الاقبال على الله 8

الدرس في الاقبال على الله 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في أهمية المجاهدة

يبدأ الحديث عن أهمية المجاهدة في الإقبال على الله، حيث يحتاج الإنسان لمجاهدة نفسه لمواجهة المعوقات والعوارض. الإقبال على الله يتطلب مجاهدة عظيمة لمواجهة الفتن والشهوات.

مجاهدة النفس ضد وساوس الشيطان

يتطرق إلى حرص الشيطان على إغواء الإنسان، خاصة عند توبته، فيستخدم الوساوس والشكوك لإعادته للمعاصي. يحتاج المسلم لمجاهدة نفسه ضد هذه الوساوس والصبر عليها.

دور الصبر والإقدام في مجاهدة النفس

يُبرز أهمية الصبر والإقدام في مجاهدة النفس والإقبال على الله، حيث يحمي الصبر من الرجوع للمعاصي ويمكّن الإقدام من المضي في الأعمال الصالحة.

تحقيق أركان الجهاد لاستمراره

يُشدد على أهمية تحقيق أركان الجهاد لضمان استمراره على الوجه الصحيح، ويبين أن الجهاد سيستمر بفضل الله تعالى إذا تحققت أركانه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في الكلام على خلق الإقبال على الله عز وجل، ضابطا رابعا من الضوابط التي ينبغي أن يضبط بها الإقبال على الله عز وجل. وفي هذا اليوم أيضا نأخذ ضابطا من هذه الضوابط التي يصح بها هذا الإقبال، وأيضا يستمر هذا الإقبال، ألا وهو المجاهدة، أن يجاهد نفسه على هذه الطريق، وعلى الإقبال على الله عز وجل؛ لأن الإقبال يحتاج إلى مجاهدة، إلى مجاهدة عظيمة؛ لأن فيه معوقات كثيرة، وعوارض كثيرة، وأشياء تعترض الإنسان في طريقه، يحتاج منه إلى مجاهدة حتى يستمر، وإلا لو كسل وترك، فإنه سيفسد عليه هذا الإقبال. ولهذا أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات. الجنة حفت بالمكاره -المراد- وحيطت بما يكره الإنسان، فالإنسان إذا توجه إلى طريق الجنة يجد صعوبات في طريقه، يجد صعوبات في طريقه كثيرة. ولهذا سأل عمر رضي الله عنه أبا بكر رضي الله عنه عن التقوى كما جاء في «الحلية»، فقال له: أرأيت طريقا سهلا، ثم رأيت طريقا ذا شوك، ماذا فعلت؟ قال: شمرت واجتهدت، شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. أي أن تجتهد في الأعمال الصالحة. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فلهذا لابد من المجاهدة في هذه الطريق؛ فإن الشيطان يتربص بالمقبل على الله، يجلس في طريقه. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الشيطان جلس لابن آدم في طرقه، لما أراد أن يسلم، لما أراد أن يهاجر، لما أراد أن يجاهد. فتجد أن الشيطان يجلس في طرقه كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا فأعظم الهجرة إلى الله عز وجل هو الإقبال عليه، والتوبة مما قد مضى، فهي أعظم الهجرة، وهي إقبال على الله، فيحتاج إلى مجاهدة عظيمة. وقد جاء في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذا الجهاد هو أفضل الجهاد، فإنه أفضل من جهاد المشركين بالسيف؛ فإصلاح النفس أعظم. فلهذا جاء في حديث معاذ عند أحمد وأبي يعلى وغيرهما، وإسناده لا بأس به، أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: «أن تجاهد نفسك في طاعة الله». وجاء أيضا من حديث عبد الله بن عمر عند أحمد والترمذي في بعض النسخ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله»، كما في بعض الروايات: «من جاهد هواه». فهذا