الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 83، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان مستدلاً بحديث ثوبان الذي يخبر بأن الساعة لا تقوم حتى تلحق فئام من الأمة بالمشركين وتعبد الأوثان، مبيناً أن المراد أمة الاستجابة لا أمة الدعوة مما يدل على وقوع الشرك في المؤمنين أنفسهم.
يستعرض المقطع بشارات النبي بامتداد ملك الإسلام ودخول كل بيت وتحقيق كنزي كسرى وقيصر، ويوضح ثلاث دعوات دعا بها لأمته استجيب له في اثنتين ومنعت الثالثة فوقع الاقتتال الداخلي، مع بيان الفرق بين القضاء الكوني والشرعي والتحذير من أئمة الضلال.
يبيّن المقطع وجود أئمة ضلال يدعون إلى النار ويستعرض حديث الكذابين الثلاثين موضحاً أن المراد بهم من لهم شوكة وأتباع، ويؤكد كفر من ادعى النبوة بعد خاتم النبيين ومن صدقه، ويختتم بذكر الطائفة المنصورة الثابتة على الحق.
أشار المتحدث إلى أن ما ذُكر هو المعنى الإجمالي للحديث وأن هناك فوائد متبقية سيقرؤها في الدرس القادم من كلام الشيخ العثيمين، مع التنويه إلى ترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة مجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب "ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان"، ليرد به على من يزعم أن الشرك قد انقطع وأنه لن يعود إلى جزيرة العرب، فرد عليهم بهذا الباب. وقد أخذنا بعض الأدلة من الكتاب وكذلك من السنة على بطلان هذا القول. ثم ذكر حديثاً آخر، قال: ولي مسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكها بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، قال: ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً». ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى». وهذا الحديث، وجه الشاهد منه في قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين»، يعني: يشرك بالله. وهذا فيه أن الشرك سيقع في هذه الأمة. فقوله: «حتى يلحق حي من أمتي»، المراد بالأمة هنا أمة الاستجابة؛ لأن الأمة أمتان: أمة الاستجابة وأمة الدعوة. فأمة الاستجابة هم من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، أي استجاب له وآمن به، هذا يطلق عليهم أمة ماذا؟ أمة الإجابة أو الاستجابة. والأمة الأخرى: أمة الدعوة، وهذه أمة الدعوة يشمل كل من أتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو في ما بعد عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس عامة، بعث إلى الناس عامة، فكل من على وجه هذه الأرض منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مأمور بالدخول في دين نبينا عليه الصلاة والسلام ومدعو للدخول في هذا الدين، فهذه تسمى أمة ماذا؟ أمة الدعوة. فإذن المراد بقوله هنا: «حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين»، المراد بالأمة هنا أمة الاستجابة، من استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم أشركوا بالله سبحانه وتعالى. فإذن الشرك واقع في هذه الأمة، أمة الإجابة، وهذا الدليل ظاهر وبين فيما أراد المؤلف رحمه الله. وأيضاً فيما بعده بقوله: «وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان»، فئام يعني جماعات، جماعات من هذه الأمة، أمة كذلك الإجابة، أمة الإجابة كذلك تعبد الأوثان، تعبد الأوثان. إذن عبادة الأوثان في هذه الأمة واقع وغير واقع؟ نعم واقع. فهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث. والمؤلف ها هنا ذكر هذا الحديث بطوله للفائدة، للفائدة، وكذلك حرصاً على ضبط ألفاظ الحديث. ولا بأس، ولا بأس من باب الفائدة أيضاً أن نبين بعض معاني هذا الحديث، بعض معاني هذا الحديث. فقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله زوى لي الأرض»، معنى زوى: أي جمع، جمع وضم للنبي صلى الله عليه وسلم الأرض حتى صارت أمامه عياناً ينظر إلى جميع أطراف الأرض، المشرق والمغرب، المشرق والمغرب، والله عز وجل على كل شيء قدير، كما أنه عز وجل رفع بيت المقدس أمام نبينا عليه الصلاة والسلام ينعته ويصفه للمشركين وهو في مكة، فهو قادر سبحانه وتعالى أيضاً على أن يجمع ويضم جميع أنحاء الأرض ويجعلها أمام نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى رأى مشارق الأرض ومغاربها، حتى رأى عليه الصلاة