الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المقطع أن دوام المراقبة لله عز وجل هو آدب أساسي لطالب العلم، جامعاً بين الخوف والرجاء كجناحي الطائر. وتكون هذه المراقبة سبباً للتقوى والابتعاد عن المعاصي بتذكر الموت والقبر والقيامة.
يوضح المتحدث أن جانب الرجاء يغلب عند شدة المرض وحضور الموت، مستشهداً بحديث جابر وقصة الشاب المحتضر الذي جمع بين الرجاء والخوف فبشّره النبي بحسن العاقبة. كما يحذر من آفات طلاب العلم الخفية كحب الظهور والكبر والرياء، مبيناً أنها أخطر من المعاصي الظاهرة وقد تؤدي إلى الانحراف.
يشدد المقطع على أن الإخلاص في طلب العلم يرفع الدرجات، بينما الرياء والعجب ينزلان صاحبهما إلى أحط الدركات. ويحذر من مراقبة الله في السر والعلن لأن الله مطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وسيُفضح المستورون يوم القيامة.
يختتم المتحدث بدعاء الله أن يرزقه الإخلاص في القول والعمل، ويجنبه الرياء والسمعة والعجب. ويجعل أعماله خالصة لوجهه الكريم مع الصلاة على النبي محمد والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر له، ولنا ولوالدينا أجمعين. ولازلنا رحمه الله تعالى مع الفصل الأول الذي فيه بيان آداب المتعلم. آداب المتعلم: قال رحمه الله تعالى: «رابعاً: دوام المراقبة». دوام المراقبة، قال رحمه الله تعالى: «تحلَّ بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء؛ فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر. فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه». وهذا الأدب يعتبر من الأداب العظيمة التي يجب أن يتحلى بها أهل الإسلام وطلاب العلم على وجه الخصوص: دوام المراقبة لله عز وجل. «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هذا هو حال أهل الإحسان الذين يحبهم ربنا عز وجل. وربنا تبارك وتعالى أخبر أنه معهم ناصرا ومعينا وحافظا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فيراقب العبد منا ربه عز وجل، وهذا يشمل الحالين: في حال السر إذا كان بعيداً عن أنظار الناس، وهكذا في حال العلن. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. مراقبة الله عز وجل يا إخوان هي دليل الخشية، ودليل الخوف، ودليل التقوى في قلب صاحبها. ويجمع يا إخوان بين الخوف وبين الرجاء، ويجعلهما كجناحي الطائر. ألا ترون إلى الطير صافات وآخذات؟ ويقبض، يعني ما يغلب جناح على جناح آخر، وإنما يخفض ويرفع جناحيه متساويين. وهكذا يا إخوان الخوف والرجاء لدى هذا المسلم. إلا أنه في بعض الأحوال قد يحتاج إلى أن يغلب جانب الخوف، كما إذا حدثته نفسه بالمعاصي وأحبت نفسه الشهوات المحرمة، فكيف يردعها إلا بأن يذكرها بالوقوف بين يدي الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. وكذلك يذكرها بالموت وسكرته، والقبر وظلمته، والقيامة وأهوالها، يذكرها بالنار وعذابها لكي ترتدع وتنزجر عن الاقتراب من هذه الحمى وهذه الأمور المحظورة. وقد يحتاج في أحيان أخرى أن يغلب جانب الرجاء، وذلك كما إذا أصابه مرض شديد أو أوشك على الموت، فيغلب جانب الرجاء ويحسن الظن بالله تبارك وتعالى، كما في حديث جابر: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل». دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شاب وهو في الموت، أي يعالج شدة الموت وسكرات الموت، فقال عليه الصلاة والسلام لهذا الشاب: «كيف تجدك؟» أي: كيف تجد نفسك؟ قال: يا رسول الله، أرجو الله وأخاف. أرجو الله، أي: ما عند الله من العفو والمغفرة والرحمة والنعيم، وأخاف ذنوبي. