الدرس في رمضان والمقامات الحسان - الإيمان بيوم المعاد 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبرز المقطع الأول أهمية الإيمان باليوم الآخر كأحد أصول الدين وعلاقته بشهر رمضان، حيث يُعزز هذا الإيمان من خلال تشريعات وفضائل الشهر، ويشير إلى الركائز الثلاث لهذا الإيمان وهي الأحوال البرزخية والحساب والجنة والنار. يُوضح أن رمضان يهيئ المؤمنين للإيمان بالآخرة ومراحلها.
يتناول هذا المحور شفاعة الصيام والقرآن للعبد يوم القيامة، حيث يشفعان لمن صامهما ويمنعان عنه العذاب، مع اختلاف العلماء في تفسير الصيام هنا بين رمضان خاصة أو عموم الصيام، ويُظهر فضل هذه العبادات في الآخرة.
يُشير هذا الفصل إلى فضل الصيام في رمضان ودوره في دخول الجنة، حيث يُذكر أن للصائمين بابًا خاصًا في الجنة يُدعى الريان، وأن الصيام من أعظم الأعمال التي تقرب العبد إلى الله وتُدخله الجنة مع الصديقين والشهداء، ويُبرز أهمية الصيام في تحقيق هذا الفضل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات العظام والتي أود أن أتحدث عنها في هذا المقام ما يتعلق بمقام الإيمان بيوم المعاد، الإيمان باليوم الآخر، والذي يعد الإيمان به من أصول ديننا وملتنا، بل إن إيماننا لا يكون إلا بأن تؤمن وتذعن باليوم الآخر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره أو شره». بل إن هذا الإيمان وهو الإيمان بيوم المعاد وهو من أصول الاعتقاد الذي تميز به أهل الإسلام عن سائر أهل الكفر والإلحاد. قال ربنا جل في علاه: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾، وقال: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾ ظن ذلكم زعمًا كذبًا وافتراءً أن يكون يومًا تقام فيه القيامة، هذا ظنهم. أما أهل الإسلام فهم يعتقدون بإتيان هذا اليوم، اليوم الآخر الذي يأتي فيغير الله جل وعلا مجريات الأحوال، ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾. ولهذا، إخواني في الله، كان ينبغي على كل مسلم ومسلمة على دراية ومعرفة بإحوال هذا اليوم الذي هو قادم لا محالة، وأن لا يغيب عن ناظريه لحظة من حياته وعمره. إخواني في الله، كما اعتدنا في هذا المقام لابد من الربط بين رمضان وبين ما نتحدث عنه من مقامات، فياترى هل رمضان من خلال تشريعاته يهدف إلى الإيمان باليوم الآخر؟ الجواب: نعم، ربطًا عظيمًا عجيبًا قويا رصينًا متينة كما سيأتي معنا. رمضان، إخواني في الله، يهدف إلى الإيمان باليوم الآخر، ومن باب التفصيل ينبغي أن نرجع المسألة إلى ما هو أوسع من هذا، ألا وهو أن الإيمان باليوم الآخر قال العلماء: يقوم على ركائز ثلاث، كما هو مصطر في كتب الاعتقاد، الإيمان باليوم الآخر يقوم على ركائز ثلاث، ولابد أن تتوفر فيك الركيزة الأولى: الإيمان بالأحوال البرزخية، وهو ما يكون في القبور من حساب ونعيم وعذاب وعقاب. الركيزة الثانية: الإيمان بالحساب، وأن الأعمال تعرض على رب الأرباب جل وعلا، وما يكون فيها من أهوال. الركيزة الثالثة: الإيمان بالجنة والنار، فالجنة هي دار أعدها الله جل وعلا للمتقين الأبرار، والنار هي دار أعدها الله للمجرمين الفجار، نسأل الله السلامة والعافية. هذه الركائز الثلاثة لا بد أن تتوفر في كل مسلم إذا أراد أن يذعن للإيمان باليوم الآخر. رمضان من خلال تشريعاته ومن خلال مناقبه وفضائله، فإنه يهدف إلى الإيمان بكل ركيزة من هذه الركائز الثلاث، بدءًا بالركيزة الأولى: الإيمان بالأحوال البرزخية، الإيمان من خلال فضائله وتتبع لمناقبه يهدف إلى الإيمان بهذا الباب. