الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 99، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن القرآن يهدي لأقوم العقائد والأخلاق والأعمال والسياسات الدينية والدنيوية، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ويبين أن هداية القرآن مطلقة غير مقيدة، تشمل كل ما يحتاجه الإنسان من صلاح في العقيدة، والخلق، والعمل، والسياسة.
يوضح المقطع أن القرآن الكريم يتضمن هدايات شاملة للسياسات الكبرى كسياسة الدول، والصغرى كسياسة الأسرة في التعامل مع الزوجة الناشز وتربية الأبناء. كما يشمل الصناعات والحرف والأعمال الدينية والدنيوية كالتعليم والجهاد والتجارة مع النهي عن الربا.
يوضح المقطع أن القرآن يشمل العقائد النافعة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الدينية كالحقوق والمعاملات، والسياسات الدينية والدنيوية كإدارة الاقتصاد ودفع المفاسد. كما يستدل بآيات على أن القرآن أشار إلى اختراعات مستقبلية كوسائل النقل والأسلحة، مما يؤكد صلاحيته لكل زمان ومكان.
يختم المتحدث بتوضيح أن مفهوم القوة المذكور في الآية شامل لكل زمان ومكان حسب الحال، مستدلاً على ذلك بالقرآن الكريم. ثم يعلن انتهاء الجلسة الدراسية.
نعم، وقرأ: «والعقائد والأخلاق والأعمال في الدينية والدنيوية، فإن القرآن يهدي إليها ويرغب فيها ويأمر بها ويحض عليها». فمعنى «أقوم»: أي أكبر وأفضل وأعظم قيامًا وصلاحًا. أما العقائد، فإن عقائد القرآن هي العقائد النافعة التي فيها صلاح القلوب وغذاؤها وكمالها؛ فإنها تملأ القلوب محبة لله وتعظيمًا له وألوهية وإنابة، وهذا المعنى هو الذي أعجز الله به الخلق بأجمعهم. وأما أخلاقه التي يدعو إليها، فإنه يدعو إلى التحلي بكل خلق جميل من الصبر والحلم والعقل وحسن الخلق والأدب، وجميع مكارم الأخلاق، ويحض عليها بكل طريق ويرشد إليها بكل وسيلة. وأما الأعمال الدينية التي يهدي إليها، فهي أحسن الأعمال التي فيها القيام بحقوق الله وحقوق العباد على أكمل الحالات وأجلها وأفضلها وأوصلها إلى المقاصد. وأما السياسات الدينية والدنيوية، فهي أحسن السياسات وأجلها، أحسن القلوب والعقل من النبيين في تحصيل المصالح القلوب والعقل من المصالح، وفي دفع المفاسد، ويأمر بالتشاور على ما لم تتضح مصلحته، والعمل بما تتضح مصلحته في كل وقت بما يناسب ذلك الوقت والحال. حتى في سياسة العبد مع أولاده وآله وأرحامه وأصحابه ومعامليه، لا يمكن أن يوجد ويوجد حالة يتفق العقلاء أنها أقوم من غيرها وأصلًا، إلا والقرآن يرشد إليها نصًّا أو ظاهرًا أو معنى تحت قاعدة من قواعده. وهذه القاعدة لا يمكن استيفاؤها. فالتفاصيل الواردة في القرآن والسنة من الأوامر والنواهي والإخبار كلها تفصيل لهذا الأصل المحكم. وبهذا وغيره يتبين لك أنه لا يمكن أن يرد علم صحيح أو معنى نافع أو طريق صلاح ينافي القرآن. والله تعالى أعلم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فمن هذه الآية أخذ المؤلف هذه القاعدة، وهي آية من سورة الإسراء: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٩]. فهذه الآية قاعدة عظيمة، وقوله هنا: «وعمّ وعمم ذلك ولم يقيده بحالة من الأحوال»، يعني لم يذكر المتعلق، ما قال: «إن هذا القرآن يهدي للعقائد»، ما ذكر المتعلق بالفعل، أطلقه. ومرت معنا قاعدة: لو تذكرون أن ما أطلق فيشمل أي معنى يدخل في هذا الفعل أو في هذا الأمر، أي شيء يمكن أن يدخل فيه ويتعلق به. فالهداية هنا تشمل الهداية في كل ما يحتاج إليه الإنسان من العقائد، من الأخلاق، من الأعمال، من السياسات، من الصناعات، من الأعمال الدينية والدنيوية. كل هداية تدخل في هذا المعنى تدخل في هذا المعنى. فإذا أردت الصواب وأردت كذلك الإصابة في أي عمل من الأعمال، فستجد ذلك في القرآن، فستجد ذلك في