقسم إلى مثبته بشروط (إذن الله ورضاه) ومنفية عن المشركين مستدلاً بآية الأنعام 51.
يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على أن الشفاعة ملك لله وحده لا يشاركه فيها أحد، ولا تتم إلا بإذنه ورضاه عن الشافع والمشفع له. ويبطل حجة المشركين في التعلق بالأصنام والأولياء، مؤكداً انتفاء الشفاعة النافعة إلا بإذن الله.
يوضح أن الآيات المذكورة تقطع عروق الشرك من القلب، حيث كان المشركون يتمسكون بشبهة الشفاعة ويدعون الأصنام والأولياء، فأبطل الله تعالى شبهتهم تماماً.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب الشفاعة، ومناسبة ذكره لهذا الباب في هذا الكتاب بعد الأبواب التي فيها بطلان عبادة ما سوى الله، يريد بذلك بطلان شفاعة الأصنام أو كل ما يعبد من دون الله؛ لأن الكفار والمشركين يعتقدون أنها تشفع عند الله سبحانه وتعالى. والشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وهي من الشرك إذا طلبت من من لا يملكها؛ فلا يملك الشفاعة إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 44]. فهو الذي يملكها، فلا تطلب إلا منه، فمن طلبها من غير الله فقد أشرك. وسياتي معنا تفصيل في ذلك: لمن طلبها في الدنيا لغير قادر عليها، أما من كان قادراً عليها فلا بأس إذا كانت الشفاعة بمعنى الدعاء؛ فقد جاء في بعض الأحاديث أن الصحابة يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم بمعنى يدعو لهم، كما في حديث الأعمى وغيره، وكذلك الشفاعات الدنيوية. أما في يوم القيامة فلا يملك الشفاعة إلا الله، فمن طلب الشفاعة لابد أن يطلبها من الله، ويستأذن من الله سبحانه وتعالى. سيأتي معنا شروط الشفاعة، ففي هذا الباب بطلان شفاعة كل ما يعبد من دون الله؛ لأن الشفاعة حق لله عز وجل وحده. والأمر الآخر الذي من أجله أورد الإمام هذا الباب في هذا الكتاب بعد أبواب بطلان عبادة ما سوى الله: لأن الله كامل العلم والقدرة والسلطان، ليس كملوك الدنيا. فإن من شبه عباد القبور وغيرهم أنهم يقولون: نحن ندعو هؤلاء الموتى، وكذلك نطلب منهم الشفاعة؛ لأن لهم جاهاً عند الله، فهم أولياء الله وأصفياؤه، ونحن المذنبون المقصرون، فلو طلبنا مرادنا مباشرة من الله لربما لا يستجاب لنا لأننا مذنبون مقصرون، أما الأولياء والصالحون والأتقياء فلهم منزلة وقربة عند الله سبحانه وتعالى. فشبهوا الخالق بالمخلوق، قالوا: ألا ترى أن الملك من ملوك الدنيا لا يستطيع أن يدخل عليه أي أحد، ولا يستطيع أن يطلبه أي أحد، لكن هذا الملك له مقربون من وزراء ومدراء ووجهاء وتجار، ونحن كذلك، فمن وصل إلى هؤلاء المقربين وطلب منهم أن يتوسطوا له ويشفعوا له عند ذلك الملك، نال هذا المستشفع بغيته بواسطة، ليست مباشرة. فسبحان الله، شبهوا الخالق بالمخلوق. فلذلك قال هنا - وبيّن الفرق -: لأن الله كامل العلم، فهو يعلم بجميع أحوال خلقه، لكن الملك من ملوك الدنيا هل يعلم أن أناساً يحتاجون وأن أناساً يريدون حوائج؟ لا يعلم بهذا لأن علمه قاصر، أما الرب سبحانه وتعالى فهو يعلم بجميع شؤون خلقه. وهكذا كامل القدرة، فهو قادر سبحانه وتعالى أن يعطي الجميع، وخزائن الله ملأى، بخلاف الملك من ملوك الدنيا، ولربما يقول: الحقوق كثيرة، ما عندنا، ويعتذر للناس المحتاجين، يعتذر لهم لقصور ملكه وقدرته، ما وسع الناس جميعاً. لكن الله عز وجل سبحانه وتعالى يعطي كل سائل سؤله، ولا ينقص ذلك من ملكه شيء، كما جاء في حديث أبي ذر: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وقفوا في صعيد واحد، ثم سألوني، فأعطيت كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً». سبحان الله، فكيف تشبه الخالق بالمخلوق؟ فالله عز وجل كامل القدرة والسلطان والملك، ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، وهو السميع البصير. فأتوا من هذا الباب، يعني لو نظرت في ضلال أهل البدع وأهل الشر لرأيت أصل ضلالهم من تشبيه الخالق بالمخلوق، مثل نفاة الصفات: لماذا نفى المعتزلة والأشاعرة والماتريدية الصفات؟ لأنهم شبهوا، أولاً قالوا: كيف نثبت لله الاستواء والإنسان يستوي والمخلوق يستوي؟ فإذا أثبتنا الاستواء لله شبهنا الخالق بالمخلوق، فحملهم ذلك على التعطيل فعطلوا صفات الله. وهكذا هؤلاء الصوفية عباد القبور، أتوا من هذا الباب في شركهم وعبادتهم لغير الله. ففي باب الشفاعة قالوا: يعني شبهوا الخالق بالمخلوق، شبهوا الخالق بالمخلوق، فقالوا: بما أن المخلوق يحتاج إلى من يشفع عنده، فكذلك الله عز وجل. هتوا من هذا الباب فظلوا وأضلوا. قال: لأن الله كامل العلم والقدرة والسلطان، ليس كملوك الدنيا، فهم بحاجة إلى شفعاء لقصور علمهم وسلطانهم ونقص قدرتهم. يعني: لماذا ملوك الدنيا يقبلون شفاعة الشافعين، يقبلون الوسائط؟ لأنهم يحتاجون إلى هذا الوسيط، هذا وزير، لو لم أستجب لأمره لربما عطل علينا العمل. صح. الآن لو تريد حاجة من مدير ما، تأتي عند أي أحد؟ تأتي عند من هو أقرب إلى هذا المدير، كان يكون مثلاً مدير مالية أو مدير شؤون إدارية أو نحو ذلك ممن تعرفه، لأن هؤلاء ينتفع منهم، وهو ما سيستجيب لهم إلا للمصلحة لأنه يستفيد منهم. هذا معنى كلامه هذا في حق المخلوق. أما الخالق فهو الغني سبحانه وتعالى عن جميع خلقه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15]، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه سبحانه وتعالى. لذلك قال هنا: ليس كملوك الدنيا، فهم بحاجة إلى شفعاء لقصور علمهم وسلطانهم ونقص قدرتهم، فيساعدهم الشفعاء في ذلك، فيتجرأ عليهم الشفعاء فيشفعون بدون استئذان؛ لأنهم مقربون، ولأن الملك لو عارضهم لعطلوا عليه مصالحه. هذا في حق المخلوق، أما الخالق فتعالى وتقدس سبحانه وتعالى عن مثل ذلك. وأيضاً يذكر العلماء الشفاعة في كتاب التوحيد بعد أبواب بطلان عبادة ما سوى الله؛ لأن المشركين لربما بعضهم يقول: نحن ما نعتقد أن مع الله إلهاً آخر، ما نعتقد أن مع الله إلهاً آخر، إنما هؤلاء وسطاء شفعاء فقط، وأما الإله الحق فهو الله سبحانه وتعالى. انظر هذا الشبه، يريدها عباد القبور، بل هي شبهة الأولين، كما قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ﴾ [الزمر: 3]. ما نتوجه إليهم بالعبادة كعبادة الله، وإنما نقر بأن الله هو الإله الحق، لكن هؤلاء وسطاء شفعاء لنا فقط عند الله. هذا هو عين الشرك؛ لأن الله عز وجل ماذا قال؟ ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾، فقد أعطيتم حقاً من حقوق الله لغيره، فبرص هذه الآية وقعتم في الشرك بالله سبحانه وتعالى. ثم ذكر بعض الأدلة على بطلان الشفاعة، منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾ [الأنعام: 51]. تجد فيه آيات الشفاعة: بعض الآيات تثبت الشفاعة، وبعضها تنفيها، فالجمع بين هذا وذاك أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. فالشفاعة المثبتة كما سيأتي معنا لها شروط: فمن شروطها الرضا للشافع أن يشفع، أو الإذن للشافع أن يشفع، والشرط الثاني: الرضا عن المشفوع أن يشفع له. وهذا سيأتي معنا