الاقبال على الله 10

الدرس في الاقبال على الله 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في محاسبة النفس

يبدأ الدرس بالحديث عن أهمية محاسبة النفس كخطوة أساسية للإقبال على الله، مستشهدا بالقرآن وأقوال السلف. يشدد على ضرورة هذه المحاسبة استعدادا ليوم الحساب.

أنواع المحاسبة للنفس وتطبيقاتها

يناقش المقطع نوعي المحاسبة: قبل العمل لضمان رضا الله عنه، وبعد العمل لتقييمه والاستغفار عند الضرورة. يشدد على أهمية هذه العملية في ضبط سلوك الإنسان.

دور محاسبة النفس في مواجهة الفتن

يبرز أهمية محاسبة النفس في مواجهة الفتن والشبهات، حيث يجب تقييم المدخلات والمخرجات والاستعانة بالعلماء عند الحاجة لعلاج الشبهات وتجنب الانحراف.

ختام الدرس والتوفيق الإلهي

يختتم الدرس بذكر النقاط الهامة ويطلب التوفيق من الله، معربا عن الامتنان لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمواصلة لدروسنا في صفة المراقبة أو صفة الإقبال على الله عز وجل، ذكرنا ضوابط، وآخر ضوابط ذكرنا جهاد النفس، وذكرنا أيضا في جهاد النفس أركانا ينبغي للمجاهد لنفسه أن تكون عنده هذه الأركان. ذكرنا الصبر والإقدام والرجاء. إن شاء الله تعالى، في هذا اليوم نذكر أيضا ركنا آخر لابد منه في مجاهدة النفس، ألا وهو محاسبتها. فإن محاسبة النفس لابد منها للعبد المقبل على الله عز وجل، وإلا فإنه سيصيبه التلف، كما قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: «فإن المرء إذا لم يحاسب نفسه أصابها الهلاك والتلف». فلهذا يحتاج المسلم إلى محاسبة نفسه. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾. وهذه الآية أصلا في محاسبة النفس، فإن الإنسان ينظر في نفسه لأنه مقبل على الله عز وجل، فيتجهز بهذه النفس للقاء الله جل وعلا. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾، أي أن تنظر في أعمالها ما الذي قدمته وما الذي سيؤخره، ومن هذا الإقدام على الله عز وجل، ومن هذا الإقبال على الله، فلابد أن ينظر ما هذا الذي سيؤخره وما هذا الذي سيقدمه. فلهذا تنظر هذه النفس ما قدمت لذلك اليوم. وكما قال خليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما ذكر ذلك الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون، لا تخفى منكم خافية». أي أن العبد سيعرض عمله على الله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا. ما من إنسان إلا وسيحضر عمله، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا. فلهذا ينبغي عليه أن يستعد لذلك اللقاء العظيم، يستعد لذلك اليوم الذي يلقى الله عز وجل بأعماله. فلهذا تنظر هذه النفس في هذه الأعمال، ولهذا فإن العبد لا بد أن يحاسب نفسه. فإن لم يحاسب نفسه هلك. وأيضا المحاسب لنفسه تكون نفسه حيا دائما ومتيقظة، لأن المحاسبة هذه هي قطع طريق الأعداء. كما ذكرنا قبل أن المقبل على الله له عوارض وله أيضا أعداء يتربصون له في الطريق. وهذه المحاسبة تقطع عليهم هذه العداوة. وأيضا تدافع عن العبد وتدافع عن نفسه، فيحتاج العبد إلى أن يحاسب نفسه. والمحاسبة هذه على نوعين: محاسبة قبل العمل، ومحاسبة بعد العمل. محاسبة قبل أن يعمل الأعمال أو قبل أن يتكلم بالكلام. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». فهذه محاسبة إذا أراد أن يتكلم بشيء حاسب نفسه: هل هذا الكلام يرضي الله؟ بل كما قال الإمام ابن القيم: إن محاسبة النفس قبل العمل تكون في ترك الواجب، وكذلك في فعل المحرم، وكذلك حتى في المباحات. يعني في المباحات ينظر: هل هذا يقرب إلى الله؟ هل هذا الفعل قد يؤديه إلى الحرام؟ فإنه قد يفعل الشيء المباح، وهذا الشيء المباح قد يؤديه إلى أمور محرمة، أو يكون مساعدا في إغفال قلبه. وقد يكون أيضا العكس، قد يكون الأمر المباح عونا له على الطاعة. مثل ما قال معاذ، كما في البخاري: «إني لأحتسب نومتي وقومتي». كان السلف يجعلون نومهم عبادة يتقون به على طاعة الله جل وعلا. فلهذا فالمحاسبة أيضا تحتاج إلى محاسبة قبل العمل. قبل أن يعمل أو أنه إذا خاف العدو، فإنه يحاسب نفسه لكي يجعل نفسه متيقظا. والمحاسبة بعد العمل أيضا مهمة، كما قال الله عز وجل: ﴿وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. فلهذا تحتاج النفس لهذه المحاسبة، سواء كان قبل الفعل أو بعده. وسواء كان إذا فاته المحاسبة قبل الفعل، فإنه لا يفوته المحاسبة بعده. ولهذا كان الأئمة يحثون على هذا. كان مالك بن دينار يقول: «رحم الله امرئا قال لنفسه: اتق الله، ثم ألزمها كتاب الله، فكان لها قائدا». أي أخذ نفسه وحاسبها، يقول لها: اتق الله، لا تفعل الحرام كذا، ثم قادها بكتاب الله، جعل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قائدا له. وكان أيضا ميمون بن مهران يقول: «حاسب نفسك كما يحاسب الشريك شريكه». بل قال بعض السلف: «حاسب نفسك كمحاسبة الشريك الشحيح». عندما يحاسب شريكا الشريك الشحيح الذي لا يترك شيئا يفوته، لا يترك شيئا يفوته، وأبدا يحاسب صاحبه. لأن هذه النفس مثل الشركة معنا. كلام العلماء يدل على أن هذه النفس مثل الشركة. فالشركة إذا أهملتها ضاعت الأموال. وإذا حاسبت وجعلت محاسبا يحاسب: ما الذي يخرج؟ ما الذي يدخل؟ ما الذي كذا؟ فإنه يبقى هذا المال. وأيضا يعرف صاحبه مواردة: أين دخل هذا؟ وأين خرج هذا؟ وأما إذا سيب المال عليه، فلا يدري أين دخل المال وأين خرج. وبعد ذلك تذهب الأموال ولا يدري أين تذهب. قد يربح لكثرة الأرباح، ممكن يربح، لكنه بسبب الإهمال قد يخسر أشياء كثيرة. فالمحاسب لنفسه هكذا، كما قال العلماء: يحاسب مثل ما يحاسب الشريك شريكه. يحاسب نفسه في الدخول والإخراج: ما الذي تخرجه؟ وما الذي تدخله على نفسه؟ هل هذا الذي يدخله على نفسه صحيح أو ليس صحيحا؟ قد يكون بلاء، قد يكون فتنة. هل هذه يدخلها أو لا؟ مثل ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما ذكر ابن القيم: «كانت تدخل علي الشبه فتورد علي أشياء». قال: فسألت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما العلاج بهذا؟ قال: «اجعل قلبك كالزجاجة، ولا تجعل قلبك كالإسفنجة». اجعل قلبك كالزجاجة، إذا جاءت الفتنة تعرضها، ما تدخلها. مثل الإسفنجة تشرب. وهذا مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء». وهذا إلى آخر الحديث. فالقلب الذي يتشرب الفتن تحصل فيه مصائب، لكن الذي يعرضها ما يدخل. وإن جاءته شبهة ما يقول: لا، هذا كلام صحيح. معناه هذا الشيخ الذي ذكر هذا خطأ، هذا الكلام تمام. ويدخل على النفس شبهة، ثم بعد ذلك تجد مع الأيام ينحرف ويبتعد عن الخير أو يبتعد عن الطريق الصحيحة. وهذا بسبب نفسه أنه أدخل على النفس أشياء. لكن يعرض هذه، ينتظر، ولا يدخل هذه الشبهة. ينظر: هل هذه صحيحة؟ يقرأ في الكتاب والسنة، ما عرف، يسأل العلماء، يسأل العلماء: هل هذا الكلام صحيح؟ انظر إلى العلماء الذين كانوا قد دخلت عليهم بعض الشبه، فسألوا العلماء فبينوا لهم. يزيد الفقير، كما في صحيح مسلم، لما دخلت عليه شبهة الخوارج، سأل جابر بن عبد الله، فأخرج ذلك من قلبه، وصار من علماء السلف. أيضا عبد الله بن فيروز الديلمي، لما دخلت عليه شبهة القدر، خرج إلى المدينة، ذهب إلى المدينة وسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سأل أبي بن كعب، وسأل عبد الله بن عمر، وسأل أبا أيوب الأنصاري، وسأل أيضا زيد بن ثابت، فحدثوه عن النبي عليه الصلاة والسلام، فزالت تلك الشبهة. فلهذا يحتاج الإنسان إلى مثل هذه المعالجات. إن استطاع أن يعالج نفسه عالجها، وإلا سأل من هو خبير بذلك. فلهذا فالمحاسبة لا بد منها، وإلا كما قلنا، كما ذكر الإمام ابن القيم: «إذا لم يحاسب الإنسان نفسه فإنها غالبا تتلف أو تهلك». تذهب هذه النفس، وما يستطيع الإنسان أن يستمر في طريقه. إذا لم يحاسب نفسه، فلهذا فالمحاسبة من الأمور العظيمة في جهاد النفس التي يحتاجها المقبل على الله عز وجل. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، ونكتفي بهذا، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير. والحمد لله رب العالمين.