مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 15

مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 15

الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الاستشفاء بالقرآن من أمراض الأبدان بالأحاديث النبوية

يوضح المقطع أن القرآن شفاء لأمراض الأبدان كما للأرواح، مستدلاً بأحاديث صحيحة كحديث بريدة في مسلم وحديث أبي سعيد في البخاري. تؤكد هذه الأحاديث جواز الرقية من الحمة والعين وتأثير الفاتحة في شفاء اللدغ، مما يثبت فعالية القرآن في معالجة الأمراض البدنية والسحر والمس.

الرقية بالقرآن: الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات للشفاء والوقاية

أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الرقية بسورة الفاتحة، ووصف ابن القيم تأثيرها العجيب في شفاء الأمراض البدنية. كما تبين قصة أبي هريرة مع الشيطان أن آية الكرسي تحفظ قارئها، وأن المعوذات سبب للوقاية والعلاج بالالتجاء إلى الله من كل ذي شر.

الاستشفاء بالقرآن والتحصين بسور المعوذتين والأذكار النبوية

يوضح المقطع فضائل سورة الفلق والمعوذتين في الاستعاذة من شرور المخلوقات، ويؤكد سنة قراءتهما بعد الصلوات وعند النوم للتحصين. كما يشدد على أن القرآن شفاء للأمراض الجسدية والقلبية، محذراً من إهمال هذه الأذكار الذي يفتح الباب للسحر والحسد والمس.