القرآن. وقوله هنا: «في العقائد» بدأ بها لأنها هي الأمر الأعظم. فعقائد القرآن كلها عقائد صحيحة ومتينة وقوية، لما فيها من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والرسل، والإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بأمور الغيب ونحو ذلك. فهي عقائد سليمة صحيحة، ما تجد في القرآن عقيدة فاسدة أو عقيدة ضعيفة أبدًا. وكذلك الأخلاق: تريد الصدق تجده في القرآن، الحلم، الوفاء بالعهد، الإخلاص، أي خلق كريم ستجد القرآن يحث عليه ويرغب فيه ويرغب فيه. وأي خلق ذميم تجد القرآن يحذر منه، تجد القرآن يحذر منه ويزهد فيه. كذلك الأعمال: من الصلاة، الزكاة، العبادات، فما من عمل صالح يقرب إلى الله إلا والقرآن حث عليه ورغب فيه، وما من عمل سيء إلا والقرآن حذر منه وزهد فيه. وهكذا السياسات: الكبار والصغار. يريد بالسياسات الكبار التي تتعلق بعامة الأمة، كسياسة الأمراء والرؤساء مع الدول في الحروب ونحو ذلك، هذه سياسات كبار. والسياسات الصغار كما أشار في أثناء هذه القاعدة: مثل سياسة الأب لأسرته في البيت، هذه سياسة. يحتاجون إلى سياسة: الزوجة تحتاج إلى مسايسة، كيف تربيها التربية الصحيحة، كيف تجعل البيت بيتًا إسلاميًا، بيتًا هادئًا، ما فيه فتن، ما فيه خلافات، ما فيه مشاكل. هذا يحتاج إلى سياسة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ قال عليه الصلاة والسلام: «استوصوا بالنساء خيرًا». من السياسة أن تستوصي بالمرأة خيرًا. من السياسة أيضًا: إذا نشزت المرأة تتخذ معها الطرق القرآنية. جاء في القرآن: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ [النساء: ٣٤]. المرأة الناشز هي المرأة التي خرجت عن طاعة زوجها، كيف تتعامل معها؟ القرآن بين لك سياسة كيف تتعامل معها: ﴿ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ [النساء: ٣٤]. تدرج معها: أولاً تعظها، تذكرها بالله، تبين لها بالآيات والأحاديث، تخوفها بالله عز وجل. إن استجابت فالحمد لله، ما استجابت تنتقل إلى الهجر، والهجر يكون في الفراش فقط، ليس خارج البيت، يكونوا في البيت. هذا من السياسة. الأولاد: الأولاد يحتاجون إلى سياسة. هذا الولد عاق، هذا الولد يريد أن يعصي، هذا الولد يريد كذا، كيف تسايسه؟ كيف؟ هذا موجود في القرآن. قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: ٦]. قال علي بن أبي طالب: علموهم وأدبوهم. قال الله عز وجل: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه: ١٣٢]. من تأديب الأولاد وتربيتهم حثهم على الصلاة. ما من عمل صالح تجده في القرآن، أو من سياسة أو نحو ذلك، إلا وهو موجود في القرآن. كذلك الصناعات: ذكر في القرآن صناعة الحدادة، ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴾ [سبأ: ١٠] على داود. كذلك الرعي: ﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ﴾ [القصص: ٢٩]... وقال: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ﴾ [طه: ١٨]. تجد صناعات كثيرة ذكرت في القرآن، ومنافع كثيرة ذكرت في القرآن. كذلك الأعمال الدينية والدنيوية: الأعمال الدينية كالمهن، مهن القضاء، أو مهن التدريس، أو مهن التعليم، أو نحو ذلك. هذا أيضًا ذكر في القرآن. ذكر في القرآن: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: ١٢٢]. ومن وكل لفهم هذا... من الأعمال الدينية أن يتخصص جماعة بالتفقه في الدين، بالتفقه في الدين. كذلك الجهاد في سبيل الله، كم آيات حثت على الجهاد، هذا من الأعمال الدينية والدنيوية. كذلك كما مر معنا من الصناعات، من التجارات: قال الله عز وجل: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. هذا من أعمال الدنيوية: البيع والشراء. في القرآن فيه كل شيء، لو تمعنته تجد فيه هذه الهدايات في البيع والشراء: أمرك