في آيات ثبوت الشفاعة. وأما الآيات التي فيها نفي الشفاعة فهي الشفاعة المنفية التي هي منفية عن أهل الشرك، ﴿ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [غافر: 18]، الظالمون بمعنى المشركين، وكما سيأتي معنا في الآيات الأخرى التي أوردها المؤلف، بهذا يكون الجمع ولا معارضة. فهذه الآية فيها نفي الشفاعة، فهي الشفاعة المنفية: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾، يعني لا يشفع لهم أحد إلا بإذن من الله، إذا لم يأذن الله لا يشفع أحد. طيب، هذا الذي يقول: فلان يشفع لي، هل تعلم أن الله يأذن له أو لا يأذن؟ هل تعلم أن الله يرضى عنك أو لا يرضى؟ ما علمك بذلك؟ ﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ﴾ [مريم: 78]، هل اطلعت على الغيب حتى تجزم بذلك؟ وأما ما يستدلون به من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لأهل الإيمان، فهذه من الشفاعة التي داخلة تحت إذن الله، داخلة تحت إذن الله عز وجل، فهي شفاعة من حي قادر يوم القيامة؛ لأنها بمعنى الدعاء. فلذلك لما طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم، هل مباشرة قال: قد شفعت لكم؟ لما قالوا: يا محمد، اشفع لنا عند ربك، أما ترى ما نحن فيه؟ هل مباشرة قال لهم: قد شفعت لكم؟ لا، ذهب عليه صلى الله عليه وسلم وخر ساجداً لله عز وجل، وأثنى على الله بمحامد عظيمة، يستأذن من ربه؛ لأن الشفاعة لله عز وجل، حتى أذن الله له فشفع في أهل الموقف. انظروا إلى هذه المسألة الواضحة الجلية. قوله: ﴿ وَأَنذِرْ ﴾، الإنذار هو الإعلام المتضمن للتخويف، أنذرتكم النار يعني أعلمتكم بهولها وعظمتها فخافوا منها، فهو إنذار مع تخويف. النذير العريان: النذير العريان هو الذي ينذر قومه من جيش أراد أن يصطلم عليهم، فهو ينذرهم أي يعلمهم بقدومه ويخوفهم من خطره. فهذا معنى قوله: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾، وهم أهل الإيمان. وذكرت هذه الآية حتى لا يركن أهل الإيمان إلى الشفاعة فيتهاونون في الأعمال الصالحة، كما هو شأن من ركن إلى الشفاعة من عباد القبور. ربما تأتي تنصح واحداً ممن يركن إلى هذه الشفاعة من عباد القبور، قد وقع في الذنوب والمعاصي وجهر بها، فيقول: نحن جدنا الرسول عليه الصلاة والسلام، وجدنا الحسن والحسين وفاطمة، هؤلاء مباشرة يشفعون لنا ويدخلوننا معهم الجنة، نعمل ما نعمل. هكذا يحتجون، وهكذا يتكلون على ذلك. الأمر أنه صلى الله عليه وسلم كما مر معنا يقول لقرابته، بعد التعميم وكذلك التخصيص: «اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً»، «لا يأتي الناس بأعمالهم وتأتون بأنسابكم». فالأمر واضح جليل. فقوله: ﴿ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾، أهل الإيمان، ﴿ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾، ليس لهم، لا يركنون إلى غير الله، وإن أرادوا الشفاعة علقوا قلوبهم بالله وطلبوها من الله لا من غيره سبحانه وتعالى. والآية الثانية: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 44]، أي حق لله، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص، فهذا أمر مختص بالله عز وجل وحده، ﴿ قُلْ لِلَّهِ ﴾، فلا يشاركه فيه أحد، فهو حق لله، فلا يطلب إلا من الله. والآية الثالثة: ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255]، هذا فيه الشفاعة المثبتة، وأنها بشرط الإذن، بشرط الإذن بالشفاعة، يعني يؤذن من الله سبحانه وتعالى للشافع المشفع. وقوله: ﴿ مَن ذَا الَّذِي ﴾، هذا استفهام لكن فيه معنى النفي، وهو أبلغ من النفي المجرد، فهو استفهام ونفي: من ذا الذي يشفع عنده الله بإذنه؟ يعني لا أحد، لا أحد يشفع إلا بإذن الله سبحانه وتعالى؛ لأن الشفاعة له سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾ [النجم: 26]، هذا كذلك فيه إثبات الشفاعة بهذين الشرطين: الإذن والرضا، ﴿ إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾، أن يكون من أهل التوحيد، فلا يشفع، لا يأذن سبحانه وتعالى لأي أحد. وذكر الملائكة هنا فيه فائدة، وهو أن هذا المخلوق الذي يريد أن يشفع، مهما كانت منزلته عند الله، فهو لا يشفع إلا بعد إذن الله وبعد رضا الله سبحانه وتعالى. فالملائكة كما تقدم معنا هم أقرب الخلق إلى الله بعد الأنبياء والمرسلين، وهم أعظم الخلق خلقاً، ومع هذا لا يشفعون إلا بعد إذن الله ورضاه سبحانه وتعالى، فمن هو دونهم من باب أولى؟ من هو دونهم من الخلق من باب أولى أنهم لا يشفعون إلا بعد إذن الله ورضاه. ثم ذكر الآية الخامسة: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 22-23]، لإثبات الشفاعة بعد إذنه سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾، أي الأصنام وكل ما عبد من دون الله. فيوم القيامة يطلب من هؤلاء المشركين أن ينادوا شركاءهم، هل ينفعونهم؟ هل كذلك يشفعون لهم؟ فيقال لهم: ادعوا الذين زعمتم من دون الله، هل يملكون مثقال ذرة؟ ذرة: شيء صغير، والمثقال أصغر، يملكون مثقال ذرة خيراً، يعني شيء يسير، فهل يملكون مثقال ذرة في السماوات أو في الأرض؟ ما يملكون، ما يملكون شيئاً. فكيف يدعون من دون الله؟ ﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ ﴾، هل شاركوا؟ شاركوا الله عز وجل في خلق السماوات والأرض؟ ما يملكون، لكن قد يقول بعض المشركين: شاركوا. هل شاركوا؟ ما شاركوا. ﴿ مَا لَهُم مِّن شِرْكٍ ﴾، فلا يملكون شيئاً في السماوات والأرض، لا انفراداً واستقلالاً ولا مشاركة. ﴿ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴾، أي نفع عن الأصنام أن تكون معينة، والظهير هو المعين، وهم ليسوا ملوكاً ولا كذلك مشاركين ولا معينين، ما لهم أي شيء في خلق السماوات والأرض. ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾، أنتم تتعلقون بهؤلاء، اعلموا أن هؤلاء لا تنفع الشفاعة شفاعتهم عند الله إلا بإذنه، أو إلا لمن أذن له، أي لمن أذن له الله، فلابد من هذا الشرط. آيات واضحة صريحة في أن الشفاعة لله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن تطلب من غيره، بل لا يجوز أن تطلب من غيره سبحانه وتعالى. قال الشيخ ابن عثيمين: ينتفي عن هذه الأصنام كل ما يتعلق به العابدون، فهي لا تملك شيئاً على سبيل الانفراد، ولا المشاركة، ولا الإعانة؛ لأن من يعينك وإن كان غير شريك لك يكون له من عليك، فربما تحابيه في إعطائه ما يريد. فإذا انتفت هذه الأمور الثلاث لم يبق إلا الشفاعة، فكذلك الشفاعة قد أبطلها الله: ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾. وقال: وهذه الآية والتي تليها، قال عنها ابن القيم رحمه الله تعالى: هي الآية التي تقطع عروق شجرة الشرك من القلب؛ لأن المشركين تعلقوا بهذه المسألة، مسألة الشفاعة، المشركون الأولون والمشركون المتأخرون تعلقوا بالشفاعة، ودعوا الأصنام والأحجار والأنداد والأولياء والصالحين بهذه الشبهة وبهذه الحجة، فأبطل الله عز وجل شبهتهم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.