التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 77

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 77

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 77، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد وسد طرق الشرك

يشرح هذا المحور باباً من كتاب التوحيد عن حماية النبي صلى الله عليه وسلم لحدود التوحيد وسد جميع الطرق الموصلة للشرك بالنهي والتحريم والتحذير. ويربط ذلك بالباب السابق في الغلو في قبور الصالحين مبيناً أن الغلو في النبي أشد وأعظم لكونه سيد الأنبياء.

تفسير آية ﴿لقد جاءكم رسول﴾ ودلالات الرحمة

يفسر المقطع دلالة «من أنفسكم» بأنها تشمل عموم المؤمنين ويبين معاني رقة النبي ورحمته بأمته من خلال أمثلة عملية كترك قيام الليل والسواك وصلاة العشاء. ويوضح أن تقديم الجار والمجرور في «بالمؤمنين رءوف رحيم» يفيد الحصر أي أن رحمته مختصة بالمؤمنين.

البلاغة في تحويل الضمير وحرص النبي على سد ذرائع الشرك

يشرح المقطع الحكمة البلاغية في تحويل الخطاب من ضمير المخاطب إلى ضمير الغيبة في سورة التوبة لتنبيه القارئ وتهويل أمر الإعراض عن رسول حريص رؤوف. ويربط ذلك بقوله ﴿حريص عليكم﴾ موضحاً أن أعظم حرصه هو سد كل الطرق الموصلة إلى الشرك وسخط الله.

شمولية بيان النبي صلى الله عليه وسلم لتحذير من الشرك

يؤكد المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن كل شيء لأمته ليحميهم من الوقوع في الشرك بالله. ويشير إلى أن إيراد الآية في هذا الباب جاء شاهداً على هذا البيان الشامل الذي يسلم المسلمين من المزالق والمخاطر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. ومعنى حماية المصطفى جناب التوحيد: الجناب هو بمعنى الجانب، الجناب بمعنى الجانب، والمعنى: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حدود التوحيد من الشرك، حدود التوحيد من الشرك، يعني: ما من باب يوصل إلى الشرك، وما من طريق يوصل إلى الشرك إلا وسده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بالنهي عنه وتحريمه والتحذير منه. فهذا هو معنى قوله: باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أنه جاء به، كما قال الشيخ العثيمين: جاء به ليبين أنه صلى الله عليه وسلم جعل مانعاً يمنع من يقرب حول التوحيد حماية محكمة. يعني: هذا الباب باب محكم وهو التوحيد، لا يمكن أن يتسلل أو أن يتخلل من خلاله شيء يخدشه أو كذلك ينقصه أو نحو ذلك. ولم يدع الأبواب مفتوحة يلج إليها من شاء، ولكنه سد كل طريق يوصل إلى الشرك. بل ذكر بعض الشراح لهذا الباب أن هذا الباب له مناسبة لما قبله، الباب الذي قبل هذا الباب: ما جاء في أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله عز وجل. ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن الباب الذي قبله فيه الغلو بالأفعال في قبور الصالحين عموماً، أي صالح، أي صالح، فإن الغلو في الصالحين عموماً يوصل إلى الشرك والعياذ بالله، وإلى عبادة غير الله. وأما هذا الباب ففيه التحذير، أو تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه، من الغلو فيه عليه الصلاة والسلام، أو في قبره، لأن الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم أشد وأعظم، لأنه سيد الأنبياء وخيرة الصلحاء عليه الصلاة والسلام. فالأول، الباب الذي قبل هذا، كالعموم، والباب هذا كالخصوص. والغلو في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له صور ومظاهر، جاء وسيأتي معنا في بعض ما ذكره المؤلف من أحاديث شيئاً من ذلك، شيئاً من ذلك. ثم ذكر آية استدل بها على هذا الباب، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ما مناسبة هذه الآية لهذا الباب؟ يقول الشيخ ابن عثيمين في تفسير هذه الآية: وإذا عرفت تفسيرها عرفت موطن الشاهد منها. يقول الشيخ ابن عثيمين عند تفسيره لهذه الآية: "لقد جاءكم"، قال: أكدت بثلاث مؤكدات. ما هي هذه الثلاث عند أهل العربية؟ عندك يا عمر، أنت من أهل العربية؟ بلى. ما هي المؤكدات الثلاث؟ "لقد جاءكم"، قال: أكدت بثلاث مؤكدات، ما هي؟ عندك يا عمر: اللام، "لقد"، "قد"، والقسم المقدر. يعني التقدير: والله لقد جاءكم، لقد جاءكم. قال: قوله ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: بشر من جنسكم، ولكن تميز عليكم بالوحي. وفي قراءة: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، فقد جاءكم رسول من أنفسكم، فيكون المعنى: أي أشرفكم وأتقاكم، أشرفكم وأتقاكم. فالنبي صلى الله عليه وسلم أعلى الناس نسباً وشرفاً وتقوى عليه الصلاة والسلام. وبعضهم ذكر فائدة، وهي: أن إذا جاء لفظ "النفس" في مثل هذه المواضع، فيكون المقصود عامة المسلمين، من العربي ومن غيرهم من العجم، كل مسلم يدخل في هذا المعنى. فقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: أيها المؤمنون عامة، من أنفسكم. وإذا جاء بلفظ "منهم"، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، فيراد بهم العرب خاصة، المسلمين أو المؤمنين من العرب خاصة. إذا جاء بلفظ "منهم"، وإذا جاء بلفظ "أنفسكم"، فيراد به عموم المسلمين، يراد به عموم المسلمين. وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: يشق عليه ما يشق عليكم. يعني: ولو لم يشق على النبي صلى الله عليه وسلم أي شيء يشق على الأمة، فإنه يشق عليه، ولو لم يكن في هذا العمل مشقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. مثال ذلك: مثال ذلك تركه لقيام الليل جماعة في رمضان، صلى ثلاثاً ثم ترك. ما هو السبب؟ خشية الفرضية. السواك: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي لفظ: "عند كل وضوء". لماذا ترك هذا؟ خشية أن تفرض على الأمة، وإلا هو عليه صلى الله عليه وسلم لا يشق عليه ذلك، لا يشق عليه ذلك. صلاة العشاء في آخر وقتها من الليل، بعد أو قبل نصف الليل، قال: "إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي". وإنه يريد أن يفعل ذلك، لكن خشية من أن يشق ذلك على أمته. فهذا من رحمته عليه الصلاة والسلام بهذه الأمة، أنه يشق عليه ما يشق عليها على هذه الأمة. وقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: باذل غاية جهده في مصلحتكم. فهو حريص على هداية هذه الأمة، حريص على سعادة هذه الأمة، حريص على نفع هذه الأمة عليه الصلاة والسلام. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، قال: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. أي: بغير المؤمنين شديد. أين هنا تقديم ما حقه التأخير؟ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، أين هنا تقديم ما حقه التأخير؟ عند من؟ عندك يا أكرم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، إذ التقدير: رؤوف بالمؤمنين، رحيم بالمؤمنين. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الجار والمجرور متعلق برؤوف على وزن فعول، وهو من صيغ المبالغة، ورحيم على وزن فعيل أيضاً من صيغ المبالغة، يعني: عمل الفعل. فالجار والمجرور الأصل أن يتعلق برؤوف ورحيم، فقدم عليهما. فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، مثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. ما إعراب "إياك"؟ مفعول به، صح. والمفعول به الأصل أنه يأتي بعد الفعل، ما يأتي قبل الفعل. فهنا قدم، لماذا قدم؟ لأنه يفيد الحصر، يعني: لا نعبد إلا إياك، ما نعبد أحداً غيرك. ومثل ذلك في هذا الموضع: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: أن رحمته ورأفته خاصة بالمؤمنين، أما غيرهم من الكافرين فليس بهم رؤوف ولا رحيم، كما قال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، أشداء على الكفار. قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، لأن تمام الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾. فقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أعرضوا. ولم يقل: "فإن توليتم"، مع أن الخطاب في أول الآية منصب على المؤمنين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾، أي: أنتم أيها المؤمنون. فما قال بعد ذلك: "فإن توليتم"، لم يكن الخطاب إلى المؤمنين، والضمير يعود على المؤمنين، بل غير أسلوب الخطاب، فقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. لماذا؟ ما هو البلاغ في ذلك؟ قال: ولم يقل "فإن توليتم" لأن التولي مع هذا البيان مكروه. يعني: علمت أيها المؤمن أن هذا الرسول حريص عليك، ويشق عليه ما يشق عليك، ورؤوف بك، ثم بعد ذلك تعرض. فمن فقه هذا المعنى وفهم هذا المعنى وهذا البيان، فمكروه عليه أن يعرض وأن يتولى عن اتباع هذا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ولتنبيه القارئ، لأن من أساليب الانتقال من أسلوب إلى آخر، من أساليب الخطاب، من فوائده تنبيه القارئ. يعني: الآن القارئ يطرأ على نفسه سؤال، ينتبه: لماذا تغير الأسلوب؟ فهذا يشد انتباهه، يشد انتباهه. فغير الضمير حتى ينتبه المخاطب، حتى ينتبه المخاطب. قوله: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، أي: لا يهمنك إعراضهم، لا يهمنك إعراضهم. وقل بلسانك وقلبك: حسبي الله. يعني: تعلق بقلبك بالله، واجعل وكيلاً لك الله عز وجل وحده. وأيضاً قل ذلك بلسانك، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. هذا هو معنى الآية. طيب، ما هو وجه الشاهد من هذه الآية؟ قوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. فمن حرصه عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة أنه سد كل طريق يوصل إلى أعظم خطر. ما هو أعظم خطر على المؤمن؟ هل أعظم خطر على المؤمن أن يكون فقيراً، أو أن يصاب بمرض في جسده؟ لا. أعظم خطر على المؤمن أن يقع في أي شيء من الشرك. فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء وسد كل باب وكل طريق يوصل إلى الشرك، وهذا من حرصه عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة. وكما جاء في حديث أبي هريرة: "إن مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عن النار، فأنا آخذ بحجزكم أهاوي عن النار، وأنتم تتفلتون من يدي". فهو عليه الصلاة والسلام، ما من أمر يوصل إلى سخط الله، وإلى غضب الله، وإلى الشرك بالله إلا وحذرنا منه. كما قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما من طائر يطير في السماء إلا وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منه علماً". نعم، فما من شيء إلا وبيّنه لنا عليه الصلاة والسلام، حتى نسلم من الوقوع في المزالق والمخاطر، في الشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا هو وجه الشاهد من إيراد هذه الآية في هذا الباب. بارك الله فيك. إلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.