الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 4، الدرس الرابع:من(اعلم هديت أن أفضل المنن*علم يزيل الشك عنك والدرن...لجمعها المسائل المتفرقة بكلام جامع ). ألقاها
العلم النافع يزيل الشبهات والشهوات ويورث اليقين والإيمان التام. يثمر الأعمال الصالحة ويكشف الحق ويوصل العبد إلى المطلوب.
الحرص والاجتهاد في طلب العلم أمران مهمان لثمرته في الأقوال والأعمال الصالحة. يحتاج طلب العلم إلى الاستمرار والاستعانة بالله والبدء بالأهم.
القواعد الفقهية تجمع مسائل الفقه وتسهل فهمها وتعطي ملكة لمعرفة مقاصد الشريعة. تمكن من إلحاق النظير بنظيره وتوجب التواضع ونسبة الفضل لأهله.
دعا النبي لصحابته بتعظيم الأجر والعفو والغفران. هذه الدعوات تشير إلى أهمية التراحم والتسامح بين المسلمين.
قال رحمه الله: اعلم هديتا أن أفضل المنن علم يزيل الشك عنك والدرن، ويكشف الحق لذي القلوب، ويوصل العبد إلى المطلوب. فبدأ رحمه الله بقوله: اعلم، وهذا فيه التهيئة والتحريض على ما يتضمنه هذا المؤلف من مسائل. وهذه الكلمة كثيرًا ما يستعملها العلماء ويبتدئون بها بعد ذكر المقدمة؛ حتى ينتبه الطالب والقارئ. فقال: اعلم هديتا، وهذا دعاء من المؤلف رحمه الله للقارئ لهذه الرسالة بالهداية؛ أن الله سبحانه وتعالى يهديه، وذلك شامل لكلا الهدايتين: هداية التوفيق وهداية الإلهام. وهذا يدل على حسن سريرة المؤلف رحمه الله؛ وأنه يريد من الطالب أن يستفيد وأن يوفق في المداية والحق. وقوله: أن أفضل المنن، المنن جمع منة، أي نعمة عظيمة. فأفضل المنن هو العلم. علم هديتا أن أفضل المنن علم. وعلم خبر أن؛ أي أن أفضل النعم العظيمة هو العلم. وصفة هذا العلم هو الذي يزيل عنك الشك والدرن. يزيل عنك الشكوك التي تورث الشبهات، كما سيأتي، ويزيل عنك الدرن، أي الأوساخ التي تورث الشهوات. فصفة العلم النافع هو الذي يزيل الشبهات والشهوات. وهكذا يكشف الحق؛ يبين لك الحق. فإن الذي يكشف الحق ويبينه هو العلم النافع. يزيل عنك اللبس، ويزيل كذلك عنك الأمور الغامضة. فكثيرًا ما يقع الإنسان في مسائل غامضة، ربما لا يعلم حكمها إلا إذا كان عنده العلم. إذا كان عنده علم يعرف حكم هذه المسألة، فيكشف العلم له عن هذه المسألة. وقوله: لذي القلوب، أصلها لذوي القلوب. أصلها لذوي، وحذفت الواو؛ لأجل النظم، مراعاة للنظم. وقوله: لذي القلوب، يضاف قيد؛ أي لذي القلوب الواعية؛ لأنه ليست كل القلوب تقبل العلم وتكشف، ويكشف لها العلم ما خفي، إلا القلوب الواعية. ويوصل العبد إلى المطلوب؛ أي أن هذا العلم النافع هو يوصل العبد إلى مطلوبه، وهو معرفة الحق والعمل به. معرفة الحق والعمل به. قال رحمه الله في الشرح: قال: يعني أن منن الله على العباد كثيرة؛ أي نعم الله سبحانه وتعالى كثيرة، لا تعد ولا تحصى، كما قال الله جل وعلا: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. قالوا: أفضل ما من الله على عبده به هو العلم النافع. قالوا: وضابط العلم النافع -كما قلت في النظم- أنه يزيل عن القلب شيئين، وهما الشبهات والشهوات. هذا صفة العلم النافع الذي يزيل عن القلب الشبهات والشهوات. قال: فالشبهات تورث الشك. الشبهات تورث الشك؛ أي توقع الإنسان في