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الميت إذا وضع في قبره، ليسمع قرع نعال الناس حين يتولون عنه، فإن كان مسلمًا جعلت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وفعل الخيرات -وفعل الخيرات- من الصدقة والمعروف والإحسان إلى الناس بين رجليه، يحاط بهذه الأعمال». قال عليه الصلاة والسلام: «فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبل مدخل، فيؤتى من قبل اليمين، فتقول: الصيام ما قبل مدخل، فيؤتى من قبل الشمال، فتقول الزكاة: ما قبل مدخل، فيؤتى من قبل رجليه، فيقول الإحسان والصدق والمعروف: ما قبل مدخل». هذا الحديث، إخواني في الله، مع ما يحمله من بشارة من أن الإنسان يسعد بأعماله، وخاصة ما يكون من فرائض الإسلام واجباته، ففيه كذلك دلالة على الإيمان بعذاب القبر، وما يكون من أحوال تجرى تحت أنقاض الأرض، علم بها من علم وغفل عن ذلكم الكثير من غفل. فالإنسان حينها يعلم أن من أعظم ما ينفعه في صده ورده لعذاب القبر ما يكون من صومه، يجعل الصوم عن يمينك يا عبد الله إن كنت من أهله، فحرص يا عبد الله على أن تستكثر من الصالحات حتى تحويك وتمنعك من عذاب القبر. الركيزة الأولى، الركيزة الثانية: إذا بعث الناس وجاء البعث وخرج الناس من قبورهم وتوجه إلى ساحة العشر إلى ساحة الحشر، حينها يحشر ربنا جل وعلى الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أمم لا يخطر على بال أحد على مرمى البصر، قد جمعهم الله جل وعلا في هذه الساحة للحساب، كل يرى إلى عمله، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا. هنا في هذه المرحلة، في مرحلة البعث والنشور والحساب، يفتح الله جل وعلا باب الشفاعة، فضلًا منه ورحمة، يتاح المجال للشفعاء أن يشفعوا لمن شاء، فينبري لهذا المقام السامي أهل الشان، فيشفع الأنبياء ويشفع الملائكة ويشفع الصالحون، وممن يشفع كذلك المقامات هي بنفسها تشفع. فعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي، منعته من الطعام والشراب في النهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي ربي، منعته من النوم بالليل، فشفعني فيه». قال عليه الصلاة والسلام: «فيشفعان»، يستجيب الله لشفاعة الصيام في أهله، والقرآن في أهله. الصيام يشفع، اختلف العلماء ما المعنى بالصيام هاهنا، ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الصيام هنا هو رمضان، رمضان خاصة، بشرى لكم يا من حرصت على صيامي رمضان، هذه رمضانات تجمع لك، فيأتيك يوم القيامة يدافع وينافع عنك، ربي منعته من الطعام والشراب فشفعني فيه، وهكذا القرآن. وهذا القول الآخر من قال أن الصيام هو عموم الصيام، من كان ملازمًا للفرض والنفل، فالشاهد من ذلكم أن في تلكم الفترة مع أهوال القيامة يأتي الصيام يا عبد الله يفرج عنك ما أنت فيه من هم وغم وكرب يوم أن تدنو الشمس على رؤوس الخلق. ثم تأتي الركيزة الثالثة، ألا وهي ما يكون من الجنان، من كان من أهل الصيام يا