بالصدق، وأمرك بالبعد عن الربا ونحو ذلك. كل هذا تجده موجودًا في القرآن. ومعنى «هي أقوم»: قال: «أكمل وأصلح وأعظم»، يعني القرآن يهديك إلى أتم وأكمل الأعمال وأصلح الطرق والسبل. ثم قال: «فأما العقائد، فإن عقائد القرآن هي العقائد النافعة التي فيها صلاح القلوب وغذاؤها وكمالها»؛ لأنها عقائد حق، فهي تصلح القلوب وتغذيها، تملأ القلوب محبة من تعظيم الله، ومن الخضوع لله، ومن التأله لله عز وجل والإنابة إليه. وكذلك الأخلاق كما تقدم: يدعو إلى جميع الأخلاق الفاضلة، ويحذر من جميع الأخلاق الرديئة. والأعمال الدينية كذلك: فهي أحسن الأعمال، يعني المراد من الأعمال الدينية أيضًا الحقوق: كيف تتعامل مع والديك، كيف تتعامل مع جيرانك، كيف تتعامل مع زوجتك، كيف تتعامل مع أولادك، كيف تتعامل مع إخوانك؟ هذا كله من الأعمال الدينية موجود، تجده هذا في القرآن. ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والجار ذي القربة، كم من آيات تحث على مثل هذه الأعمال والمعاملات الشرعية. وسيّاسات الدينية والدنيوية: يعني سياسات دينية مثل مسايسة القضاء ونحو ذلك، والدنيوية مثل أمور المعاش وأمور الاقتصاد ونحو ذلك. هذا كل موجود في القرآن، كما جاء في قصة يوسف، هذا فيه سياسة دنيوية: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ [يوسف: ٤٧]. هذا موجود في القرآن: كيف يسائس الحاكم أو الوالي معاش الناس ويكفيهم مؤنة معاشهم، هذا موجود في القرآن. وكذلك دفع المفاسد: هذا في السياسات الكبرى والصغرى. كذلك يعني قد تتعارض مفسدتان، فتدفع الكبرى بالصغرى، هذا من السياسة، وهذا موجود في القرآن. الله عز وجل أمر نبيه أن يعاهد المشركين، هذا مفسدة، لكنها مفسدة أدنى مقابل المفاسد الأخرى التي ربما فيها إبادة للمسلمين، وفيها ضعف للمسلمين. فهذه الأمور يقدرها العالم، ويأمر بالتشاور. والتشاور أيضًا من السياسة، لأن إذا اجتمعت الآراء وخرجت برأي واحد، فالغالب أن هذا الرأي لا يخطئ، فيكون موافقًا للقرآن. ولذلك قال هنا: «والعمل بما تقتضيه المصلحة في كل وقت بما يناسب ذلك الوقت والحال»، يعني قد حكم يكون مناسب في هذا الزمان، لكن لا يكون مناسب في زمان آخر لاختلاف الأحوال، لاختلاف الأحوال. وكذلك السياسات الخاصة وهي الصغار: سياسة العبد مع أولاده وأهله وخادمه وأصحابه ومعامليه، هذا كله يرشد إليه القرآن. ثم قال: «وبالجملة، فالتفاصيل الواردة في القرآن والسنة من الأوامر والنواهي والإخبار كلها تفصيل لهذا الأصل المحكم». وبهذا وغيره يتبين لك أنه لا يمكن أن يرد علم صحيح ومعنى نافع أو طريق صلاح ينافي القرآن. يعني ما من علم يظهر وهذا العلم فيه مصلحة للناس، تجد القرآن يحث عليه ويرشد إليه، ما تناقض الأعمال الحسنة القرآن أبدًا من أي وجه من وجه. حتى في الصناعات الحديثة: لو قلت مثلًا: أين الأدلة من القرآن على ظهور الطائرات والدبابات وهذه الأسلحة؟ الله عز وجل ماذا قال في القرآن؟ ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٨]. قال العلماء: معنى «ويخلق ما لا تعلمون»: ما سيأتي في الأزمان الأخرى من الاستغناء عن الخيل والبغال. الآن هل يستعمل الخيل في الحروب؟ لا يستعمل الخيل، لكن كان في زمن الرسول الصلاح هي بمثابة الآن الدبابات، وبمثابة السيارات والشاحنات. صح، لكن الآن ما تستخدم هذا. إذن من أين نأخذ؟ حث القرآن عليها: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فهمتم هذا الآن؟ وكم من آيات بهذا المعنى! ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: ٦٠]، أنكر يعني جعل القوة نكرة. طيب، فقالوا: تعم أي قوة، قد تشمل القوة في ذاك العصر، كما ذكر هنا: حسب الوقت والحال، حسب الوقت والحال. فهذا أيضًا مما يدل عليه القرآن. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا.