رمضان والمقامات الحسان - شعيرة الصيام 17

رمضان والمقامات الحسان - شعيرة الصيام 17

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - شعيرة الصيام 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الصيام وأهميته

يُعد الصيام عبادة عظيمة وقربة جليلة، ويشجع الإسلام على صيام الأيام الفاضلة مثل الأيام البيض ويوم عرفة وعاشوراء. يُنبه إلى أهمية هذه العبادة في حياة المسلمين.

التيسير في صيام النفل وتطبيقاته

يشرح الإسلام التيسير في صيام النفل، حيث يمكن صيام أيام معينة مثل ستة أيام من شوال أو الاثنين والخميس، مع جواز الفطر عند المشقة دون إثم أو قضاء أو كفارة. يشجع على تجربة صيام النفل لتسهيله على المسلمين.

أهمية صوم النفل وفوائده

يُشجع الإسلام على صوم النفل لما له من فوائد دينية وصحية، حيث يُعتبر صوم النفل ميسرًا ومخففًا ومعينًا على الصبر وتحمل المشاق. يُعد أيضًا شفاء للأمراض ويجمع بين الوقاية والعلاج.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام على النبي

يختم بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر الختام أهمية هذه العبادة في الإسلام وعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات الحسان التي أتى بها رمضان أن عودنا على كثير من الطاعات والقربات والعبادات، وخاصة التي تعد من أجل المقامات. وإن من هذه المقامات العظيمة التي تربى عليها كل مسلم ومسلمة في شهر رمضان ألا وهي شعيرة الصيام. الصيام يا عبد الله عبادة عظيمة وقربة جليلة، جاء في حقها الفضائل الكثيرة. قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، مرني بعمل ينفعني الله به. وفي لفظه: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة. فقال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم فإنه لا مثيل له». وفي لفظه: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له». فالصوم إخواني في الله، مع أنه من أعظم أسباب دخول الجنة وما يكون فيه من النفع على العبد في الدنيا والآخرة، فإنه كذلك لا مثيل له، لا نظير له في باب الطاعات والعبادات. ولهذا كم جاءت في حقه من الفضائل التي لا تعد ولا تحصى، منها أن من كان من أهل الصيام نال الشفاعة بصومه، ومن كان من أهل الصيام أعد الله له بابًا يقال له الريان، لا يدخله إلا هم أهل الصيام. ومن صام يومًا في سبيل الله، بعد الله بينه وبين النار سبعين خريفًا، كما قال عليه الصلاة والسلام. فالأدلة كثيرة جدًا تدل على فضيلة شعيرة الصيام، وخاصة في الأزمان والأيام التي جاءت بها التخصيص منه عليه الصلاة والسلام، كصيام الأيام الثلاث من كل شهر، أو الأيام البيض، أو الاثنين والخميس، أو ما يكون ستًا من شوال، أو ما يكون من صوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشوراء، أو ما يكون من صوم شهر الله المحرم، أو من صوم شعبان. لكن من المؤسف إخواني في الله أننا نجد أن الكثير من المسلمين فيمن آمن عن صيام هذه الأيام، محتجين بعدة حجج، ذاك بعلة عدم القدرة والاستطاعة، وذاك يحتج بعدم التحمل والاستحالة، وأنه لا يمكنه أن يصوم هذه الأيام أو تلك الأزمان. ناهيك عما يكون من تثبيط الشيطان لكثير من أهل الإسلام، فتجد أن الكثير منهم ما ركن على هذا الباب، فرط كثيرًا في أمر الصوم. فحينها جاء رمضان، جاء هذا الشهر المفضل، والذي وضع كل مسلم ومسلمة غصبًا ولزومًا وإجبارًا أن يصوم، وههم الناس وها نحن قصبنا هذه الأيام الكثيرة المتكاثرة، ولله الحمد والمنة. أيام وليالي تتبع، والناس على وتيرة واحدة من صيام ساعات النهار، ونحن بصدد أن يمن الله علينا بصوم شهر بأكمله. فما ظنك يا عبد الله بما دون ذلك من أيام؟ ما ظنك إذا كنت عندك القدرة على صوم شهر بأكمله، بل وتصومه بكل أريحية؟ فلينظر منا كل إلى نفسه كيف كان في رمضان مع هذه الساعات الطوال، ومع إمساكه عن الشراب والطعام، هل وجد من تعب؟ هل وجد من مشقة؟ أم وجد الأمر أصبح أمرًا روتينيًا عندنا الآن؟ أصبح الناس اعتادوا على الصوم إخواني في الله، صحيح لا شك ولا ريب أن في رمضان تأتي إعانة الله سبحانه لمن يصوم هذا الشهر، لكن يقال بالمثل: من صام تلكم الأيام الفاضلة يجد معونة الله سبحانه. ومن جرب يعلم، من اعتاد على أن يصوم شيئًا من هذه الأيام الفاضلات سله يا عبد الله كيف تصوم؟ أخي، ما شاء الله، سبحان الله، معتاد، لو ربما يقوم الاثنين يصوم من غير السحور، الخميس، الأيام البيض، شهر شعبان يكثر من الصيام، شهر الله المحرم يكثر من الصيام، يجد معونة من الله سبحانه وتعالى. ولهذا إخواني في الله، كان من فرضية رمضان أنه جاء يعلمنا ويربينا على شعيرة الصيام. «صوموا فصمنا». ولهذا أوجب الله سبحانه وتعالى الصيام على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر سليم من الموانع. ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. قال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس، ومنها صوم رمضان». فالشاهد إخواني في الله أن رمضان مما جاء به أن ربانا على شعيرة الصيام، على القدرة على الإمساك عن الشراب والطعام، وأن ذلك تربية لنا لما بعد رمضان. بدليل ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر». ويكأن شوال نموذج حي يا من تصومون رمضان وتحتجون أنكم ما تستطيعون إلا في رمضان، جربوا أنفسكم في شوال. تعالوا أخرجوا من رمضان، أخرجوا من فريضة الصيام على أنها فريضة واجبة، دعوا رمضان وتعالوا إلى شوال، صوموا ستة أيام. ولهذا تجد أن الشرع يدفع بنا دفعًا إلى أن الصيام ما يقع في رمضان، بل ما هو رمضان حقيقة إلا تربية لنا على التحمل على شعيرة الصوم. فكان أول خطوة معنا تجربة في شوال. ولهذا تجد الناس ولله الحمد إذا خرج رمضان تدافعوا على شوال، حتى إن من الناس من يصوم اليوم الأول من العيد، لا يصوم اليوم الثاني، يتبعه مباشرة. ومنهم من يجعل في آخر الشهر، ومنهم في وسطه، الكل يتدافع ولا يجد تعبًا في هذا المضمار. إخواني في الله، سنعلم أن من حكمة الله جل وعلا ومن الأهداف السامية ومن المقامات الحسنة التي جاء بها رمضان أن يعودنا على شعيرة الصوم. أضف إلى ذلك أن شرع من باب الدفع للناس على أن يحرصوا على شعيرة الصوم، أن شعيرة الصيام في النوافل قائمة على التخفيف والتسهيل والتيسير، حتى تكون متاحة لجميع المسلمين. لو تقارن وأنت في رمضان، قارن الآن رمضان وأنت تصوم، قارنها بصيام النفل، تجد أن صيام النفل ويا من أنت الآن تحدثك نفسك على أن النفل صعب، لا والله، لو أنك أنصفت نفسك لرأيت أن من التخفيف والتيسير في النفل ما ليس في رمضان، من عدة وجوه. الأول من حيث الزمان، تجد أن الأيام الفاضلات ما تعد لأن تكون أياما ستة من شوال، ثلاثة من كل شهر، الاثنين والخميس، شيئًا من شعبان، شيئًا من شهر الله المحرم، بخلاف رمضان، برمضان تصوم شهرًا كاملًا. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما استكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام شهر سوى رمضان، فقط الشهر الوحيد الذي يبدأ من أوله إلى آخره بكماله وتمامه إلى خاتمته رمضان. دل على ذلك أن ما دون رمضان ميسر يا عبد الله، ما هي إلا أيام. فهذا من أعظم أوجه التخفيف. زد على ذلك من أوجه التخفيف في صوم النفل أن النفل إن دخلت فيه أنت بالخيار. معنى إذا رأيت أن الوضع ما لا طاقة لك، رأيت أن الجوع اشتد عليك، أخرج من الصوم. أخرج كما قال ابن عباس: «وصلت الساعة الثانية وقد بلغت من الجهد ما بلغت»، قول: «يا أم هاني هاتي بالغداء، بطلنا من الصوم». هل هذا يضرك؟ ما يضرك. قال عليه الصلاة والسلام: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر». أفطر على القول الصحيح. لماذا ترغيب؟ جرب يا عبد الله أن تصوم الاثنين والخميس، جرب، فإذا وجدت مشقة ما هناك كلفة عليك ولا إلزام، أفطر. وزد على ذلك يا عبد الله التخفيف في أمر النفل، أن من أفطر في الأيام النافلة المندوبة لا يترتب عليه شيء، فضلًا عن الإثم، لا يترتب عليه لا فدية ولا كفارة ولا قضاء. كإلزام لا، ما يحسب عليه شيء. بخلاف ماذا؟ بخلاف رمضان، رمضان من دخل فيه وجب أن يتمه، وجب أن يكمله، ليس لك الخيرة إلا بعذر. «من كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر». هؤلاء ليس لهم عذر، وجب أن تتم صومك. ومن أفطر لعذر وجب عليه القضاء إن كان يستطيع، أو بالفدية إن عجز، يترتب عليه أشياء. وهكذا إخواني في الله من أوجه التخفيف في أمر صيام النفل زيادة على ذلكم، أن النية في صوم النفل مخففة. من أوجه تخفيف النية في صوم النفل أنك مثلًا أصبحت نمت، فما استيقظت إلا قبيل الظهر مثلًا أو في الصباح في التاسعة، ثم بدا لك أن تصوم، هل لك أن تصوم؟ صم. رأيت نفسك قلت: «يا أم هاني وين الصبوح وين الفطور؟» قال: «والله ما في»، قال: «كم باقي؟» قال: «باقي ساعتين من الظهر»، ففكرت، ضربت أخماسًا في أسداس، باقي ساعتين من الظهر، ومن الظهر إلى العصر ساعات، ثم المغرب، بصوم، هل ينفع؟ ينفعك كما فعل نبينا، هل عندكم من طعام؟ قالوا: «لا». قال: «فإني صائم». بخلاف صوم الفرض، لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل. إخواني في الله، مثل هذه الترغيب وهذه الأمور التي جاءت في صوم النفل، خاصة معنا ماذا تدل؟ تدل على أن الإسلام يرغب في أن الإنسان يحرص على أن يطلق باب الصوم بين الفينة والأخرى، ولا تغلق على نفسك الباب كما نجده من كثير من الناس. وللأسف لو ربما إذا انتهى رمضان ودع شعيرة الصيام، فما يصوم إلا في رمضان الذي يأتيه، هذا وإن كان قد أدى الواجب عليه، لكن لا تحرم نفسك يا عبد الله. عليك بالصوم فإنه لا عدل له، لا مثيل له، لا نظير له. وقد رأينا إخواني في الله أن الصوم في النفل ميسر مخفف، وفيه من معونة الله ما يشعر به من دخل فيه غماره، ومن كان من أهله ومضماره. زد على ذلك يا عبد الله مع ما تجده من الأجر العظيم والفضل الكبير، هناك منافع عديدة في الصائم في الصوم. من ذلك ما تستشعر به من حال من ابتلي بالحروب والمآسي والكوارث، فأصبح بلا طعام ولا شراب ولا زاد، حين أن تصوم تستشعر بإخوانك وما ابتلوا به ابتلوا به من هذه المآسي من القحط والقلة وشدة في المؤونة وقلة في الزاد. فالصوم مما يذكر بأحوال غيرنا من أهل الكوارث من المسلمين. الصوم يا عبد الله كذلك من فضائله أنه شفاء، شفاء من الأمراض، فيه صحة الأبدان. قال بعض أهل العرفان من أهل الطب: إن في الصوم يجتمع الوقاية والعلاج، وقاية وعلاج في آن واحد. إذا كنت مريضًا فبالصوم تعالج. ولا زالت أهل الطب حتى في العصر الحديث وجدوا أن بعض الأمراض ما تعالج إلا بمثل الصوم، بمثل الصوم. حتى إن من أهل الأمراض لو ربما ما يجد الراحة ما يجد الراحة من مرضه إلا إذا صام، إلا إذا صام وجد نفسه في راحة عظيمة من علة المرض، إذا أفطر تأتيه الأمراض وتتكالب عليه علته، فهو علاج وهو كذلك وقاية. ولا زال، لا أقول والله من أهل الإسلام، بل حتى من أهل الكفر. وانظر الآن إلى العالم الحديث والذي يأمر إلى تقليل الوجبات، وأنك تخفض ذاك الذي يمنع عنك الفطور، وذاك الذي يقلل عنك العشاء، يبحثون عن ما يقلل وهو موجود في الإسلام، الشعير في الصوم. صم يا عبد الله، صم الاثنين والخميس تجد الراحة، تقيك كثيرًا من الأمراض. وأيضًا في الصوم مع أنه وقاية وعلاج وقوة قوة للأبدان وصحة للأجساد، تتحمل يا عبد الله أن تصوم فتتحمل المشاق، تصوم ساعات طوال طوال، ما يضرك شيء إذا أصبح أهلك أو أصبحتم بلا فطور، ما يضرك بلا غداء ما يضرك، لأنك قد اعتدت على الصوم إلى المغرب. وإذا كنت في سفر سفر في ساعات طوال، والله قد وجد هذا من كان من أهل أهل الصيام، لو ربما تمروا الساعات وهم في سفر وما وجدوا مطعمًا ولا ملجأ يأكلون، تجد أن الصوام عادي. وأما الذي ما اعتد من الصوم يبحث عن لقمة جوع جوع. فلا فضائل الصوم كثيرة الدنيوية والأخروية إخواني في الله. فالشاهد من هذا أن رمضان قد أتى بعظيم المقامات، ومن أعظم المقامات أن ربان على كثير من الطاعات والعبادات. وأنا أذكر في هذا المقام شعيرة الصوم. انظر يا عبد الله كيف أنت في رمضان، ثم تساءل لماذا في غير رمضان تتوانى؟ لا يا عبد الله، احرص احرص على صوم رمضان، واجعل رمضان مدرسة نتهيأ فيها لما بعد رمضان، إلى صيام شوال، إلى صيام شهر الله المحرم، إلى صيام ثلاثة أيام من البيض، إلى صيام الاثنين والخميس، وكل على قدر طاقته. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.