كتاب الطهارة 32

كتاب الطهارة 32

الدرس في كتاب الطهارة 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقدير المد والصاع وتطبيقاتهما العملية

يناقش المقطع تقدير المد والصاع بالوزن وتطبيقهما في الوضوء والغسل، حيث يختلف العلماء في تقدير المد. كما يشير إلى استخدام المد في الوضوء والصاع في الغسل استنادًا إلى الأحاديث النبوية.

مقدار الماء المستخدم في الوضوء والغسل

ناقش المقطع مقدار الماء المستخدم في الوضوء والغسل، مستندًا إلى الأحاديث النبوية التي تشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. كما تطرق إلى مسألة الدلك في الوضوء والغسل.

أحكام متعلقة بالوضوء والطهارة

يتناول المقطع حكم مسح الأذنين بماء جديد أثناء الوضوء، واستخدام ماء جديد لإزالة النجاسة، مع آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسائل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله: على عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام أتى أو أتي بثلثي مد، فجعل يدلك ذراعيه. أخرجه أحمد في صحاحه، وابن خزيمة. قال: وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بثلثي مد -بضم الميم وتشديد الدال المهملة- أنا بثلثي مد ومد، فجعل يدلك ذراعيه. قال في القاموس: المد مكيال، وهو رطلان أو رطل وثلث، أو ملء كف الإنسان المعتدل إذا ملأه ماء ومد يده به ماء، ومنه سمي مد. وقد جربت ذلك فوجدته صحيحا. المد هو مكيال، أي ملء كفي الرجل المعتدل. وأما تقديره بالوزن، فهذا فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من جعله رطلان، وهم الحنفية. الحنفية عندهم المد رطلان، سواء كان من الماء أو من الطعام. والجمهور -الشافعي ومالك وأيضا الحنابلة- يرون أن المد رطل وثلث بالعراقي. وهناك قول لبعض الحنابلة، كصاحب المنتهى، ابن تيمية، وأيضا قال به جماعة من الحنابلة، فرقوا بين مد الطعام ومد الماء، فقالوا: مد الماء رطلان، ومد الطعام رطل وثلث. والظاهر أنهم اعتمدوا على حديث جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ برطلين، أو قال: برطلين. وجاء من حديث الربيع بنت معوذ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ برطلين ويغتسل بخمسة أمداد». قال كثير من أهل الحديث: إن شريكا رواه بالمعنى، على المعنى المعروف عندهم في الكوفة أن المد رطلان، فقال: برطلين من الماء، أو توضأ برطلين. فهذا قد يكون رواه بالمعنى؛ لأن الناس يرونه يتوضأ بالمد ويغتسل بخمسة أمداد، فقاموا رواه على خلاف ما رواه الناس. فلعلهم اعتمدوا على هذا فأفرقوا بين الماء والطعام. والمعمول به غالبا أن المد هو رطل وثلث، والصاع خمسة أرطال وثلث. والكيلو رطلان وثمن. معنى الخمسة كيلو: معنى الرطلان وثمن أربعة كيلو وربع. يعتبر معنى أربعة أرطال وربع. يعتبر كيلو أربعة أرطال وربع. الكيلو -أقصد- رطلان وثمن. أربعة أرطال وربع يكون كيلوين. أربعة أرطال وربع يكون كيلوين، بقي نصف وثلاث. فلهذا بعضهم يقول: إن الصاع كيلوين ونصف. كيلوين ونصف. بعضهم يقول: إنه كيلوين وأربعين جراما. وجعله بعض العلماء، من باب الاحتياط، ثلاثة كيلو، كما هو قول الشيخ المبارك وغيره. قال: قال: فجعل يدلك ذراعيه. أخرجه أحمد في صحاحه، وابن خزيمة. وقد أخرج أبو داود، من حديث معمر الأنصاري، بإسناد حسن، أنه صلى الله عليه وسلم توضأ بماء فيه قدر ثلثي مد. هذا حديث معمر أيضا صححه، وبالجرعة وغيره. قال: ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن زيد، فثلثا المد هو أقل ما روي أنه توضأ به صلى الله عليه وسلم. فالوضوء بثلثي مد هذا أقل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثلثي مد، وهو مع ذلك قليلا. قال رحمه الله: فثلثا المد هو أقل ما روي أنه توضأ به صلى الله عليه وسلم. وأما حديث أنه توضأ بثلث مد، فلا أصل له. لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلث. فأقل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ به ثلثي مد. وكان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. وجاء في حديث جابر وعائشة قالا: قد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. وأخرج مسلم نحوه من حديث سفينة، وأبو داود من حديث أنس: توضأ من إناء يسع رطلين. قال بعض العلماء: إنه رواه بالمعنى. قالوا: الترمذي بلفظ: يجزئ في الوضوء رطلان. وهي كلها قاضية بالتخفيف في ماء الوضوء. وقد علم نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في الماء، وإخباره أنه سيأتي قوم يعتدون في الوضوء. فمن جاوز ما قال الشارع أنه يجزئ فقد أسرف، فيحرم. وقول من قال: إن هذا تقريب لا تحديد، ما هو ببعيد. الآن يقول المؤلف: إن الأفضل أن يكتفى بما جاء عن الشارع، وما كان فوق ذلك فهو إسراف. وذكر قولا آخر، وهو الأصح: إنه من باب التقريب لا من باب التحديد. أن هذا الذي ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم هو من باب التقريب؛ لأنه ثبت أنه توضأ بثلثي مد، وثبت أنه توضأ بمد. فهو من باب التقريب أن الإنسان لا يسرف في الماء، ويكتفي بما يقوم به وضوءه على أعضائه. قال: لكن الأحسن بالمتشرع محاكاة أخلاقه صلى الله عليه وسلم، الاقتداء به في كمية ذلك. وفيه دليل على مشروعية الدلك لأعضاء الوضوء. وفيه خلاف، فمن قال بوجوبه استدل بهذا. ومن قال: لا يجب، قال: لأن المأمور به في الآية الغسل، وليس الدلك من مسمى الغسل. ولعله يأتي ذكر ذلك. هذه مسألة الدلك. فجعل يدلك ذراعيه. الدلك كما قال مؤلف: ونختلف فيه: هل هو يدخل في مسمى الغسل أو لا يدخل؟ معنى إذا غسلت عضوا مثلا يديك، هل يشترط أن تدلكها، أو إمرار الماء فقط يكفي؟ وكذلك في الغسل، هل مثلا إذا صب الإنسان الماء على نفسه، هل يكفي هذا؟ أم أنه لا بد أن يدلك؟ وكذلك أيضا لو اغتسل في بحر أو في بركة، هل يكفي هذا في الغسل؟ أم لا بد أن يدلك؟ فجمهور العلماء على أن الدلك ليس واجبا، وإنما هو مستحب. وأن إمرار الماء على العضو يسمى غسل. ما دام أن الماء يمر على العضو، فيعتبر غسلا. وقال بعض -كربيعة وجماعة من السلف، وهو قول الشوكاني- إن الدلك لا بد منه. وهذا القول ليس صحيحا. أولا: لم يأت الأمر بالدلك، وإنما جاء من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فهو يدل على الاستحباب. والأمر الثاني: أنه لم يثبت أن الدلك من مسمى الغسل. بل الغسل معروف عند العرب أنه إمرار الماء على العضو، فهذا غسل. فجعل الدلك من مسمى الغسل ليس صحيحا. فلهذا فالدلك ليس واجبا، وإنما هو مستحب أن يدلك في وضوئه، وكذلك في غسله. وخلاصة الأمر أنه يقال: إنه يستحب أن يقتدي الإنسان بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. وكذلك أيضا إن استطاع هذا، وإن لم يستطع وزاد شيئا ما في شيء، أما الإسراف الكثير، فهذا لا يباح. وهذا يعتبر من الاعتداء في الوضوء. قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه سيكون في أمتي من يعتدي في الوضوء والدعاء». قيل عنه: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه. أخرجه البيهقي، وهو عنده مسلم من هذا الوجه بلفظ: «ومسح برأسه بماء غير فضل يديه». وهو المحفوظ. وهذا اللفظ الذي عنده البيهقي لفظ غير صحيح. واللفظ الصحيح هو لفظ مسلم: «ومسح برأسه بماء غير فضل يديه». وقد تقدم الكلام على مسح الأذنين. قال: وعنه -أي عبد الله بن زيد- أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه. أخرجه البيهقي، وهو -أي هذا الحديث- عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: «ومسح برأسه بماء غير فضل يديه». وهو المحفوظ. ذلك أنه ذكر المصنف في التلخيص عن ابن دقيق العيد أن الذي رآه في الرواية هو بهذا اللفظ الذي قال المصنف إنه المحفوظ. وقال المصنف أيضا: إنه الذي في صحيح ابن حبان، وفي رواية الترمذي. ولم يذكر في التلخيص أنه أخرجه مسلم، ولا رأيناه في مسلم. وإذا كان كذلك، فأخذ ماء جديدا للرأس هو أمر لا بد منه، وهو الذي دلت عليه الأحاديث. وحديث البيهقي هذا هو دليل أحمد والشافعي أنه يأخذ للأذنين ماء جديدا. وهو دليل ظاهر وصحيح. أن هذا اللفظ لا يصح. لفظ البيهقي لا يصح. لهذا قال العلامة الكفوري في تحفة الأحوذي: لم أقف على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام يدل على مسح الأذنين بماء جديد. فالصحيح أنها تمسح مع الرأس. تمسح مع الرأس. ولو مسحها مثلا بماء جديد، ما في شيء. بماء جديد ما في شيء، لكن ليس أنه سنة. قال: تلك الأحاديث التي سلفت غاية ما فيها أنه لم يذكر أحد أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ماء جديدا. وعدم الذكر ليس دليلا على عدم الفعل. إلا أن قول الراوي من الصحابة: «ومسح رأسه وأذنيه مرة واحدة»، ظاهر أنه بماء واحد. وحديث: «الأذنان من الرأس»، وإن كان في أسانيدها مقال، إلا أن كثرة الطرق يشد بعضها بعضا، ويشهد له حديث مسحهما مع الرأس مرة واحدة. وهي أحاديث كثيرة عن علي وابن عباس والربيع وعثمان. كلهم متفقون على أنه مسحهما مع الرأس مرة واحدة، أي بماء واحد. كما هو ظاهر لفظ «مرة»، إذ لو كان يؤخذ للأذنين ماء جديد، أو لعله يأخذ للأذنين ماء جديدا، ما صدق أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة. وإن احتمل معنى: لو كان يأخذ ماء للأذنين سيكون مرة ثانية. أما أنه يمسحه في نفس المرة، فدل على أنه يمسحه بنفس مسح الرأس. قال: يحتمل أن المراد أنه لم يكرر مسح ماء، وأنه أخذ لهما ماء جديدا، فهو احتمال بعيد. وتعويل حديث أنه أخذ لهما ماء خلاف الذي مسح به رأسه أقرب. ما يقال فيه: أنه لم يبق في يده ما يكفي لمسح الأذنين، فأخذ لهما ماء جديدا. وقلاص القول: إنه الأفضل أن تمسح الأذنان مع الرأس. ولو أخذ ماء جديدا ومسحهما، ما به ليس في ذلك شيء. الله أعلم. طيب. لا تكفي بهذا. الله تعالى أعلم.