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمعان في قلب عبد مؤمن في هذا الموضع إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف». ولهذا يا إخوان، كما ذكر رحمه الله تعالى، يقبل كل منا على الله عز وجل بكليته، بقلبه وقالبه، بظاهره وباطنه. فهذا يا إخوان أدعى إلى حصول الإخلاص. وطالب العلم يا إخوان قد لا يقع في الزنا، وقد يبتعد عن اللواط، وقد لا يشرب الخمور ويتعاطى المخدرات، لكن ذنوب طلاب العلم هي من نوع آخر أخطر، قلت: أخطر. مثل ماذا يا إخوان؟ يا أبا عبد الله، مثل ماذا؟ الكذب في المزاح، نعم قد يقع من بعض... يعني من بعض طلاب العلم. وأيضاً حب الظهور، حب أن يظهر، وكما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل أن حب الظهور آفة، وحب الظهور مرض. ماذا يفعل حب الظهور؟ ماذا يفعل يا أبا طاهر؟ ماذا يفعل بطالب العلم؟ نعم، لكن الواجب أن يبتعد عن هذا، لكن من ابتلي بذلك ولم يعالج نفسه... يا أبا ناظم، حب الظهور ماذا يفعل بصاحبه؟ فك الحب... وبتعرف أيها... ماذا حسيت بنفسك الآن؟ أمور طيبة عندك أيها ناظم. حب الظهور ماذا يصنع بصاحبه؟ الكبر... والكبر ماذا؟ أحسنت، قاربت. نعم يا أبا عبد الله، يقسم الظهر. يا إخوان، حب الظهور يقسم الظهر. فكم ممن أحب أن يظهر وأن يشتهر وأن يعلو على غيره من أجل ثناء الناس إلى غير ذلك، فقصم ظهره، وكان ذلك لربما سبباً في زيغه وانحرافه. أيضاً من ذنوب طلاب العلم: نعم يا بالفاروق، الرياء والسمعة. «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» الجزاء. يا إخوان، من جنس العمل. ولهذا دائماً يا إخوان من النصائح التي تكرر لطلاب العلم هو الإخلاص، لأنه كما سبق: عبادة العلم إذا وجد معها الإخلاص ماذا فعلت؟ ماذا فعلت إذا وجد معها الإخلاص يا أبا سعد؟ ماذا فعلت؟ يرفع الله... عبادة العلم إذا وجد معها الإخلاص ماذا؟ أحسنت، رفع الله صاحبها الدرجات العالية. وإذا فقد الإخلاص في العلم ماذا يفعل بصاحبه؟ مر معنا قريباً يا حمزة: طالب علم يطلب العلم، مدرس يدرس العلم، لكن بدون إخلاص، ماذا يفعل بصاحبه؟ مش كده؟ نعم، أحسن، ينزل صاحبه إلى أحط الدركات، إلى أحط الدركات، كما سبق معنا في أول أدب من آداب هذه الحلية، هذه الحلية. وهكذا يا إخوان العجب، أي داء، داء العجب. لما يعجب الشخص بنفسه، يعجب بحفظه، ويعجب بذكائه، ويعجب بصوته، ويعجب بخطبته أو بدرسه أو بصلاته أو بأذانه أو غيرها. هذه ذنوب خفية يا إخوان قد يبتل بها طالب العلم، يظن الناس به خيراً وأنه خاشع وأنه لربما مخلص وتقي لله عز وجل، ولا يدرون ما بباطنه وماذا يخفيه عن الآخرين. فإذن يا إخوان، الواجب علينا أن نراقب الله عز وجل، إذا حدثتك نفسك بمعصية، أو زينت لك نفسك عملاً قد لا يطلع عليه الناس، لكن الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وهو اللطيف الخبير. وفي يوم القيامة يا إخوان، يوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر. ﴿يَوْمَ يُبْعَثَرُ مَا فِي الْقُبُورِ * وَيُحَصَّلُ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. وهكذا، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وفي يوم القيامة يا إخوان، كم يفضح أقوام كان أو كانوا مستورين في هذه الدنيا. فالله الله جميعا، أن نهتم بمراقبة الله عز وجل وإطلاعه على أعمالنا، ظاهرها وباطنها، سرها، وعلى نيتها. فأسأل المولى جل في علاه أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنبنا الرياء والسمعة والعجب وغيرها من الأمراض والآفات، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.