الشكوك، حتى يقع في البدعة، وربما أوصلته الشكوك إلى الردة والكفر -عياذًا بالله-؛ هي خطيرة كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة بالصحيح: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: أسود مربادًا كالكوز مجخيًا -يعني كالكوز-؛ إلى قلب لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه». هذا حال صاحب الهوى الذي تعرض عليه الشبهات، شبهات بعد شبهة، حتى يصبح قلبه خاليًا من اتباع الحق، يقبل الهوى ما يريده هواه، يقبله؛ هذا بسبب الشبهات. قال: والشهوات تورث درن القلب؛ قسوته وتثبت البدن عن الطاعات. يعني أن توقع المعاصي وتورث درن القلب؛ يعني وصف القلب يكون قلبه سوداء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة في السنن: «إذا أذنب العبد نقط في قلبه نقط سوداء، فإذا تاب ورجع سقل قلبه -يعني عاد صافيا- إذا تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى». قال: «فإذا زاد ازدادت -يعني كلما ازداد من المعاصي كلما ازداد من هذا السواد-». قال: «حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». هذا بسبب المعاصي؛ ظلمة بعد ظلمة، حتى يصبح القلب أسود من المعاصي والذنوب، فيورث وسخ القلب وقسوته. وإذا قسا القلب؛ قلت الطاعات على البدن والجوارح، تدخل الطاعات على الجوارح، فتورث العبد الكسل والخمول والركون إلى الدنيا. قال: فعلامة العلم النافع أن يزيل هذين المرضين العظيمين. هذا هو علامة العلم النافع؛ أن تذهب عنك الشكوك التي تورث الشبهات، وتذهب عنك الشهوات التي تورث قسوة القلب ودرنه. قالوا: يجلب للعبد في مقابلتهما شيئين، وهما اليقين الذي هو ضد الشكوك. يعني أن العلم النافع يزيل الشبهات الوارثة للشكوك، ويضع موضعها اليقين؛ يضع موضعها اليقين الذي هو ضد الشكوك. يكون عند الإنسان يقين وقبول الحق، يكون عنده قبول الحق ويقين بما أخبر الله سبحانه وتعالى وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلا يكون عنده ارتياب ولا شك. والثاني: الإيمان التام الموصل للعبد لكل مطلوب، المثمر للأعمال الصالحة، الذي هو ضد للشهوات. يعني يحصل له زوال الشهوات بما في قلبه من الإيمان؛ بما في قلبه من الإيمان؛ لحياة القلب بالطاعة، فتثمر ذلك الإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى في الجوارح؛ فيكون القلب حيا، ذاكرًا لله سبحانه وتعالى، فيورث ذلك الأعمال الصالحة. قال: وكلما ازداد الإنسان من العلم النافع؛ حصل له كمال اليقين وكمال الإرادة. ولا تتم سعادة العبد إلا باجتماع هذين الأمرين، وبهما تنال الإمامة في الدين. قال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين». إذا لا بد من حصول هذه الثمرة العظيمة من العلم؛ تحرص من طلب العلم النافع أن يكون عندك اليقين، وكذلك أيضًا الذي هو الإيمان، ويكون عندك كذلك ثمرة هذا العلم، وهو العمل الذي يورث الأعمال الصالحة. وهذا يجعل عند طالب العلم الإخلاص؛ أن يكون قصدهم من العلم وجه الله سبحانه وتعالى، فيخلص في طلبه للعلم، لا يصد به شيء من مقاصد الدنيا؛ لا رياء ولا سمعة ولا شهرة، لا يريد بذلك إلا وجه الله؛ وأن يرفع الجهل عن نفسه، وأن يعمل بهذا العلم. فهذا الذي ينتفع