والسلام مشارق الأرض ومغاربها. ثم ذكر هذه البشارة العظيمة لأهل الإيمان والإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها»، بمعنى أن هذا الإسلام سينتشر ويتسع أمره في الأرض حتى يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، وقد وقع شيء من هذا الوعد النبوي في عهود القرون السابقة الأولى من هذه الأمة، وأيضاً لا تزال هذه البشارة يبشر بها أهل الإسلام، فالنصر لهذا الدين والانتشار لهذا الدين، وحتى في هذا الزمان فإن الإسلام انتشر انتشاراً عظيماً رهيباً في جميع أنحاء وأقطار المعمورة، في قعر بلاد أهل الكفر يدخل في الإسلام بالآلاف، بالآلاف يدخلون في دين الإسلام، لله الحمد والمن. وهناك وعود أخرى جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة سيدخل دينها كل بيت، ما من بيت مدر ولا وبر إلا وسيدخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلا يذل الله به الكفر وأهله. نعم. قال: «وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض»، يراد بالكنزين: الذهب والفضة، الذهب والفضة، وهما كنوز كسرى وقيصر، وقد تحقق ذلك في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ففتحت هذه البلاد وأتي بكنوزها إلى خليفة المسلمين عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم ذكر أنه عليه صلى الله عليه وسلم دعا ربه وسأل ربه ثلاثاً: الأولى سأل ربه لأمته ألا يهلكها بسنة بعامة، ومعنى «ألا يهلكها بسنة عامة»: يعني بقحط وجدب عام، يعني يكون هذا القحط وهذا الجدب في جميع بلاد الإسلام، جميع بلاد الإسلام. نعم، فأعطى الله عز وجل نبيه هذه، يعني استجاب له عليه الصلاة والسلام. «وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم»، البيضة هي الحوزة، أي ما حازه المسلمون من البلاد والأرض، من البلاد والأرض، وقيل كذلك: حفظهم وجماعتهم، أي أن تستباح أرضهم وجماعتهم، بمعنى يهلكون جميعاً، يعني لا تهلك هذه الأمة جميعاً من قبل أعدائها. وهذه أيضاً بشارة لأهل الإسلام، فمهما ضعف المسلمون ومهما صاروا في ذل وهوان بين الأمم الكافرة، إلا إن هذه الأمة لا تنتهي ولا تموت، لا تنتهي ولا تموت ولا تنقضي، إنما تمرض وتضعف لكنها فيما بعد تقوى وتتعافى ويعود لها عزها ومجدها ورفعتها. هذا معنى هذا الحديث. فكذلك أعطي النبي صلى الله عليه وسلم هذه الثانية، ولذلك قال: «ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً»، يعني: أهل الإسلام فيما بينهم، أهل الإسلام فيما بينهم. طيب. وقوله هاهنا: «يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد»، معنى ذلك: القضاء الكوني، أي أن الله عز وجل إذا قضى قضاء كونيا يقع، وهذا هو من الفروق بين القضاء الكوني والقضاء الشرعي. القضاء الكوني لا بد أن يقع، سواء كان يحبه الله أو لا يحبه، أما القضاء الشرعي فقد يقع وقد لا يقع، فقد يقع وقد لا يقع، والقضاء الشرعي كله يحبه الله سبحانه وتعالى. فهذه الأمور التي ستقع لهذه الأمة إنما هو من القضاء القدري الكوني، من القضاء الكوني. نعم. ثم دعا ثالثة، وهذه الثالثة: ألا تقتل الأمة فيما بينها، فمنع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الثالثة، فلذلك وقع في هذه الأمة القتال فيما بينها ورفع السيف على بعضهم منذ زمن عثمان رضي الله تعالى عنه إلى زماننا هذا، وفي أمة الإسلام من يرفع السيف على بعضهم، وكلهم مؤمنون مسلمون، لأن هذه لم يعطها رسولنا عليه الصلاة والسلام. وأما قوله: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين»، ومعنى الأئمة المضلين: أي أئمة الضلال الذين يظهرون بمظهر أهل الحق وهم يفسدون أكثر مما يصلحون، لانحراف عقائدهم وانحراف كذلك أخلاقهم ولانحراف أديانهم ونحو ذلك، كالدعاة إلى الشرك وإن تلبسوا بلباس أهل الإيمان، أو الداعين إلى هدم أصول هذا الدين، كهدم أصل الولاء والبراء، أو هدم أصل كذلك المعاملات مع الأعداء، أو نحو ذلك. فهؤلاء من أئمة الضلال الذين يدعون إلى الشرك أو إلى البدع أو إلى الخرافة أو نحو ذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾. فهناك كما أنه يوجد من أئمة الهدى وأئمة الدين، فكذلك يوجد من أئمة الضلال الذين يدعون، يدعون الناس إلى النار والعياذ بالله، يدعون الناس إلى النار، وكما جاء في حديث حذيفة في الأئمة المضلين الذين يدعون إلى النار والعياذ بالله. وقوله: «وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة»، أي إذا وقع بين هذه الأمة كما وقع في عهد عثمان وما بعده إلى يومنا هذا، لم يرفع إلى قيام الساعة، إلى قيام الساعة. وقوله: «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي»، هذا قد تقدم معنا وهو وجه الشاهد من الحديث. وقوله: «وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون»، اختلف العلماء في العدد: هل له مفهوم أو ليس له مفهوم؟ والصحيح أن له مفهوم، بمعنى: كذابون ثلاثون ممن تكون لهم قوة وشوكة وأتباع كثر، وأتباع كثر. فالمعنى: أنه سيكون في هذه الأمة كذابون ثلاثون يتبعهم الناس، مثل الأسود العنسي وغيره ممن أحدث فتنا في هذه الأمة وقتل وقتال. لأنه قد يورد إشكال عند هذه اللفظة "ثلاثون"، وهو هذا الإشكال الواقع، قد يقول قائل: منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا كم سمعنا بمن يدعي النبوة، بمن يدعي النبوة؟ في عصرنا هذا ربما سمعنا أكثر من ثلاثين، بعد فترة نسمع أنه فلان ادعى النبوة في العراق، فلان ادعى النبوة في صنعاء، فلان ادعى النبوة في كذا، لو حسبت من ادعى النبوة منذ مبعث النبوة صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا لوجدت أنهم ربما آلاف، آلاف. لكن هؤلاء بعضهم ما له أتباع، وليست في دعوة فتنة ولا قتل ولا قتال ولا شيء من ذلك، فهذا لا يدخل في معنى هذا الحديث، لا يدخل في معنى هذا الحديث، كما قرر ذلك العلماء. وبعض أهل العلم قال: إنما لفظ الثلاثين من باب بيان الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، أي: إن تستغفر لهم استغفارا كثيراً، هنا ليس مقصود العدد، بقوله: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ليس مقصود، أي: إن تستغفر لهم استغفارا كثيراً. وبعض الشراح من أهل العلم ذكر هذا المعنى في هذا الحديث، فقوله: "ثلاثون"، قال: هذا يدل على الكثرة، أي أن من يدعي النبوة كثير، فيدخلون كل من ادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والقول الأول هو الأقرب، أن يقال: نعم ثلاثون، لكن ممن لهم شوكة ولهم قوة ولهم كذلك أتباع. وقوله: «كلهم يزعم أنه نبي»، أن يدعون النبوة، «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي»، فمن ادعى النبوة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، لأنه أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، فخاتمة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة في الكتاب وفي السنة، ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وقال في هذا الحديث: «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي»، فمن ادعى النبوة فقد كفر، ومن صدق بمن ادعى النبوة فقد كفر، لأنه أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة. وأما قوله: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة»، ففيه بيان لأهل الحق من هذه الأمة، فهذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من هذه الأمة، أمة الإجابة، فكلها في النار، أي تعذب بالنار على انحرافها وضلالها، ولكن هذا الانحراف والضلال لم يصل إلى درجة الكفر، فهي لا تزال في إطار أهل الإسلام، ففرقة واحدة من أهل الإسلام هي التي على الحق، لا تعذب ولا تخذل، لأنها هي المنصورة، وهي المتمسكة بهذا الدين، فلا تزال هذه الطائفة على الحق منصورة، سواء كانت هذه النصرة بالسيف والسنان أو بالحجة والبيان. فهذه الأمة لا، لا، لا تنكس رايتها بالحجة والبيان، فهي الظاهرة وهي القاهرة لكل من عاندها ولكل من عارضها، ولذلك قال: «لا يضرهم من خذلهم»، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، ما يتزعزعون ولا يضعفون ولا يبالون بمخالفة المخالفين، ولا بانتقاد المنتقدين، ولا بعداوة الأعداء، على ثبات من أمرهم وعلى كذلك نصرة من ربهم، فهم أهل حق وأهل كذلك ثبات، وأهل ثبات لا ينزعجون لانتقاد منتقد، ولا لنيل عدو من أعدائهم، فهم في قلوبهم برد اليقين فيما هم عليه من المنهج الحق ومن العقيدة الصحيحة. هذا هو معنى إجمالي لهذا الحديث، وإن بقيت فوائد فيه، إن شاء الله من كلام الشيخ العثيمين نقرأه في الدرس القادم، ونفس هذا الدرس حسناً. يجب أن يزعجون من العقيدة. حسناً ترجمة نانسي قنقر.