دعاء الختام وطلب الشفاء بالقرآن

يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يشفي الحاضرين ويعافيهم، ويجعل القرآن الكريم شفاءً لأمراض الصدور والأجساد. كما يصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه، ويختم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تقدم معنا من كلام المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى الكلام على الاستشفاء بالقرآن، وأن القرآن شفاء لما في القلوب وشفاء لما في الأبدان. وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة كثيرة في طريقة القرآن في معالجة أمراض القلوب كمرض الشح والرياء والكبر والحسد والغفلة. والمؤلف رحمه الله تعالى ركز على هذه الأمراض لأنها أعظم ما ينبغي أن يعتنى بمعالجته، فأمراض القلوب أشد فتكًا على الإنسان من أمراض الأبدان. وتتمة لما ذكره المؤلف رحمه الله نشير في هذا المقام إلى ذكر بعض الأمثلة لمعالجة القرآن لأمراض الأبدان. القرآن كما وصفه الله عز وجل بأنه شفاء، وهذه ألفاظ عامة تشمل أمراض القلوب وأمراض الأبدان. فقد ثبت في السنة أن القرآن والرقية بالقرآن من أعظم أسباب مدافعة الأمراض البدنية، ومن أعظم أسباب معالجتها عند وقوعها وحصولها. من ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن حصين بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى أنه قال: كنا عند سعيد بن جبير، فقال: من رأى منكم الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكنني لدغت، أي لدغتني ذوات السموم إما عقرب وإما حية ونحو ذلك. فقال له سعيد بن جبير: فماذا صنعت؟ فقال: استرقيت، أي طلبت الرقية. فقال له سعيد بن جبير: وما حملك على ذلك؟ إيش الذي جعلك تفعل هذا؟ هل عندك برهان ودليل؟ فقال: ما حدثني الشعبي عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة». لا رقية أي بالقرآن وبالأذكار النبوية، لا رقية إلا من عين. العين هو ما يصاب الإنسان من تلك العين الخبيثة فيصاب بشيء من الحسد ونحو ذلك. وأما حمة فالمراد به ما يكون من لدغ ذوات السموم كالحيات والعقارب ونحو ذلك. فهذا الحديث صريح في أن القرآن شفاء لأمراض الأبدان. ومن ذلك المس والسحر والعين والأعمال الشيطانية، فإن أعظم ما تعالج به هذه الأمراض هو القرآن، هو القرآن. وكذلك ما يصاب الإنسان من شرور بعض المخلوقات ذوات السموم ونحوها، فإنه إذا لدغ الإنسان فلا علاج له إلا أن يرقي نفسه بالقرآن، فإن له تأثيرًا عجيبًا نعم في شفاء تلك الأمراض. وكذلك مما يدل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه قال: خرجنا في سرية فنزلنا في أبيات، يعني عند أناس، فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا، يعني طلبنا منهم أن يضيفونا، استضفناهم فأبوا، قالوا: لا، ما نضيف أحدًا. قال: فلدغ سيدهم، سيد الحي، لدغًا. فقالوا: هل عندكم من راق؟ هل أحد منكم يرقي؟ فقال أبو سعيد الخدري: نعم، أنا أرقي، أرقي. فقالوا له: قد أصيب سيدنا، فارقه. فقال: لا، لقد استضفناكم فلم تضيفونا. فقالوا لهم: أرقوه ونجعل لكم جعلًا، يعني نجعل لكم مقابلًا على هذه الرقية. قال: فأعطونا ثلاثين شاة. قال: فذهبت فمسحت عليه وقرأت عليه سورة الفاتحة، وقرأت عليه سورة الفاتحة. قال: فبرأ، فقام حتى وكأنه نشط من عقال، يعني قام وكأن ما به لدغ وما به مرض. سبحان الله، بسورة الفاتحة فقط، أم الكتاب. قال: فوجدنا في نفوسنا أننا لم نحسن الرقية، فقلنا: لا نمس هذا الجعل حتى نأتي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأقرهم، بل وقال لهم: «اجعلوا لي معكم سهمًا»، أو كما قال: «اضربوا لي معكم سهمًا». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فانظر إلى تأثير سورة الفاتحة فقط، هذه السورة أم الكتاب، في معالجة الأمراض البدنية. ولذلك يقول ابن القيم عليه رحمة الله: يقول: لو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى في ذلك تأثيرًا عجيبًا في الشفاء، لرأى في ذلك تأثيرًا عجيبًا في الشفاء. قال: وقد مكثت مدة في مكة تعتريني بعض الأدواء، ولم أجد طبيبًا ولم أجد دواء. قال: فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى في ذلك تأثيرًا عجيبًا، فأرى في ذلك تأثيرًا عجيبًا. وقد وصفت هذا لبعض الناس فكان كثير منهم يبرأ سريعًا، فكان كثير منهم يبرأ، أن يشفى سريعًا. فانظر إلى أثر هذه السورة الواحدة من القرآن، فكيف لو قرأ المسلم الفاتحة وضم معها بعض سور القرآن؟ لا شك أنه سيكون في هذه الرقية تأثير، سيكون في هذه الرقية تأثير عجيب في الشفاء بإذن الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علمنا رقًى وأذكارًا، متى ما تحصن بها المسلم وقاه بإذن الله عز وجل من أمراض الأبدان ومن أعمال الشيطان. وكذلك إذا كان مريضًا فإن هذه الرقى بإذن الله عز وجل تكون سببًا في علاجه بإذن الله سبحانه وتعالى. فمثلًا على سبيل المثال آية الكرسي، هذه الآية العظيمة التي هي خالصة في ذكر أسماء الرب سبحانه وتعالى وفي عظمته وجلاله وأفعاله سبحانه وتعالى، فإن هذه كذلك الآية لها تأثير عجيب في حفظ الإنسان من الشرور ومن تلاعب الشيطان. وتعلمون حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيح لما جعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الصدقة