بالعلم؛ هذا الذي ينتفع بالعلم. أما الذي يقصد العلم لغير ذلك؛ فهذا ما يفلح، ما يفلح، ولو حصل له من الشهرة ما حصل؛ فإن عاقبته وخيمة. إذا طلب الإنسان العلم لغير وجه الله سبحانه وتعالى؛ فإنه يزيده فخرًا وعجبًا وتكبرًا، وهذا يدل على عدم الإخلاص في الطلب. وكما قال بعض السلف: «من طلب العلم لله كسر، ومن طلبه لغير ذلك زاده فخرًا». العلم يكسر صاحبه؛ يورثه التواضع والخشوع والذل لله سبحانه وتعالى؛ هذا إذا كان طلبه لله. وإن طلبه لغير ذلك؛ فإنه يورثه العجب والتكبر والغرور. فهذا ينبغي لطالب العلم أن يفتش عن نيته. قال: درجات اليقين ثلاث، كل واحدة أعلى من الأخرى: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. قال: فعلم اليقين كعلمنا الآن بالجنة والنار. وعين اليقين إذا ورد الناس القيامة، فأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين، فرأوهما قبل الدخول. وحق اليقين إذا دخلوها. وقد ذكر نحو هذه المراتب الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «مدارج السالكين»، وتكلم عليها بشيء من التفصيل. ذكر نحو هذا الكلام؛ فدرجات اليقين ثلاث: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، كل واحدة أرفع اليقين من الأخرى. فعلم اليقين -كما قال- كعلمنا الآن بالجنة والنار؛ نحو: نعلم أن هناك جنة، وهناك نار. علم يقيني؛ ما فيه شك، ما يشك في ذلك إلا مبتدع أو كافر. والمرتبة التي أعلى هي عين اليقين؛ وذلك إذا أزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين يوم القيامة؛ إذا رأى الخلق الجنة والنار هنا، ماذا؟ عين اليقين؛ يرون ما أيقنوا به بعينهم. فإذا دخلوها؛ فذاك حق اليقين، فذاك حق اليقين. ومثلًا الإمام ابن القيم رحمه الله مثل مثالًا آخر؛ قال: كأن يكون مثلًا عند شخص عسل، فيقول لك: «هذا عسل». وأنت تعلم أنه صادق؛ فيكون عندك ماذا؟ يقين بما قال؛ أن هذا فعلًا عسل. فإذا أراك إياه؛ قال: زدت يقينًا. فإذا ذقته؛ قال: فهذا حق اليقين. وصحنا: ماذا؟ أرفع درجات اليقين. قال: وحاصل ذلك؛ أن العلم شجرة تثمر كل قول حسن وعمل صالح. والجهل شجرة تثمر كل قول وعمل خبيث. العلم؛ العلم شجرة تثمر كل قول حسن؛ فالعلم سبيل إلى حصول الثمر الحسنة من الأقوال الطيبة والأعمال الصالحة؛ فإن هذه من ثمرات العلم النافع. والجهل شجرة تثمر كل قول وعمل خبيث؛ فصاحب العلم تجده عنده توحيد وإخلاص لله سبحانه وتعالى، وإقبال على الطاعات. وصاحب الجهل تجده يقع في الشرك؛ يتلفظ بالألفاظ الشركية، ويفعل الأفعال الشركية، ويتكىء بالمعاصي؛ لسبب جهله؛ فأورثه الجهل الأقوال السيئة والأعمال كذلك الخبيثة. إذن فالعلم ثمر لكل قول حسن وعمل صالح، والجهل ثمر لكل قول وعمل خبيث. قالوا: إذا كان العلم بهذه المثابة؛ فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص، ويجتهد كل الاجتهاد في تحصيله؛ وأن يديم الاستعانة بالله في تحصيله، ويبدأ بالأهم فالأهم منه. ومن أهمه: معرفة أصوله وقواعده التي ترجع مسائله إليها. هذه نصيحة من المؤلف رحمه الله، وإرشاد وتحريض على الحرص على طلب العلم. يعني إذا علمت أن العلم بهذه المنزلة العظيمة، وأنه يورث لك الأقوال والأعمال الصالحة، وأنه شجرة تثمر كل خير؛ فعليك أن تحرص عليه كل الحرص؛ يكون عندك ماذا؟ حرص على طلب العلم. وهذا أحد الأمور التي بها يتحصل طالب العلم على العلم؛ العلم ما ينال إلا بالحرص والقعود أبدًا؛ ما ينال إلا بالحرص؛ يكون عندك حرص واجتهاد؛ تحرص على حضور مجالس العلم، وعلى تقييد العلم. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة رضي الله عنه حين سأله: «يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟» قال: «لقد علمت أن لا يسألني من ذلك أحد غيرك؛ لما علمت من حرصك على العلم -أو على الحديث-». قال: «أسعد الناس بشفاعته من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله». أبو هريرة كان عنده حرص. وانظروا ما الذي حصل له للعلم؟ صار ممن روى أكثر من ألف حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومع أنه ما صاحبه إلا ثلاث سنين؛ لكن من حرصه كان حريصًا رضي الله تعالى عنه؛ كان يواظب على مجالس النبي عليه الصلاة والسلام، وهو جائع على الجوع. قال: «إن كنت لأخر مقشى عليه فيما بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وحجرته». قال: «فيمر المار فيضع قدمه على رقبتي؛ يظن النبي جنونًا». قال: «وما بي إلا الجوع؛ يظن أنه ممسوس أو مجنون». وهو يشعر بالجوع؛ يغمى عليه ويسقط من الجوع؛ هو صابر على مجالس النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة -يعني أكثر من التحديث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «إن إخواننا المهاجرين شغلهم الصفق بالأسواق، وأخواننا الأنصار شغلهم عمل أيديهم -يعني الزراعة-». قالوا: «أما أنا فكنت ألزم رسول الله على أثر بطني -أو كما قال- رضي الله تعالى عنه». وبهذا حصل العلم الكثير بسبب الحرص. كما قال القرظي: «أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تفصيلها ببياني: ذكاء وحرص واجتهاد وبغية، وصحبة أستاذ وطول زمان». إلا أن تنال العلم إلا بهذه الأشياء، ومنها الحرص؛ تكون حريصًا على العلم. وتبدأ -كما قال رحمه الله- فقال: «واجتهد كل الاجتهاد». إلا لا بد أيضًا من الاجتهاد في طلب العلم؛ تقدم العلم على كل ما تحب قدر استطاعتك؛ تقدم على نومك وعلى راحتك. ولن تنال العلم براحة الجسد؛ كما قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله: «لا ينال العلم براحة الجسد». لا ينال العلم براحة الجسد؛ تريد أن يعطيك العلم وأنت نائم؛ نهارك نائم، وليلك لعب في اللعب؛ لتتحصل العلم أبدًا ما تحصل، ما تحصل إلا بالاجتهاد؛ تجاهد نفسك على الحفظ، على المراجعة، على حضور مجالس العلم. وهكذا أيضًا مع الاستمرار؛ قال: «وأن يديم الاستعانة بالله في تحصيله». يعني تستعين الله سبحانه وتعالى أن يعينك؛ أن يعينك على تحصيل العلم، وأن يغفر لتحصيل العلم؛ في الاستمرار في العلم. قال: «ويبدأ بالأهم فالأهم منه». يعني تبدأ بالعلم بالأهم؛ وهذا الذي ينبغي أن نتنبه له؛ أننا نبدأ في طلب العلم بالأهم فالأهم؛ فلا تكون كحال كثير ممن يطلب العلم سنين، ولا تجد ثمرة لطلبه؛ لا تجد ثمرة لطلبه؛ والسبب هو التخبط في الطلب. فأنت تبدأ بالأهم فالأهم؛ تبدأ مثلًا بحفظ القرآن إذا كنت مثلًا مستمرًا في طلب العلم. كان شيخنا مقبل رحمه الله ينصح