عبد الله سيفرح فرحًا عظيمًا بصيامه، إذ أن صيامه من أعظم أسبابه، بل كان من أعظم أبوابه التي من خلالها دخل الجنة، كما جاء من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون»، خاص، خاص، مزية، مزية وخصيصة جعلها الله لمن كان من أهل الصيام، أعد الله لهم بابًا، إن في الجنة بابًا لا يدخله إلا صائمون، والحديث متفق عليه من حديث سهل بن سعد. وهذا يدلك على أن رمضان يجعلك تذعن غصبًا ولزومًا بوجود الجنة، وإذا لماذا تعمل إذن؟ عبث ما نعمل، عبث نعمل لكي يوصلنا ربنا جل وعلا إلى رحمته وإلى دار كرامته إلى جنته. فرمضان يقرر في لبوسنا ونعمل بهذا الصيام ونمسك ونأخذ بهذا الإمساك عن الشراب والطعام بغية أن نصل إلى الجنان. هذا الترسيخ لعقيدة المسلم بإيمانه باليوم الآخر، ومن ذلكم الإيمان بالجنة، بل إن المسلم إذا دخل الجنة لا يدخل الجنة في أقل أبوابها، لا يا عبد الله ارفع رأسًا بهذه الفريضة، لا تتعامل معها بأطراف أصابعك، لا بل خذها بجد، فريضة من فرائض الإسلام، لا تتوانى عنها. عن عمر بن مر الجهني رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان وقمته -صيام قيام صيام رمضان قيام رمضان- لا تفرط فيهما، قال: «وصمت رمضان وقمته»، فممن أنا؟ تأمل يا عبد الله، يا من تحرص على الصلوات المكتوبة وعلى الزكاة المفروضة وعلى صوم رمضان ومع القيام. قال عليه الصلاة والسلام لما سأله الرجل: فممن أنا؟ قال: «من الصديقين والشهداء»، من الصديقين والشهداء. وجاء في رواية عند ابن خزيمة وفي صحيح الترغيب والترهيب قال عليه الصلاة والسلام: «من مات على ذلك -على ذلك- كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة». لا تتوانى يا عبد الله، تتساهل مثل هذه الفرائض العظام، الله ما فرضها علينا إلا لأن عظيم عنده، فجعلها فرض الصلاة، الزكاة، الصيام، وهكذا قل في الحج. شهد من هذا الحديث يا عبد الله أن الإنسان يرتقي ويصل إلى هذه المصاف العليا، أين يوم القيامة في الجنة؟ إخواني في الله، تجد أن رمضان يدفع بنا دفعًا إلى أننا نؤمن بكل مراحل الآخرة، إلى متى؟ حتى يوصلنا الجنة، لا بل ما هو أبعد إلى ذلك إلى أين؟ حتى نلقى الله جل في علاه، أعظم نعمة الذي ما بعدها نعمة، أنك تلقى الله بماذا؟ بشعيرة الصيام. قال عليه الصلاة والسلام: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقائه بربه سبحانه وتعالى»، وليكن ذلك إلا يوم القيامة، وهذا مصداق في قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾. ومن أعظم الأعمال الصالحات الذي بها تلقى ربك يا عبد الله الصيام. رمضان، إخواني في الله، من خلال هذه الأحاديث سنعلم حينها علاقة رمضان بيوم المعاد، رمضان من خلال أهدافه يدفع بنا دفعًا إلى ضرورة الإيمان بكل مراحل الآخرة، نؤمن بالحياة البرزخية وفي القبور، نؤمن بما يكون من البعث والنشور، ونؤمن بما يكون من الدخول إلى الجنة دار الحبور. فربنا سبحانه وتعالى ما جعل رمضان، ويكأن رمضان جعله الله جل وعلا من أعظم أسبابه أنه يفعل في قلوبنا الإيمان بالإيمان باليوم الآخر، وأن يربط هذه القلوب بيوم المعاد بالإيمان بالوعد والوعيد، وهكذا بالإذعان والتصديق والاستعداد ليوم الرحيل، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.