الاقبال على الله 9

الدرس في الاقبال على الله 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الرضا وأهميته في المجاهدة

الرضا هو ركن أساسي في المجاهدة ويعني الرضا بقضاء الله وقدره وأحكامه الشرعية. ينقسم الرضا إلى واجب ومستحب حسب نوع الحكم أو الابتلاء.

أهمية الرضا بحكم الله في جهاد النفس

الرضا بحكم الله واجب وهو صفة عظيمة يحتاجها المجاهد لنفسه، حيث يبتلى الإنسان في الدنيا ويحتاج إلى الرضا بقضاء الله وقدره. الرضا يختلف عن الصبر حيث يكون الرضا أمر زائد ومستحب في بعض الأحيان.

دور الرضا في تعزيز الصبر عند الابتلاء

الرضا يحمي الصبر في مواجهة الابتلاءات، حيث يكون الشخص الراضي أكثر صبرًا، بينما عدم الرضا يؤدي إلى التسخط وعدم الصبر. الرضا ضروري للمقبلين على الله لضمان استمرارهم في الطاعة والعبادة.

خاتمة الدرس والإشارة إلى ما سيأتي لاحقًا

يختتم المتحدث درسه بالإشارة إلى وجود نقاط أخرى سيتم تناولها لاحقًا، ويكتفي بما تم شرحه حتى الآن. الدرس تضمن جوانب مهمة حول الرضا وأهميته في حياة المجاهدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فلازلنا في الكلام على ضوابط الإقبال على الله عز وجل. وكما قلنا، أخذنا بالأمس ضابط المجاهدة، وهو ضابط مهم جدًا، وتندرج تحته أيضًا أركان حتى يقوم أو تقوم هذه المجاهدة أو هذا الجهاد. وخالبًا يطلق المجاهدة على جهاد النفس، جهاد النفس هو المجاهدة، يجاهد نفسه ويجاهد هواه في ذات الله جل وعلا، كما جاء في حديث «أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: أن يجاهد الرجل نفسه في ذات الله». ذكرنا أن هذا الجهاد يحتاج إلى أركان أو ضوابط حتى يكون جهادًا صحيحًا، فذكرنا الصبر والإقدام. وكذلك أيضًا من هذه الأركان التي يحتاجها المجاهدة الرضا، صفة الرضا أيضًا لابد لمن يريد أن يجاهد نفسه، تحتاج هذه المجاهدة إلى رضا، كما أنها تحتاج إلى صبر، سواء كان صبرًا في الابتلاء أو صبرًا في الطاعات أو صبرًا عن المعاصي والسيئات. فأيضًا كذلك تحتاج إلى رضا. والرضا المراد به انشراح الصدر لما يأتي عن الله عز وجل، سواء كان في أحكامه الشرعية أو أحكامه القدرية، فيرضى بقضاء الله وقدره، ويرضى بأحكام الله وشرعه. هذا الرضا عزيز، والرضا ينقسم إلى قسمين: رضا واجب، ورضا مستحب. رضا واجب متفق عليه أنه واجب، بل أحيانًا إذا لم يوجد قد يصل الشخص إلى النفاق، العياذ بالله، إذا لم يكن عنده رضا، وهذا غالبًا في الأحكام الشرعية، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. هذا هو الرضا، أن يرضوا بقضاء الله وبحكم الله جل وعلا، فلا يجد الإنسان حتى الحرج في نفسه، فضلًا أن يجد الكراهة. فالرضا هنا ضد الكره، أي لا يجد في قلبه كراهة لحكم الله أبدًا، وخاصة الحكم الشرعي. وأما الحكم الكوني، فقد اختلف العلماء في الرضا فيه، خاصة في الابتلاءات، هل هو واجب أم أنه من باب المستحب؟ والواجب الصبر. فالجمهور يقولون: إن الواجب هو الصبر، والرضا يعتبر مستحبًا. وقال بعض العلماء، كما هو قول بعض السلف، كالحسن وغيره: إن الرضا أيضًا واجب، الرضا في الابتلاءات أيضًا يجب. وإنما جمهور العلم يقولون بالوجه الآخر: بأنه ليس واجبًا؛ لأن النفس لها أطماع، والنفس خلقت على عجل وعلى طمع وعلى جهل، فلهذا قد تكون فيها كره لبعض الأمور وبعض الابتلاءات. ولهذا صار الرضا ليس واجبًا؛ لأن الله عز وجل لا يعذب على ما في القلب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم». فما كان في النفس وهو ليس مما يعارض الشرع، فهذا لا يؤاخذ عليه الشخص. فمثلًا على سبيل المثال، حتى يتضح الأمر: مثلا إنسان ابتلاه الله عز وجل بمرض أو بفقد حبيب، مثلا بفقد ابنه أو بفقد أمه أو كذا، فلا شك أن الإنسان يصبر، هذا واجب عليه أن يصبر لقضاء الله وقدره. لكن قد يكون هناك كراهة لهذا الشيء لحصول هذا الشيء؛ لأن الرضا إزالة هذه الكراهة التي في القلب. معنى: أنه ما دام أنه من الله، فهو راض عن الله عز وجل، ويعتقد في نفسه أن الله عز وجل ما ابتلاه بهذا إلا وأراد له الخير وأراد رفع درجته وأراد كذا، فهذا رضا. ولهذا، هذه غالبًا النفس ما تتحمله، قد يكون مثلا الإنسان يكره هذا، أنه يجد في نفسه كراهة، لكن يصبر. ما التسخط؟ الصبر هو ضد التسخط الذي يحصل في الابتلاء، لكن الرضا أمر زائد، الرضا أمر زائد. فلهذا بعض العلم يقول -أو أكثرهم- يقول: إنه مستحب. فالرضا في الابتلاءات وفي الأحكام الكونية، وأما الأحكام الشرعية فالرضا فيها واجب. فمن لم يرض بحكم الله، فقد يصل إلى النفاق كما قلنا. ومن الرضا الواجب أيضًا الرضا عن الله وعن كتابه وعن رسوله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث العباس بن عبد المطلب: «من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، فقد قطع الإيمان». وهذا الرضا فيه ما هو واجب، وفيه ما هو مستحب، وزيادة. فمن الرضا عن الله أن يرضى عن أحكامه الشرعية، فهذا واجب. وفيها أيضًا الرضا عن أقداره، وهذا كما قلنا عند جمهور العلم مستحب. لكن نحن الآن ما نتكلم على الواجب والمستحب، وإنما نتكلم على صفة الرضا نفسها. وإنما هذا لأجل أن يفهم هذا الباب. لكن صفة الرضا نفسها صفة عظيمة، لابد للمجاهد نفسه. وكذلك هذه الصفة صفة الرضا تستحق أن تكون ضابطًا للإقبال، لكن أدخلناها في جهاد النفس؛ لأن ارتباطها بالنفس أكثر، الرضا ارتباطه بجهاد النفس أكثر. فلهذا أدخلناها من الأركان، أركان جهاد النفس؛ لأن النفس تحتاج إلى صبر ورضا وإقدام، وأيضًا أشياء أخرى إن شاء الله وتعالى ستأتي. فإذا وجد هذا الرضا، فإنها تكمل هذه النفس في مجاهدتها؛ لأن الصبر لابد منه، تحتاج إلى صبر. ولهذا ربنا جل وعلا في الرضا ذكر هناك أناس من خيرة الناس، ذكر ربنا جل وعلا أنهم رضوا بحكمه، ورضوا كذلك أو بحكمه بأحكامه القدرية والشرعية، فقال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وأيضًا تجد أن الله عز وجل ذكر أيضًا الرضا عن أناس يريدون أن يرضوا بأشياء من أمور الدنيا، ما يرضون إلا بأشياء من أمور الدنيا، وأما قلوبهم فهي كارهة، مثل ما ذكر ربنا جل وعلا عن المنافقين: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فالرضا لحكم الله عز وجل لا بد منه، وواجب على العبد أن يرضى بحكم الله، ولا يجوز له أن لا يرضى بحكم الله. مثلا بعض الناس تجدهم مثلا إذا جاء الحكم ضده يقول: أنا ما سأتحاكم، أنا أريد عند فلان، مثل ما يفعل أيضًا كثير من الناس الذين لهم أعراف وأسلاف، مثل بعض البدو وكذا، تجد لهم أعراف وأسلاف يرجعون إليها. فإذا جاء الحكم ضده قال: أنا سأذهب إلى الشيخ الفلاني، نحن عندنا عرف وأسلاف. وهذا كلام باطل، بل هذا قد يؤديه للكفر والعياذ بالله؛ معنى: ما يرضى بحكم الله، وإنما يرضى بحكم العرف والأسلاف. فإن رأى هذه العرف والأسلاف جائز الحكم بها أو أنها أفضل من حكم الله، فهذا لا شك أنه يكفر. لهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيمن يؤمن بهذه العرف والأسلاف قال: إن كانوا يعلمون أنها مضادة لحكم الله وهم يتعاطونها فهم كفار، وإلا كانوا جهالا. فلهذا يحتاج كما قلنا المجاهد الرضا، رضا نفسه؛ لأنه سيواجه أحكامًا، سيواجه أحكامًا من حكم الله عز وجل، هل سيرضى بحكم الله؟ فهذا لا بد منه، وإلا كان سلوكه غير صحيح. أيضًا كذلك سيبتلى، سيبتلى في هذه الطريقة، هل سيرضى أم أنه سيتسخط وأيضًا يتقهقر؟ فلهذا يحتاج إلى رضا. وفي الترمذي، في حديث أبي هريرة وغيره: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». فمن رضي بابتلاءات الله عز وجل، إنسان مثلا يمشي في طاعة، يمشي في دعوة، يمشي في كذا، يحتاج إلى صبر ورضا؛ لأنه ستصيبه ابتلاءات، فلا يجعل الكره في نفسه لهذه الابتلاءات؛ لأنه لو جعل هذا الكره في نفسه سيؤدي هذا الكره إلى عدم الصبر. الرضا يعتبر حماية للصبر في الابتلاءات، الرضا يحمي الصبر. الإنسان ما يرضى إلا وقد صبر، وإلا ما سيأتي الرضا بدون صبر. الصبر ولهذا كما قلنا قال العلماء: إن الصبر واجب. فلهذا الصبر يحميه الرضا إذا وجد الرضا، فهو صبر وزيادة. إذا لم يوجد الرضا، فالإنسان مهدد بذهاب الصبر. ولهذا تجد -وهذا واقع- مثلا تجد أحيانًا بعض الناس يبتلى بمرض، ويكون هذا المرض فيه سنوات، فتجد في أول السنوات أو في أول سنة يصبر، صابر، وإن كان في قلبه شيء من الكره، لكنه صابر على هذا المرض. لكن إذا استمر سنوات تجد أنه يضجر ويأتي بكلمات التسخط: لماذا أنا؟ لماذا كذا؟ منذ يأتي كلما جاءه أحد يشتكي عنده: منذ أن عرفت نفسي وأنا في هذا المرض، منذ كذا وأنا مريض، ما أدري أيش فعلت، ما أدري كذا. هذه الكلمات كلها من السخط ومن التسخط على أقدار الله عز وجل، وأيضًا عدم الصبر؛ لأنه ترك الرضا في بدايته، ثم أورثه ذلك عدم الصبر. لكن الإنسان إذا تسلح بالرضا، فإنه لا يصل إلى التسخط أبدًا، لا يصل إلى التسخط؛ لأن الرضا كما قلنا حماية للصبر، حماية للصبر، إلا إذا ترك الرضا. فلهذا إذا جاءه البلاء صبر ورضي بهذا البلاء، يشرح صدره بهذا البلاء. وهناك بعض المفاهيم التي في هذه المسألة: الرضا والصبر، خاصة في الابتلاء، ليس هذا بابها. لكن نحن الآن نريد أن نبين أن المجاهد لنفسه الذي يريد جهاد نفسه لابد أن يغرسها على الرضا بحكم الله وبقضائه وقدره، بحكم الله الشرعي والقدر، لابد أن يرغمها على ذلك، وإلا تفلتت هذه النفس. وسواء كان في الأحكام الشرعية، وهي الأحكام الشرعية، أو كذلك الأحكام حتى العبادات، العبادات تحتاج إلى رضا، تحتاج إلى رضا. وهذا أيضًا يدخل في قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وهذا الرضا الذي يكون في العبادات هو الطمأنينة التي يجدها الشخص، الرضا في العبادات وفي الطاعة هي الطمأنينة التي يجدها الشخص في العبادة، إذا وجدت هذه الطمانينة، معنى: الرضا موجود، أنه يجد رغبة إلى الطاعة، معنى: كل ما جاء إلى الطاعة وجد رغبة، ما يجد الكره، معنى: ما يأتي الطاعة إلا وهو راغب فيها، كأنه مغصوب، مثل ما ذكر الله عز وجل عن المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾. معنى: يأتي ليس عن الرضا، ليس معنى: يريد هذه العبادة وراغب فيها، وإنما يأتي كأنه يريد أن يؤدي فقط شيء واجب. كلما أذن الأذان أو إقامة الصلاة، معنى: يذهب إلى المسجد الآن يذهب وهو ليس عنده رغبة. وهذا إن عدم عنده الرضا أو قل جدًا، فهذا مهم. أيها الإخوة، أيضًا كذلك الإنسان ما يجد رغبة في قراءة القرآن، إيش هذا؟ هذا عدم الرضا أيضًا. إذا كان إطمأن لقراءة القرآن، فهذا هو الرضا الذي وجد في قلبه. فالرضا يتمثل في الطمأنينة والسكينة وغيرها من هذه الأمور التي تكون مع العمل، فهذا معنى الرضا. فهذا هو حقيقة الرضا الذي يكون في النفوس. فهذا يحتاجه المقبل على الله عز وجل؛ يحتاجه المقبل على الله؛ لأن عدم الرضا سيورثه إلى أن يرجع إلى الخلف، وما سيقبل، بل سيرجع إلى القهقرى. وأيضًا قد ينحرف، قد أيضًا يذهب إيمانه والعياذ بالله. فلهذا فيحتاج كما قلنا سالك إلى الله عز وجل والمقبل على الله في جهاد نفسه يحتاج إلى الرضا، كذلك مع الصبر ومع الإقدام. وأيضًا هناك بعض الأشياء إن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.