المجاهد يجاهد نفسه؛ لأن النفس -كما ذكرنا قبل- تبتلى بالفتن، فتنة الشبهات، وفتنة الشهوات. ولهذا وهذا أمر ينبغي أن يتفطن له، وأن ينتبه له المقبل على الله عز وجل؛ غالبا يحرص الشيطان على أن يضله، وأن يرجعه إلى ما كان عليه. ولهذا يجد التائب والمقبل على الله صعوبة جدا في مسألة المجاهدة، ومسألة الأعمال، ومسألة الاستمرار؛ لأنه يأتيه الشيطان فيشكك عليه الطريق، إما أن يأتي له بشبهات، أو يأتي له بشهوات، تنفتح له دنيا، ينفتح له شيء من الأبواب التي قد تعرضه للفتن. فلهذا فالشيطان حريص على ابن آدم، حتى أحيانا -وهذا مشاهد أيضا- كثير من الإخوة الذين رجعوا عن طريق المعاصي وغيرها أصابهم حتى أن الشيطان أحيانا يتلبس بهذا التعيب، تجد أنه يتلبس به إذا لم يجد مجالا أن يغويه، حتى أنه يتلبس به لأجل أن لا يجعله يستمر في هذه الطريق. فلهذا فيحتاج مثل هذا إلى مجاهدة، يجاهد نفسه. وتجد كثيرا من الناس من يرجع إلى الخلف عندما يتوب إلى الله، يصاب مثلا بمرض المس، أو يصاب بمرض الشكوك، ولوهام تأتي له، أوهام وغيرها، فتجد أنه يقول: أنا كنت في المعاصي وما أحسست بهذه الأشياء، والآن لما جئت إلى هذه الطريق أحسست بهذه الأشياء. وهذا قد سئل عنه الحسن البصري رحمه الله، فجاءه رجل وقال له: لما كنت في المعاصي أشرب الخمر وكذا، ما كانت تأتيني هذه الوساوس والشكوك. قال: فلما تبت إلى الله جاءتني شكوك ووساوس وكذا. فقال له الحسن: قد كنت بقلب غافل، والشيطان ماذا يفعل بالقلب الغافل؟! أما الآن فقد وضعك في أصحابه، فهو يوسوس لك أو يشكك عليك. وإنما يريد الطائع، يريد المقبل على الله؛ فهو قد حلف أن يعترض بني آدم في طريقهم إلى الله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وقد حلف برب العزة: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. فلهذا حنق وحسد من عنده حنق على بني آدم؛ ولما أمره الله عز وجل بالسجود لآدم أيضا أبى واستكبر، وكان من الكافرين. فلهذا فهو عدوه بن آدم، أو أعداؤه بن آدم، أعداؤه الذين يحب أن يعترضهم في طريقهم إلى الله. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. فلهذا في هذا -كما قلنا- يحتاج المسلم والمقبل على الله عز وجل أن يجاهد نفسه، يجاهد نفسه من الشبهات ومن الشهوات. الآن النفس اعتادت شهوات اعتادت شهوات كانت تفعلها، فإذا خرجت من هذه الشهوات تحتاج إلى مجاهدة وصبر حتى يرغمها أنها لا ترجع، أنها لا ترجع إلى هذا. ولهذا ذكر العلماء من شروط التوبة العزم على عدم العودة، العزم على عدم العودة. أما إن كان إنسان عازم أنه سيعود، هذه ليست توبة صحيحة؛ أنه عازم على أن يعود إلى هذه الأشياء التي كان يفعلها، هذه ليست توبة صحيحة. وليس من شروط التوبة العودة إلى المعاصي أو إلى ما تاب منه، ليس من شروطها؛ لأن الإنسان تضعف نفسه، لكن لا بد أن يعزم على أنه لا يعود. وهذا الشيطان يأتيه بعد ذلك يزين له تلك الشهوات، وأيضا قد يغريه مثلا ببعض الأشياء التي تكون في تلك الشهوات، قد يكون مثلا إنسان كان واقعا في الزنا أو واقعا في اللواط أو واقعا في كذا، فإذا تاب ورجع تجد أن الشيطان يزين له بعض النساء، أو يتصل به بعض الأولاد أو كذا، أو تأتيه بعض الأشياء التي قد تغريه من هذه الحيثية. فلهذا فالشيطان يكون بالمرصاد له، فيحتاج إلى مجاهدة. فلهذا المجاهدة