كتاب الصيام 11

الدرس في كتاب الصيام 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

كفارة الجماع في نهار رمضان: تعدد الأيام والجمع في اليوم الواحد

يستعرض المقطع أقوال العلماء في كفارة من جامع في نهار رمضان لعدة أيام، حيث يرى الجمهور وجوب كفارة عن كل يوم، بينما يختلفون فيمن جامع أكثر من مرة في يوم واحد؛ فالأكثر على كفارة واحدة، وأحمد يفرق بين من كفر عن الأولى ومن لم يكفر. وتعلل المسألة بأن اليوم الأول أفطر به الصائم فأصبح مفطرًا شرعًا، مع بيان أن الجمهور يرون كفارة واحدة عن اليوم كله حتى مع تكرار الجماع.

مسائل الخلاف في الكفارة: رد الشهادة وحكم من سافر نهاراً

يتناول المقطع الخلاف في كفارة من جامع في يوم ردت شهادته برؤية الهلال، ومن أصبح مقيماً ثم سافر فجامع في ذلك اليوم، مبيناً أن من جامع بعد طلوع الفجر وهو عالم وجب عليه القضاء والكفارة عند الجمهور بينما لا كفارة عند أبي حنيفة. كما يوضح أحكام الكفارة في هذه الصور المختلف فيها بين الفقهاء.

