الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 58، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ محمد بن عبدالوهاب آيات سورة النحل التي تبطل الشرك، مبيناً أن عبادة القبور والصالحين باطلة لأنها لا تخلق ولا تنصر. وتؤكد الآية ﴿أَيَشْرُكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ قطع دابر الشرك، وتوضح أن خوف الملائكة من الله سبب سؤالهم، وأن من خاف الله أمن من كل شيء.
يستعرض المقطع ست عشرة فائدة من حديث النواس بن سمعان، منها الرد على عباد القبور بخوف الصالحين من الله، وبيان فضيلة جبريل وارتجاف السماوات لهيبة كلام الله. كما يفصل أحوال استراق الشياطين للسمع وإرسال الشهب، ويختم بحال الكهان وأن صدقهم نادر مقابل كثرة كذبهم.
يبيّن المقطع أسباب فتنة الناس بالكهان والسحرة بتصديقهم لكلمة حق واحدة وسط أكاذيب كثيرة، وكيف تُقبل النفوس الباطل بسرعة. ويوضح أسلوب أهل الباطل في خلط الحق بالباطل لترويج بدعهم، ويثبت صفات العزة والجلال والكلام والعلو لله تعالى رداً على المعطلة، ويختم برجفة السماوات وغشي الملائكة خوفاً من الله.
يذكر المقطع أن المؤمنين يخرون سجداً لله تعظيماً له وخوفاً من أن يتضمن الكلام عقوبة أو ضرراً لهم. وينهي المتحدث الحديث مكتفياً بما ذُكر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، في ذكره للمسائل المتعلقة بباب "يشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون": قال: "الأولى: تفسير الآية، وهي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾". فعرفنا تفسير هذه الآية، ويذكر المؤلف هذا ليربط الآيات بكتاب التوحيد وبمسألة التوحيد، فهذه الآية تعد من آيات التوحيد. والقرآن احتوى على علوم شتى، وقد ذكره العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن"، قاعدة في علوم القرآن، وأن من علوم القرآن: علوم التوحيد والعقيدة، ومنها علوم قصص الأنبياء، ومنها كذلك علوم الأحكام، ونحو ذلك مما احتوى عليه كتاب الله سبحانه وتعالى من العلوم. الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصًا ما تعلق بالصالحين، وهي الآية التي قيل لأنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب، هذا لمن وعاها ولمن فهمها. ﴿أَيَشْرُكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. هؤلاء الذين يعبدون القبور ويتوجهون إليها في الخشية والرجاء والمحبة والدعاء، لو نظروا في فهم هذه الآية، ونزلوا هذا المعبود على هذه الآية: هل هذا المقبور يخلق؟ ماذا سيقول هذا المشرك؟ يقول: لا، ما يخلق. إذن كيف تعبد ما لا يخلق شيئًا؟ ثم يقال له: هذا المقبور، هل هو خالق أو مخلوق؟ ماذا سيقول؟ إذا قال: خالق، كفر. إذا قال: هذا خالق، كفر بالله العظيم، لأن الخالق هو الله. إذن ما معه إلا أن يقول: مخلوق. صح. طيب، هذا المخلوق كيف تعبده من دون الله وهو مخلوق وليس بخالق؟ والله عز وجل يقول: ﴿أَيَشْرُكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. ثم يقال له: هل هذا ينصر؟ أنت الآن اعتدى عليك عدو، إما في شخصك، وإما في مالك، وإما في دينك، فهل هذا الذي تدعوه لو دعوته بالنصر هل ينصرك؟ سيقول: لا، ماذا ينصرني؟ إذن ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَصْرًا﴾، ما يملك لنفسه نصرًا، فكيف يملك لغيره النصر؟ لو كان ناصرا أحدا لنصر نفسه، لنصر نفسه. فالأمر كما قال المؤلف رحمه الله: إن هذه الآية تقطع عروق شجرة الشرك من القلب، وهم لا يقرؤون مثل هذه الآيات، ولكن حرموا التدبر والتعقل والتفهم لكتاب الله سبحانه وتعالى. قال: "الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾، وهو العلي الكبير". قلنا: معنى هذه الآية أن الملائكة يقول بعضها لبعض: أن الله قال الحق، أن الله قال الحق، لأنه هو الحق سبحانه وتعالى، وما يقول إلا الحق، وما يقول إلا الحق. الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك، يعني: لماذا سألوا عن قول الله؟ لماذا سألوا وتطلعوا إلى معرفة ما قاله الله عز وجل في هذا القول الذي من خوفهم منه غشي عليهم، غشي عليهم، وامتلأت قلوبهم خوفًا؟ السبب هو شدة خوفهم، شدة خوفهم. فالذي يخاف من الله، هل يخاف منه؟ لا يخاف منه. الذي يخاف من الله لا يخاف منه، لا يخاف منه. فهذا أيضًا فيه رد على عباد القبور، فيقال لهم: هؤلاء الصالحون، أليس هم ممن يخاف الله، ممن يخاف الله ويرجو الله، كما قال الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، ويخافون عذابه. فهؤلاء الذين يدعون، إن كانوا حقًا من الأولياء والصالحين، فالولي والصالح يخاف من الله، فكيف أنت تخاف منه؟ كيف أنت تخاف منه؟ وهؤلاء هم الملائكة، وهم أقرب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى، وأعظم الخلق خلقًا، ومع هذا يخافون الله سبحانه وتعالى، ففيه إبطال عبادة غير الله. الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا"، هذا على حديث النواس بن سمعان، لأن في هذا الحديث: "فيرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه". ولكن، ولكن قلنا: الحديث ضعيف لا يثبت، نعم. السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل، وهذا فيه فضيلة جبريل، ففضائل جبريل جاءت في أدلة أخرى، فهو في عدة مواضع يعطف بعد عموم الملائكة، وعطف الخاص بعد العام يفيد الاهتمام، كقوله تعالى في سورة القدر، نعم، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾، فيه الروح المراد به جبريل عليه السلام، مراد به جبريل عليه السلام، ففي ذلك فضيلة لهذا الملك الموكل بالوحي. السابعة: أنه يقول لأهل السماوات، أنه يقول لأهل السماوات كلهم، لأنهم يسألون، وهذا دليل على عظمته بينهم، كما قال ابن العثيمين على صحة الحديث. الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم، وهذا في حديث النواس بن سمعان، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا، وأهل السماوات الله أعلم، وما يعلم جنود ربك إلا هو، فيقوم من الملائكة ومن غيرهم ممن لا نعلمهم، ممن لا نعلمهم. التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله، وهذا أيضًا تعظيما لله. العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله، لأنه هو الموكل بالوحي، وهو الأمين، أمين الوحي. الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين، وهذا ذكر في الحديثين. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضًا، كما ذكر سفيان، الصفة قال: "فحرف كفه وبدد أصابعه، هكذا، هكذا"، قال سفيان، نعم، هذا معنى ركوب الشياطين والجن بعضهم على بعض، هكذا وصفه سفيان. الثالثة عشرة: إرسال الشهاب، أي التي تحرق مسترقي السمع، وهذا ورد في الحديثين. الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه، فليس، ليس في كل محاولة منهم ينجحون في استراق السمع، بل في بعض الأحيان يأتي الشهاب فيحرقهم فلا يلتقطون شيئًا، وأحيانا يدركهم الشهاب بعد استراقهم لهذه الكلمة. الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان، فبهذا يرد على من يقول: "أنتم تقولون لا تأتون الكاهن، الكاهن يصدق"، فيقال لهم: نعم يصدق، لكن أحيانا، فالأكثر في الكهن والسحرة الكذب، كما جاء في الحديث، كما جاء في الحديث. فهذا الحديث فيه أن الكاهن قد يصدق مرة، لكن يكذب كم مرات؟ مئة مرة. ها، قد يصدق مرة واحدة، لكنه يكذب مئة مرة، فأين المرة من المئة؟ أين المرة من المئة؟ السادسة عشرة: كونه يكذب معها مئة كذبة، وهذا على سبيل المبالغة للتحديد، بمعنى: قد يكون أكثر من هذه الكذبات، قد يكون أكثر، قد يكون أقل، يعني المراد من ذكر هذا العدد: كثرة الكذب، كثرة الكذب، لا تحديده. السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه، لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، يعني يفتتن به الناس لأنهم علموا أنه صدق في كلمة واحدة، هذا هو سبب فتنة بعض الناس بالكهان والسحرة، أنهم يصدقون في مرة واحدة. قال: "الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة، بواحدة، ولا يعتبرون بمئة؟ يعني أن الباطل، الباطل عند بعض الناس سرعان ما ينطل عليهم، سرعان ما ينطل عليهم، مع ضعفه، ومع كذلك قصر حبله، ومع هذا كثير من الناس ينجرف خلف هذا الباطل، ومما يدل على ذلك هذا الحديث: انظر، يصدقون الكاهن في واحدة، طيب، لماذا ما تكذبون الكاهن في تلك الكذبات الكثيرة؟ فتستدلون بهذه الكذبات على بطلان فعله، لماذا ما تكونون كذلك؟ يعني بسبب كلمة واحدة صدقتموه، وفي تلك الكذبات الكثيرة لم تكذبوه، سبحان الله، فينطل الباطل على كثير من النفوس، ولو كان ضعيفًا، ولو كان كذلك خفيًا. التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة، ويحفظونها، ويستدلون بها". قال الشيخ العثيمين: لأنها هي التي تروج بضاعتهم، ولو كانت بضاعتهم كلها كذبًا لما راجت، فهم يدسون السمنة، يدسون السمة في العسل، وهكذا هم أهل الباطل، صاحب الباطل ما يأتيك بالباطل الصرف، الباطل المحق، لا يخلط معه شيء من الحق حتى تقبل بضاعته، حتى تقبل بضاعته. مثلا على سبيل المثال: لماذا العلماء حذروا من أهل البدع؟ بل الرسول صلى الله عليه وسلم حذر من أهل البدع أكثر من تحذيره من أهل المعاصي، لأن صاحب البدع يخلط بضاعته بشيء من الحق، رب يكون عنده من الزهد، عنده من العبادة، عنده من الأخلاق الفاضلة، ثم يدس بضاعته، فتنطلي على بعض الجهال. انظر كيف هذا عنده بدع وهو عابد، انظر إلى خشوعه، انظر إلى صلاته، انظر إلى عبادته، انظر إلى اجتهاده. فصاحب البدعة يعني يزين بدعته للناس، يزين بدعته، وذلك بإظهار شيء من الحق الذي ينطلي على بعض الناس فيقبلون بدعته. العشرون: إثبات الصفات، خلافا للأشعرية المعطلة، ففيه إثبات صفة العزة، وصفة الجلال، وصفة الكلام، وصفة العلو، كل هذا ورد في الآية والأحاديث، بعضها في الآية، وبعضها في الحديثين، فأهل السنة يثبتون ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل، خلافا لأهل البدع من المعتزلة والجهمية والأشاعرة والماتريدية، فمنهم من نفاها كلها، ومنهم من أثبت شيئا يسيرا منها ونفى أكثرها، أما أهل السنة فيثبتون كل صفة وردت لله سبحانه وتعالى. الحادية والعشرون: الحادية والعشرون، التصريح بأن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله عز وجل، لأنه، لأنه جاء في حديثي النواس بن سمعان: "خوفا من الله، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة، خوفا من الله". وأما، وأما حديث أبي هريرة فليس فيه التصريح، ولكن يعرف من سياق الحديث، لأن الملائكة ما غشي عليها إلا من الخوف، لأنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، وعرفنا: فزع، يزيل الخوف، إذن ما غشي عليهم إلا خوفا من الله، إلا خوفا من الله، ففيه هذا المعنى. الثاني والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا، وذلك تعظيما لله، واتقاءا لما يخشونه، أنهم يخشون أن هذا الكلام يكون فيه عقوبة لهم، أو فيه كذلك أمرا يضرهم، أو نحو ذلك، فخروا لله سجدا، تعظيما لله، واتقاءا لما يخشونه من هذا الكلام. طيب، ننتهي ونكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.