لابد منها، والمجاهدة لها أركان تعتمد عليها. المجاهدة في الأعمال الصالحة لها أركان تعتمد عليها. أول ركن هو الصبر، أول ركن هو الصبر؛ فالصبر هو ركن الركن الركين للاجتهاد. فالإنسان إذا لم يكن عنده صبر ما يستطيع أن يجتهد ويجاهد نفسه، ما يستطيع أن يجاهد نفسه؛ لأنه إذا أراد أن يصبر نفرت نفسه ورجع إلى ما كان عليه. فلهذا كثيرا تجد من العائدين إلى الله والمقبلين على الله تجد أنه يرجع إلى ما كان عليه، بل إلى ما هو أسوأ؛ بسبب عدم صبره على الطاعة. أحيانا حتى قد يكون ابتلاء من الله عز وجل يغير حالك، قد يكون إنسان مثلا لما كان في وقت المعاصي ووقت البعد عن الله تجد عنده أموال وعنده الدنيا، يأتي بالمال من هنا ومن هنا ما يبالي بالحلال بالحرام، لكن لما يتوب ويقبل على الله تجد تتقلص عليه الدنيا، ما يجد تلك الأموال التي كانت معه. وهذا أيضا واقع، فبعضهم ما يصبر يرجع إلى ما كان عليه؛ لأنه كان يرى الأموال عنده وكذا، فيرجع إلى ما كان عليه. وهذا من الابتلاء، يبتليك الله عز وجل ويرى هل هذا إقبالك صحيح أو أن لك أغراض أخرى. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. فلهذا -كما قلنا- من أعظم أركان المجاهدة والجهاد هو الصبر، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾. والمصابرة هو حبس، معنى إرغام النفس على الصبر، معنى يتصبر. ومن يتصبر يصبره الله، معنى ليس صبر فقط، بل يجاهد نفسه على الصبر، ويصبر نفسه بالقوة. فهذا التصبر الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «ومن يتصبر يصبره الله»، أي من يطلب هذا الصبر ويعمل بأسبابه فإن الله عز وجل يصبره ويثبته. فلهذا يحتاج في المجاهدة إلى الصبر، والأمر الثاني من أركان المجاهدة هو الإقدام، وذكره بعض العلماء بالشجاعة، خلق الشجاعة والإقدام. لابد أن يكون مقداما في الأعمال الصالحة، في الأعمال الصالحة، لا يكون كسولا ولا يكون جبانا وغيرها من هذه الأمور التي تعاكس هذا الخلق أو هذه الصفة، صفة الإقدام. فالمجاهد أو الجهاد يحتاج إلى إقدام؛ لأن الإنسان أيضا -كما قلنا- يصاب بعوارد، يصاب بشكوك، يصاب أيضا بفتن تأتيه، فلابد يحتاج إلى إقدام حتى يكسر هذه الفتن، حتى يتجاوز هذه الفتن، ويتجاوز هذه الابتلاءات. فلهذا يحتاج إلى إقدام في هذه الأعمال الصالحة. إذا صابر وأقدم فإنه لا شك أنه يعتبر مجاهدا؛ فإن جهاد النفس أو الجهاد أن يجاهد العبد نفسه في ذات الله جل وعلا، فلا يجعل الكسل يسري عليه. مع أن الإنسان مثلا المقبل على الله يحتاج إلى إقدام حتى يعمل، حتى يقدم أكثر. وكما ذكرنا في الحديث الذي قد ذكرناه آنفا وأكثر من مرة، أن الله عز وجل يقول: «وإن أقبل العبد إلي شبرا تقربت إليه باعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». فيحتاج كل هذا إلى إقدام على الأعمال الصالحة. وأصل الجهاد هو الإقدام، أصل الجهاد هو الإقدام، لكن هذا الجهاد أو الإقدام يحتاج إلى صبر وغيره. فهذا أهم أركان الجهاد الصبر وكذلك الإقدام، الصبر والإقدام. فإذا حصلت هذه الأركان كانت هذا أو كان هذا الجهاد صحيحا، وأيضا سيستمر بإذن الله عز وجل وبتوفيق الله سبحانه وتعالى على هذا الإقدام أو على هذا الإقبال على الله عز وجل. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس اللاحق. الحمد لله رب العالمين.