الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 24، الدرس الرابع والعشرون:من( أنواع الإجماع ... مع قدرتهم على الإنكار دليل على موافقتهم وهذا أقرب الأقوال ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ينقسم الإجماع إلى قطعي وظني، القطعي هو ما يعلم وقوعه بالضرورة مثل وجوب الصلوات الخمس، والظني ما يعلم بالتتبع والاستقراء واختلف العلماء في إمكانه. الإجماع القطعي ثابت ولا خلاف في حجيته.
الإجماع ينضبط بما كان عليه السلف الصالح، والإجماع الظني يعمل به إذا كان مستندا إلى دليل وكان في القرون المفضلة، مع استعراض آراء العلماء في شروط الإجماع وحجية الإجماع الظني.
اختلف الفقهاء في اشتراط انقراض عصر المجمعين لصحة الإجماع، بينما يعتبر جمهور أهل العلم قول الصحابي حجة إذا اشتهر ولم يخالف نص شرعي أو إجماع.
قال الله من المثيمين رحمه الله قال: أنواع الإجماع. قال: الإجماع نوعان: قطعي وظني. فالقطعي ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس وتحريم الزنا. وهذا النوع لا أحد ينكر ثبوته ولا كونه حجة، ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله. والثاني الظني، هو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء. قد اختلف العلماء في إمكان ثبوته. وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال في العقيدة الواسطية: «والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمم». قال رحمه الله هنا: أن أنواع الإجماع تنقسم الإجماع إلى قسمين: ظني وقطعي. فالإجماع القطعي ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة، يعني ما كان معلوما من الدين بالضرورة، مما يقطع بثبوته، لا يحتاج إلى نظر واستدلال، كوجوب الصلوات وتحريم الزنا وتحريم الخمر. هذه أشياء معلومة من الدين بالضرورة، ما يجحدها أحد كبيرا كان أو صغيرا. فهذا إجماع، وهذا إجماع قطعي مقطوع به، مجزوم به، لا أحد يخالفه ولا أحد ينكره. هذا النوع لا أحد ينكر ثبوته، ولا كذلك كونه حجة. لا أحد ينكر أنه حجة، فمن بلغه لزم عليه الأخذ به. ويكفر مخالفه من أنكر الإجماع القطعي، فهو كافر. الإجماع مثلا على أن القرآن كامل، فمن ادعى أن فيه نقصا فهو كافر، أو ادعى أن الصلاة غير واجبة، أو أن الخمر حلال، أو أن الزنا حلال، يكفر إلا إذا كان جاهلا. إلا إذا كان جاهلا، فالجهل عذر من أعذار التكفير. والإجماع الظني هو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء. الظني يعلم بالتتبع، ينظر في أقوال العلماء في مؤلفاتهم، يتتبع أقوالهم، ينظر هل هناك مخالف أو ليس هناك مخالف. فإذا لم يجد خلافا فيقول: أجمع العلماء على كذا. هذا يسمى إجماعا ظنيا، إجماعا استقرائيا، علم بالتتبع والاستقراء. هذا الذي اختلف العلماء هل يمكن أو لا يمكن. طبعا الإجماعات المنقولة الظنية أكثرها إجماعات قديمة، يعني مثلا ما ينقل في الكتب، كتب الفقه كالمغني والمجموع وغيرها: «أجمع العلماء على كذا، وأجمعوا على كذا». هذه طبعا إجماعات قديمة، قد وقعت ونقلها العلماء. فهذا إجماع يمكن ثبوته، ومع ذلك بعضها قد يصح، وقد لا يصح. يعني قد ينقل الإجماع استقرائيا والخلاف موجود، والخلاف موجود، فيقال: أجمعوا على كذا وكذا، والخلاف حاصل والخلاف موجود. قال: والظني ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء. الظني يعلم بالتتبع، ينظر في أقوال العلماء في مؤلفاتهم، يتبع أقوالهم، ينظر هل هناك مخالف أو ليس هناك مخالف. فإذا لم يجد خلافا فيقول: أجمع العلماء على كذا. هذا يسمى إجماعا ظنيا. وهل يمكن أن يقع مثل هذا الإجماع في مثل هذا العصر؟ أن يقول شخص: أجمع أهل هذا العصر على كذا وكذا. هذا في حقيقة الأمر لا يمكن، مع انتشار الأمة وتفرقها، لا يمكن استيعاب أقوال جميع العلماء. ومع ذلك لو حصل هذا لا يسمى إجماعا، وإنما يسمى اتفاقا. يسمى اتفاقا. فإذا تتابع العلماء على قول من الأقوال، ووجد من يخالف، مثلا هذا يسمى اتفاقا. مثل بعض هذه الإجماعات المنقولة وفيها خلاف، فنقول: أجمعوا، نقول: اتفقوا، نقول: اتفاق، لا يعتبر إجماعا، لا يعتبر إجماعا، لكن يعتبر هو قول أكثر العلماء. يعتبر قول أكثر العلماء. قال: وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال في العقيدة الواسطية: «والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة». يعني في زمن السلف الصالح من الصحابة، ومن التابعين مثلا، يمكن حصر أقوالهم، لكن بعد ذلك ما يمكن، لكثرة الأمة وانتشارها وكثرة الفتوحات وانتقال العلماء إليها، يصعب حصر أقوال جميع العلماء، فيصعب ثبوت الإجماع. قال: فهل الآن الإجماع الظني يعمل به أو لا؟ فالجواب: أنه منه ما يعمل به، ومنه ما لا يعمل به. منه ما يعمل به، ومنه ما لا يعمل به. فإذا كان هذا الإجماع الظني مستندا مثلا إلى دليل من الأدلة، ومستندا إلى دليل من الأدلة، وكذلك أيضا كان في القرون المفضلة، فإنه يعمل به. قال: وعلم أن الأمة لا يمكن أن تجمع على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ، فإنها لا تجمع إلا على حق. وإذا رأيت إجماعا تظنه مخالفا لذلك، فانظر، فإما أن يكون الدليل غير صحيح، أو غير صريح، أو منسوخا، أو في المسألة خلاف لم تعلمه. يقول: الأمة لا يمكن أن تجمع على خلاف دليل صحيح صريح، يعني أن يقع إجماع، وهذا الإجماع يخالف دليلا صحيحا صريحا، هذا لا يمكن أبدا. لا يمكن أن يقع إجماع يخالف دليلا صحيحا صريحا. قال: شروط الإجماع. قال: شروط الإجماع منها: أن يثبت بطريق صحيح، بأن يكون إما مشهورا بين العلماء، أو ناقله ثقة واسع الإطلاع. والثاني: أن لا يسبق خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع؛ لأن الأقوال لا تبطل بموت قائلها. يقول: لا بد في ثبوت الإجماع من توفر هذه الشروط، أن يثبت بطريق صحيح؛ لأن الإجماع قد يثبت، لكنه بطريق غير صحيح، يكون ثبوته بطريق غير صحيحة. والطريق الصحيح لأن بعضهم كما قلنا قد يرى عدم وجود خلاف فينقل الإجماع، أو يتتبع بعض الأقوال فلا يجد مخالفا فيقول: أجمعوا. قال: الثاني: أن لا يسبق خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع؛ لأن الأقوال لا تبطل بموت قائلها. يقول: يشرط في هذا الإجماع أن لا يسبق خلاف مستقر، يعني ألا يكون قبل هذا الإجماع خلاف استقر ومضى واستمر هذا الخلاف، ثم يأتي الإجماع بعده، فلا يعتبر بهذا الإجماع. قال: فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف. الإجماع يمنع من حدوث خلاف، إذا وقع الإجماع وثبت، فلا يجوز لأحد أن يخالفه؛ لأنه يكون مخالفا للحجة. قال: وقيل: لا يشترط ذلك، فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة، ويكون حجة على من بعده. هذا قول: أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع عدم وجود خلاف، بل يثبت ولو وجد خلاف، وينعقد الإجماع في العصر الثاني. قال: لا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين، فينعقد الإجماع من أهله بمجرد اتفاقهم، ولا يجوز لهم ولا لغيرهم مخالفته بعد. طيب قال: لا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين. وهذه مسألة ذكرها للوصول إلى هل يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين؟ يعني هؤلاء العلماء الذين أجمعوا على مسألة من المسائل، هل يشترط في صحة هذا الإجماع وانعقاده أن ينقرض جميع عصر هؤلاء المجمعون؟ يعني أن يموت جميع هؤلاء العلماء الذين أجمعوا. قال: بعضهم قالوا: يشترط في إعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين، أن يموت جميع الإجماع؛ لماذا؟ قالوا: لاحتمال أن يوجد في هذا العصر يعني عصر الذي يحصل فيه الإجماع من يبلغ رتبة الاجتهاد، ثم يخالف هذا الإجماع. فإذا خالف من عقد الإجماع، إذا لابد من انقراض العصر. وهذا القول قول مرجوح، وهو عبارة عن شيء يعني كما يقولون خيالي. قال بعضهم: كيف ينقرض عصر المجمعين؟ يعني كل علماء الذين أجمعوا لهذا الأمر ينقرضون. قال بعضهم: أن يسافروا في سفينة فتغرق فيموت كلهم. هذا الشيء يعني لو قيل به ما وقع إجماع أبدا، لم يحصل إجماع. قال: وإذا قال بعض المجتهدين قولا أو فعلا، واشتهر ذلك بين أهل الاجتهاد، ولم ينكروه مع قدرتهم على الإنكار، فقيل: يكون إجماعا. وقيل: يكون حجة لا إجماعا. وقيل: ليس بإجماع ولا حجة. وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع؛ لأن استمرار سكوتهم إلى الانقراض مع قدرتهم على الإنكار دليل على موافقتهم. وهذا أقرب الأقوال. قال: إذا قال بعض المجتهدين قولا أو فعلا، واشتهر بين أهل الاجتهاد، ولم ينكروه. قال: عالم العلماء قولا، ولم يخالف أحد. أو فعل فعلا، ولم يخالف أحد. فهل يعتبر هذا إجماعا؟ يعني إجماعا سكوتيا أو لا؟ قال: قال بعضهم: يكون إجماعا. يكون إجماعا، فسكوتهم وعدم إنكارهم دليل على إقرارهم على ما قال وفعل، فيكونوا موافقين له. وقيل: يكون حجة لا إجماع؛ ما يكون إجماعا؛ لأن هذا الساكت ربما يسكت لعذر، إما مثلا لنظره في هذه المسألة، لم يترجح له شيء، أو لعدم وصوله بقول هذا القائل أو فعله لهذا الفعل، ونحو ذلك من أعذار. فلذلك لا يكون إجماعا، لكن قال: يكون حجة. والحجة أهون من الإجماع. وقيل: ليس بإجماع ولا حجة، لا يعتبر إجماعا ولا يعتبر حجة؛ لأنه بشر من البشر، ولأن الساكت لا ينسب له قول. الساكت لا ينسب له قول، فكونهم سكتوا لا يعد ذلك إقرارا، ولا كذلك لم ينكروا عليه، لا يلزم من ذلك صحة قوله. وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع، وإلا فلا. يعني إذا ماتوا قبل أن ينكروا فهو إجماع، وإن لم يموتوا واستمروا وهم سكوت إلى الإنقراض، مع قدرتهم على الإنكار، هو دليل على موافقتهم له. قال: وهذا أقرب الأقوال. لكن ذكر رحمه الله في شرحه: أن هذا القول كذلك فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون الأمر مشتبها عليهم. لاحتمال اجتهاده الأمر عليهم، فسكوتهم ليس بحجة. فعلى هذا: انتشار قول المجتهد من المجتهدين لا يعتبر إجماعا، ولا يعتبر حجة. قال: أما إذا كان صحابيا، فالذي عليه جمهور أهل العلم: أنه يعتبر حجة إذا اشتهر قول الصحابي، ولم يخالف أحد، فإنه يكون حجة يحتج به، إذا لم يخالف نص، وكذلك لم يخالف صحابي آخر، وكان مما لا مجال للاجتهاد فيه، فيقبل ويعتبر حجة. أما غير الصحابي، فعلى الصحيح: لا يكون حجة ولا إجماعا.