رخصة المسافر في الفطر وحكم الجماع في صوم التطوع

الصحيح أن من أصبح مقيماً صائماً ثم سافر في النهار له أن يفطر لأن السفر رخصة، ويجوز له الإفطار بالأكل أو الشرب أو الجماع دون كفارة ولا قضاء. وإذا صام المسافر تطوعاً ثم أفطر بالجماع، فجمهور العلماء على عدم وجوب الكفارة؛ لأن له رخصة الفطر متى شاء، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالفطر في رمضان أثناء السفر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فلازلنا في مسائل كفارة الجماع. قال رحمه الله الإمام الرحيم رحمه الله: "مسألة: عند الشافعي ومالك وأحمد في رواية وأكثر العلماء: إذا جامع في يومين أو أيام من رمضان وجب عليه لكل يوم كفارة، سواء كفر عن الأول أو لم يكفر. وعند الأوزاعي وأبي حنيفة: إن لم يكن كفر عن الأول لزمه لكل يوم كفارة، وإن كان قد كفر عن الأول لزمه للثاني كفارة. وعن أبي حنيفة رواية أخرى: أنه لا كفارة عليه. وعنه: إذا وطئ في يومين من رمضان روايتان: إحداهما ما يجب عليه كفارتان، وهي المشهورة. هذه المسألة. وعنه: إذا وطئ وجامع أكثر من يوم. وعنه: ليس يوم واحد بل أكثر من يوم، ثلاثة أو أربعة أو أكثر، فإنه لكل يوم كفارة. لكل يوم من هذه الأيام تكون كفارة بحسب الاستطاعة: استطاع الصيام يصوم شهرين متتابعين، وإلا كفر، أو أطعم ستين مسكينًا عن كل يوم، يطعم ستين مسكينًا. وهذا هو قول أكثر العلماء وهو الصحيح؛ لأن كل يوم متعلق، أو كل عمل متعلق بيومه، فلذلك تكون الكفارة لكل يوم. ليس مثل كفارة اليمين إذا كانت على شيء واحد، لكن هنا جعل لكل فعل الشرع جعل: من فعل هذا عليه كفارة، فلذلك إذا كرره كرره في أكثر من يوم عليه الكفارة. وأما إذا كان في يوم واحد، ذكر هنا هذه المسألة: قال: مسألة عند الشافعي وأكثر العلماء: إذا وطئ في يوم واحد مرتين لزمه للأول كفارة، ولا يلزمه للثاني كفارة. وعند أحمد: إن كفر عن الأول لزمه للثاني كفارة، وإن لم يكفر كفر عن الأول وأجزأته كفارة واحدة عنهما. وتوقف في يومين إذا لم يكن قد كفر عن الأول، واختلف أصحابه فيه، أي أصحاب أحمد. هنا المسألة الأخرى: إذا كان جامعًا في يوم واحد مرتين أو ثلاثة، هل يكفر عن كل مرة؟ فقال: إن مذهب أكثر العلماء أنه يلزمه مرة واحدة، يلزمه كفارة واحدة. لماذا؟ لأنه قد أفطر بالجماع الأول فأصبح مفطرًا، فإذا جامع مرة أخرى فهو قد جامع وهو مفطر، فلذلك يلزمه كفارة واحدة. وهناك رواية عن أحمد يقول: إنه إن كفر عن الأول، أن جاء امرأته الصباح مثلاً في نهار رمضان، ثم أطعم الظهر، أطعم، أعطى كل إنسان أنه يعطي ستين مسكينًا طعامًا، ثم جاءها مثلاً العصر، وهناك يقول: أن عليه كفارة أخرى. والصحيح هو قول الجمهور: أن الكفارة واحدة؛ لأنه قد اخترق هذا اليوم بالجماع الأول. قال: مثلاً عند الشافعي ومالك وأحمد: إذا علم بطلوع الفجر وهو مجامع فلم ينزع واستدام الجماع، لم يصح صومه، ولزمه القضاء والكفارة. وعند أبي حنيفة والمزني: لا كفارة عليه. يعني: إذا كان مجامعًا ودخل الفجر، أو أدن الفجر، لمن يعرف أنه يتحرى الوقت وهو لا زال لم ينزع، فهنا عند أكثر العلماء أن صيامه غير صحيح، صيامه غير صحيح، بل حتى عند أبي حنيفة، لكن اختلفوا: هل عليه كفارة أو لا؟ فقال الجمهور: أن عليه كفارة وقضاء. أما القضاء: كما قلنا، إن كان متعمدًا لا قضاء عليه، وإنما هو آثم. وأما الكفارة فهي تلزمه إذا كان قد علم أن الفجر قد دخل. أما إذا لم يعلم، تقدم معنا أنه إذا لم يعلم فصيامه صحيح. أما إذا علم ولم ينزع وبقي في جماعه، فهذا يعتبر عليه الكفارة. قال: مسألة عند الشافعي ومالك وأكثر العلماء: إذا جامع في اليوم الذي ردت شهادته فيه برؤية الهلال، وجب عليه الكفارة. وعند أبي حنيفة: لا كفارة عليه. وهذه مسألة فرعية: أن الإنسان رأى الهلال، ولم تقبل شهادته، ولم تقبل شهادته، وأفطر الناس، فهل إذا جامع عليه كفارة؟ لأنه قد رأى الهلال. هذا متعلق بمسألة أخرى: هل له أن يصوم أو لا؟ وقلنا: الصحيح أنه لا يصوم، وإنما يصوم مع الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الصوم يوم يصومون، والفطر يوم يفطرون»، وما يصوم الإنسان وحده. قال: مسألة عند الشافعي: إذا أصبح المقيم صائمًا ثم سافر، فجامع في ذلك اليوم، وجب عليه الكفارة. وعند مالك وأبي حنيفة: لا كفارة عليه، وهي إحدى الروايتين عن أحمد. فالإنسان أصبح مقيمًا، فهو واجب عليه الصوم، ثم بدا له أن يسافر، أو جاءه ظرف فسافر، أخذ مثلاً زوجته وسافر، فهل يجوز له أن يجامعها وهو مسافر في ذلك اليوم؟ أيضاً هذه المسألة متعلقة بمسألة قد أخذناها من قبل، وهي: إذا أصبح الإنسان مقيمًا صائمًا ثم سافر في النهار، فهل له أن يفطر أم ليس له أن يفطر؟ والصحيح قلنا: أن له أن يفطر؛ لأنه مسافر، سواء كان سافر أول النهار أو قبله، وسواء كان حتى لو سافر في آخر ساعة من النهار، مثلاً سافر قرب المغرب، فهنا له أن يفطر. فلذلك، مادام أن له الإفطار، فمن باب أولى أن له أن يجامع، سواء كان أفطر بالجماع أو أفطر بأكل وشرب، كله جائز. وكان أكد؛ لأن بعض العلماء يقول: لابد أن يفطر بأكل أو شرب، وهذا ليس صحيحًا. سواء أكل أو شرب أو جامع، فكله جائز، مادام أنه قد أفطر بسبب السفر، لأن السفر رخصة من الله عز وجل. قال: مسألة عند الشافعي وأحمد في الرواية الصحيحة عنه وأكثر العلماء: إذا شاء الصوم في السفر ثم جامع، لا كفارة عليه. وعند مالك: يجب عليه الكفارة في رواية. يعني: إذا كان مسافرًا ثم صام، إذا كان مسافرًا ثم صام في سفره، لإنسان ذهب إلى العمرة ومعه أهله، وهو جالس هناك في مكة مثلاً، وهو في سفر، صام ذلك اليوم وهو مسافر، ليس مقيمًا، أنا عنده، أنا عنده أيام وسيرحل، فسافر أو صام في ذلك اليوم، ثم أفطر على الجماع، فهل عليه كفارة؟ فمذهب أكثر العلماء أنه لا كفارة عليه، هو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية مشهورة عنه؛ لأنه يجوز له الإفطار، وكما يقول الفقهاء: أن المتطوع أمير نفسه، وهذا يشبه المتطوع؛ لأن له رخصة الإفطار، وله رخصة الصيام. لكن كثير من العلماء يقول: كالشافعي، إذا صام لزمه الصيام، لزمه الصيام. وهذا معنى عند كثير من العلماء ليس صحيحًا، كما قال شيخ الإسلام: مادام أن له رخصة الفطر، فيترخص فيها متى شاء، متى شاء ترخص. والنبي عليه الصلاة والسلام قد جعل من يفطر وهو صائم، قد صام رمضان أو صام يوماً من رمضان، لكن لما تعب أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطر، كذلك أمر الصحابة رضي الله عنهم أن يفطروا، فلما بلغ كراع الغميم أفطر وأمر الناس بالفطر، وكان في رمضان، لما كان ذاهبًا إلى مكة، وفي فتح مكة، فأفطر وأمر الناس بالإفطار، وقال: «إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم». فلذلك فالمسافر له حق، أو له رخصة، أنه يفطر في أي وقت شاء، فإذا أفطر بجماع أهله، فإن فطره صحيح، وليس عليه شيء، لا كفارة ولا شيء. طيب، إن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. فهذه بعض المسائل، ونكمل هذه المسائل في وقت لاحق. فكتب بهذا، والله تعالى أعلم.