حافظًا للصدقة، فجاءه رجل يحثو من الصدقة ويأخذ، يسرق من هذه الصدقة، فقبض عليه أبو هريرة، قال له: سأذهب بك إلى رسول الله. فاشتكى له كثرة العيال والحاجة، ووعده أنه لن يعود مرة أخرى، فرحمه أبو هريرة فتركه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنه سيعود، أما إنه سيعود». ففي الليلة الثانية عاد وأصبح يحثو، يأخذ من الصدقة، فقبض عليه أبو هريرة وقال له: أما الآن فلا أتركك. فشكى له كثرة العيال والحاجة، فتركه أبو هريرة. فأخبر النبي، فقال له: «أما إنه سيعود». وعاد في الليلة الثالثة، فقبض عليه أبو هريرة وقال له: أما الليلة فلا أتركك أبدًا. فقال له: ألا أعلمك آية من كتاب الله إذا قرأتها عند نومك فإنه لا يقربك شيطان، ولا يزال عليك من الله حافظ؟ لا يقربك شيطان، لا بأحلام مزعجة ولا بوساوس ولا بتخيلات ولا بمس أو سحر أو عين أو نحو ذلك، لا يقربك شيطان ولا يزال عليك من الله حافظ. فتركه أبو هريرة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنه صدقك وهو كذوب، ما قاله صدق لكن هو الشيطان الكذاب، الشيطان الكذاب». بذلك ألا تدري يا أبا هريرة منذ ثلاث ليال من تخاطب؟ قال: لا. قال: «إنه شيطان، إنه الشيطان». نعم، فهذا فيه دليل على أن القرآن سبب للوقاية، وكذلك سبب للعلاج والتداوي. وأيضًا سورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة الناس، هذا أيضًا لها تأثير عجيب في حفظ الإنسان من شرور ذوي الشرور، ومن معالجة الأمراض أيضًا؛ لأن فيها الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى من كل ذي شر كما في هذه السور. قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5]. من شر ما خلق، من شر ما خلق الشيطان، من شر ما خلق ذوات السموم، من شر ما خلق الحاسد، من شر ما خلق المجرم، من شر ما خلق كل ما خلقه الله عز وجل وهو يصل الشرور إلى العباد. فأنت تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بأن يحفظك وأن يعصمك من شره، من شره. فهي سور عظيمة. ولذلك من السنة أن تقرأ هذه السور الثلاث بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب، لما فيها من الحفظ بالليل وبالنهار، بالليل وبالنهار. فينبغي للمسلم أن يعتني بذلك. الآن كثير مننا إذا أصيب بمرض، إذا أصيب بألم، إذا أصيب بكذلك بعض الأعمال الشيطانية، فلربما هرع إلى المستشفيات وإلى العيادات وإلى الصيدليات. وإن كان هذا أمر مباح ليس بمحرم، اتخاذ الأسباب والتداوي إن عرف بالتجربة أنه ينفع. لكن لماذا ما نبدأ أولًا بالاستشفاء بالقرآن؟ شعرت بألم، شعرت بلدغة، شعرت بكذلك حمى، شعرت بصداع، عالج نفسك أخي المسلم بالقرآن، اقرأ على نفسك، اقرأ على نفسك بسورة الفاتحة. انظر ابن القيم يشعر بآلام ويشعر بأسقام وأمراض، فكان يعالج نفسه بفاتحة الكتاب فقط، ما وجد طبيبًا وما وجد دواء إلا أنه يعالج نفسه بكتاب الله سبحانه وتعالى. فكيف وأنت أخي المسلم بين يديك هذا الكتاب العزيز تقرأه وتتدبره، وكذلك تؤمن بأنه من أعظم أسباب الشفاء؟ لأن هذه آية في كتاب الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57]، وغيرها من الآيات التي يبين فيها ربنا سبحانه وتعالى أن القرآن شفاء. ينبغي علينا أن نقبل على هذا القرآن وأن نستشفي به في جميع أمراضنا الجسدية والقلبية، الجسدية والقلبية. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام. من السنة أيضًا من أذكار النوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين كفيه وينفث فيهما ويقرأ بسورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة الناس، ثم يمسح بهما ما ظهر من جسده عليه الصلاة والسلام، يفعل ذلك ثلاثًا، يفعل ذلك ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. كل ذلك من باب الوقاية من تلاعب الشيطان ومن شرور ذوي الشرور. نعم، إذا نمت وأنت بهذه التحصينات النبوية لربما لا يقربك شيطان، ولا كذلك حية ولا عقرب ولا شيء من ذلك؛ لأنك محصن، لأنك محصن بهذه التحصينات القرآنية، بهذه التحصينات النبوية. وإن كثيرًا مما يقع للناس في هذه الأيام خصوصًا من السحر ومن المس ومن الحسد ومن العين، إنما هو بسبب التهاون في مثل هذه التحصينات القرآنية. تجد كثيرًا من المسلمين لا يعرف هذه التحصينات النبوية القرآنية، لا يأتي بأذكار الصباح ولا بأذكار المساء ولا بأذكار النوم ولا بغيرها من أذكار المناسبات، عند النزول إلى المنزل مثلًا أو عندما يرى شيئًا يعجبه أو نحو ذلك. بسبب بعدنا عن هذه التحصينات القرآنية كثرت هذه الأمراض الشيطانية من أمراض السحر ومن أمراض العين ومن أمراض المس ومن غيرها من أمراض الأبدان ومن لدغات ذوات السموم ونحو ذلك. فينبغي للمسلم أن يقبل على هذا الكتاب وأن يستشفي بهذا القرآن، وأن يؤمن بأنه كتاب شفاء، جعله الله عز وجل شفاء لجميع أمراضنا الجسدية والقلبية. فمتى ما أقبلنا عباد الله على هذا الكتاب فإننا بإذن الله سبحانه وتعالى نكون في حصن حصين من هذه الأمراض التي ابتلي بها كثير منا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشفينا وإياكم، وأن يعافينا، وأن يجعل القرآن الكريم شفاء لما في صدورنا ولما في أجسادنا من الأمراض والأسقام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.