في طلب العلم الذي يستمر في الطلب؛ أن يبدأ بحفظ القرآن. وإن كان طلبه العلم فترة؛ فلا بأس أن يأخذ من كل علم ما تيسر؛ العلم التوحيد والفقه والأصول والنحو وهكذا. وإن كنت مستمرًا؛ تبدأ طبعًا في طلب العلم التوحيد والعقيدة، وعلم الفقه؛ ما ترفع به جهلك عن نفسك؛ ثم تبدأ بعلوم الآلة: علم النحو، وعلم الأصول، وعلم المصطلح؛ تأخذ من هذه العلوم ما تيسر. فلا تدرس من كل فن مثلًا كتابًا أو كتابين؛ كتابًا أو كتابين؛ حتى تكون عندك قوة؛ قوة في علوم الآلة التي بها تستطيع بعد ذلك أن تكون عندك القدرة على الاجتهاد بالنظر في أدلة الشرع واستنباط الأحكام، أو الحكم على الأحاديث أو غير ذلك؛ فهذا لا يكون إلا بعلوم الآلة؛ فتحرص على ذلك. وكذلك أيضًا تحرص على أنك إن درست كتابًا؛ أن تنهيه، تعيد النظر فيه، تراجعه؛ حتى تتقنه، تستفيد منه. وهكذا أيضًا من الأمور المهمة -كما قال رحمه الله- معرفة أصول العلم وقواعده؛ معرفة أصول العلم وقواعده التي ترجع مسائله إليها. ومن ذلك معرفة مثلًا أصول مسائل العقيدة، وهكذا أيضًا معرفة القواعد الفقهية التي تجمع لك فروع المسائل الفقهية التي ربما يشق على الإنسان أن يحصرها، وأن يراجعها كلها، أو أن يقرأها؛ فبدراسة هذا الفن -وهو القواعد الفقهية- فإنه يتيسر لك معرفة كثير من جزئيات المسائل الفقهية وفروعها. قال رحمه الله: «فلهذا قلت: فاحرص على فهمك للقواعد جامعة المسائل الشوارد؛ فترتقي في العلم خير مرتقى، وتقتفي سبل الذي قد وفق». وهذه قواعد نظمتها من كتب أهل العلم؛ قد حصلتها -جزاهم المولى عظيم الأجر والعفو مع غفرانه والبر-. قال رحمه الله في الشرح: وهذا؛ لأن معرفة القواعد من أقوى الأسباب لتسهيل العلم وفهمه وحفظه؛ لجمعها المسائل المتفرقة بكلام جامع. فقال رحمه الله: «فاحرص -أي يكون عندك الحرص، وهو شدة الجد في الطلب- يكون عندك شدة الجد في الطلب؛ على فهمك للقواعد -أي احرص على فهم هذه القواعد التي سوف يأتي ذكرها-». ولهذه القواعد فوائد؛ قال رحمه الله: «جامعة المسائل الشوارد». هذه من الفوائد؛ القواعد الفقهية أنها تجمع المسائل الشاردة؛ تجمع المسائل الشاردة. فالشوارد: جمع شاردة، والشاردة هي ما ندى وهرب؛ ما ندى وهرب، ومنه: شرد البعير إذا هرب. فشبه المؤلف رحمه الله هذه المسائل الفقهية التي تفرقت في كتب الفقه بما ندى وهرب؛ يعني صعوبة الفصول عليها، معنى هرب، مع الهروب، معنى الذهاب. فيقول رحمه الله: «أن هذه القواعد تجمع هذه المسائل -هذه المسائل المتفرقة بكتب الفقه- تجمع لك هذه القواعد؛ فتجد قاعدة تجمع تحتها عشرات المسائل الفقهية؛ فتكون هذه القواعد مسهلة لك لمعرفة جزئيات المسائل الفقهية». فهذه فائدة من فوائد القواعد. وكذلك أيضًا من فوائد هذه القواعد أنها وسيلة؛ أنها وسيلة لاستحضار ما سبق تعلمه ومعرفته؛ بدليل من الأحكام الجزئية المندرجة تحت هذه القاعدة. يعني حفظ هذه القواعد يكون وسيلة لاستحضار ما سبق تعلمه من القواعد؛ من الأحكام الجزئية المندرجة تحت هذه القاعدة. فأنت لما تحفظ القاعدة، وعندك أمثلة عليها؛ فلحفظك لهذه القاعدة؛ تذكر ماذا؟ تذكر هذه المسائل الفقهية؛ فتكون سببًا لمعرفتك بهذه المسائل. وهذا من فوائد هذه القواعد؛ وهكذا أيضًا من فوائدها أنها تعطي لطالب العلم ملكة قوية؛ تعطيه ملكة قوية لمعرفة مقاصد الشريعة وتعليل الأحكام؛ تعطيه ملكة قوية لمعرفة مقاصد الشريعة وتعليل الأحكام. وحينئذ يسهل عليه إلحاق النظير بنظيره؛ إذا عرف مثلًا وفهم هذه القواعد، وعرف مقاصد الشريعة؛ فيعرف أن الحكم في هذا الأمر كذا؛ فيلحق بها ما كان مثلها؛ يعرف أن الحكم في المنع من هذا هو كذا؛ فيلحق به ما كان مثله. وهكذا؛ فيعرف بمقاصد الشريعة يستطيع أن يلحق كثيرًا من المسائل بهذه القواعد، ويفهم كذلك أيضًا الأحكام الشرعية. قال: «فترتقي في العلم خير مرتقى». يعني أنك بفهمك لهذه القواعد؛ ترتفع في العلم؛ يكون عندك ماذا؟ منزل عالية في العلم. وتقتفي سبل الذي قد وفق؛ يعني أنك تلحق بمن وفق في باب العلم ممن مضى من العلماء. وهذه الفاء -صواب-؛ لأن الواو لمطلق الترتيب، والفاء تأتي معنى التعقيب؛ أفضل. فهذه لأن هذا من كلام العلماء. قال: «فهذه قواعد نظمتها -يعني من النظم- ونظمتها -بالتشديد- من التنظيم». ها القواعد عندكم؛ القواعد الآن ظاهرة بدون لام. «فهذه قواعد نظمتها؛ يصح أيضًا بالتعريف إذا أراد -يعني- هذه القواعد التي كتبتها من كتب أهل العلم؛ قد حصلتها -يعني- يريد رحمه الله أن يبين أن هذه القواعد مستمدة من عنده، وإنما استنبطها من كتب العلماء؛ وأنه أخذها من أهل العلم». وفي هذا إشارة إلى تواضع المؤلف رحمه الله؛ وأنه بيّن أن هذه القواعد استفادها من أهل العلم؛ استفادها من كتب أهل العلم. وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم؛ أن يكون عنده التواضع في العلم؛ إذا استفاد فائدة من كتب أهل العلم؛ يحيي إليها؛ يقول مثلًا: استفدت من كتاب فلان، أو يقول: قال فلان، أو يقول مثلًا: أو يقول مثلًا فائدة، ثم يقول: ذكرها فلان في كتابه. ما يكون عنده ماذا؟ حب الظهور؛ تجده يأخذ كلام أهل العلم وينسبه لنفسه؛ لا ليس هذا من المقاصد الحسنة. وينبغي أن ينسب العلم ويرجع إلى أهله؛ وفيه كذلك أيضًا أن استفادة طالب العلم إنما تكون بالأخذ من أهل العلم؛ تكون بالأخذ من أهل العلم؛ أن يكون عندك شيخ تطلب عليه، أو عنده العلم؛ ولا تعتمد على الكتب؛ تعتمد هذا على مجرد الكتب. فالاستفادة من الكتب لا تكون إلا بعد التفقه على يد أهل العلم؛ ثم بعد ذلك تستفيد من الكتب؛ هذا إذا استطعت. وهذا الذي ينبغي؛ فإن الذي يعتمد على الكتب في الغالب؛ أن خطاه يكون أكثر من صوابه؛ قد يقع في تصحيفات، ويقع في أفهام قاطعة إلى غير ذلك؛ بسبب عدم أخذه من أهل العلم. ثم قال رحمه الله: «جزاهم المولى عظيم الأجر والعفو مع غفرانه والبر». أي دعا رحمه الله لأهل العلم؛ جزاهم المولى عظيم الأجر؛ دعا لهم بأن الله سبحانه وتعالى يعظم أجرهم، ويعفو عنهم، وأن يبرهم؛ يعني يكون لهم الصلة الطيبة لهم. وهذا من حسن الجزاء؛ أن من أحسن إليك بالمعروف؛ فتكافئه بذلك؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به؛ فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». هذا من السنة؛ أن من أحسن إليك تحسن إليه، وإن لم يكن شيء تعطيه إياه؛ الدعاء؛ تدعو له. فهو رحمه الله دعا لهم بهذه ثلاث دعوات: تعظيم الأجر، وكذلك العفو والغفران، وهكذا أيضًا مع البر. طيب. إلى هنا.