الدرس في باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ ابن عثيمين أن اليقين هو ثبات الإيمان وقوته، والتوكل ثمرة له يتمثل في اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار. ثم يستعرض آية من سورة الأحزاب تصف موقف المؤمنين في غزوة الخندق حيث ازدادوا إيماناً وتسليماً رغم شدة الحصار والابتلاء.
يوضح المقطع كيف كشفت الأزمة في غزوة الخندق عن حقيقتين: المنافقون الذين ازدادوا نفاقاً وشككوا في وعد الله، والمؤمنون الذين رأوا في الشدة ابتلاءً وازدادوا إيماناً وتسليماً. موقنين بأن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب.
يشرح المقطع كيف تكشف المحن حقيقة إيمان الناس، فالمؤمن الصادق يثبت عند نزول البلاء محتسباً الأجر، بينما ضعيف الإيمان ينقلب خاسراً الدنيا والآخرة. ويضرب المثل بثبات المجاهدين ودعوة نصرتهم بالقول والعمل والثبات على الحق.
أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية على أن يتم استكمال تفسير الآيات المتبقية في الدرس القادم. ثم دعا المشاهدين للاشتراك في القناة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين": "باب اليقين والتوكل". يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: جمع المؤلف بين اليقين والتوكل؛ لأن التوكل ثمرة من ثمرات اليقين. فاليقين هو قوة الإيمان والثبات، حتى كأن الإنسان يرى بعينه ما أخبر الله به رسوله من شدة يقينه. فاليقين هو ثبات وإيمان، والتوكل ثمرة من ثمار اليقين؛ لأن التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله سبحانه وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار. ففي هاتين المرتبتين -اليقين والتوكل- يحصل للإنسان مقصوده في الدنيا والآخرة، فيعيش سعيداً، يعيش حياة مطمئنة؛ لأنه موقن بكل ما أخبر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم به، ومتوكل على الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله عدة آيات تحت هذا الباب. أول هذه الآيات: قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. هذه الآية نزلت في غزوة الأحزاب، والتي تسمى أيضاً بغزوة الخندق. ومعلوم أن هذه الغزوة سُميت بالأحزاب لتجمع الأحزاب وتآلبهم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاجتمعوا على حربه، وتجمع نحو عشرة آلاف مقاتل من قريش ومن قبائل العرب كغطفان وبعض القبائل التي حول المدينة، فحاصروا المدينة ليقضوا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه. ففي هذه الغزوة حصلت أزمة عظيمة وشدة كبيرة على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد وصف ربنا سبحانه وتعالى هذه الشدة والأزمة في سورة الأحزاب، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. فالعدو متربص بهم وهو قريب منهم، وكذلك الجوع كان سائداً بين الناس، وهكذا شدة البرد ونحو ذلك من تلك الأحوال الشديدة. ففي مثل هذه الأزمات يتبين إيمان الناس. هذه الأزمات وهذه الشدائد هي كالكير الذي يصفي خبث الذهب والفضة، فهي تصفية، وهي كذلك ابتلاء وامتحان للناس، فينقسم الناس في كل شدة إلى قسمين، بينهم الله عز وجل في هذه السورة. القسم الأول: هم المنافقون، ضعفاء الإيمان، الذين امتلأت قلوبهم نفاقاً وكفراً وحقداً على الإسلام والمسلمين. فهؤلاء ماذا قالوا عندما رأوا هذه الشدة؟ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. هذا هو قول المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. نعم، يقولون: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً"، يعني معنى كلامهم: كيف يقول محمد عليه الصلاة والسلام أنه سيفتح كسرى وقيصر وصنعاء، وهو الآن محاصر من هؤلاء الناس؟ فيزدادون -والعياذ بالله- نفاقاً وكفراً تجاه تلك الشدائد والمحن. هذا القسم الأول، أما القسم الثاني فهم الصادقون المؤمنون. فلما رأوا هذه الشدة وهذه الأزمات الشديدة قالوا ماذا؟ ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. انظر إلى الفرق بين الطائفتين. هؤلاء المؤمنون لما رأوا الأحزاب ولما رأوا جمعهم وكذلك تآلبهم، ماذا علموا؟ علموا أنه سيعقب هذه الشدة الفرج، قالوا: "هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله"، لأن الفرج مع الشدة، نعم، الفرج مع الكرب، والنصر مع الصبر. فعلموا أن هذا ابتلاء من الله ليختبر إيمانهم وصدقهم، فعلموا أنها أزمة وستمر، والعاقبة للمتقين، وستفتح المماليك، وكذلك ستفتح قيصر وكسر واليمن، وهكذا؛ لأنهم موقنون أن النصر من الله، وأن الله عز وجل يبتلي عباده ليختبر إيمانهم. فإذن الشاهد أن هذا دليل على يقين الصحابة وعلى صدق توكلهم على الله سبحانه وتعالى. ففيه غاية اليقين: أن يكون الإنسان عند الشدائد وعند الكرب ثابتاً مؤمناً موقناً، عكس من كان توكله ويقينه ضعيفاً، فإنه عند المصائب والكرب ربما ينقلب على وجهه ويظن بالله الظنون. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، يعني ليس على ثبات من أمره، ليس على يقين، على حرف. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. كثير من الناس ربما يكون في عافية فهو مطمئن وهو كذلك مرتاح البال، فبمجرد أن تنزل به نازلة أو مصيبة أو كذلك نصر الأعداء على المسلمين، فربما يصل إلى حد الردة والكفر والاعتراض على قضاء الله وقدره. فهذا دليل ضعف الإيمان والتوكل واليقين. انظروا في هذه الأيام، وقع ما وقع لأهل الحق والتوحيد من المجاهدين في سبيل الله، لما وقع لهم من قبل الحوثيين المجرمين، فصار شيء من الخيانات، وشيء من رجوع هؤلاء المجاهدين من أجل المصالح التي رأوها وحقن الدماء. فانظروا إلى أهل الإيمان، علموا أن هذا الأمر هو ابتلاء من الله، ليختبر أهل الإيمان وأهل الصدق، وهل يثبتون وهل يصدقون في قتال هؤلاء المجرمين؟ فلله الحمد والمن، لا يزال أهل الحق في وجه هؤلاء، وما زادهم ذلك إلا إقداما وثباتا ويقينا. بخلاف بعض الناس اليوم ممن ضعف إيمانه، لما وقع ما وقع، فإذا به يستغل ذلك الموقف في الطعن وفي التخذيل وفي الإرجاف، وأن هؤلاء "لا قبل لكم بهم"، وأنهم كذا وكذا، من هذه العبارات التي فيها من الضعف، وفيها من الخور، وفيها من سوء الظن بالله سبحانه وتعالى. فالمؤمن يجب أن يكون على يقين من أن النصر لأهل الحق، وأن الخذلان وكذلك الهزيمة لأهل الكفر والنفاق والباطل. هل تشك -أخي المسلم- أن الروافض الحوثيين على باطل؟ لا يشك أحد في ذلك ممن عرف القوم وما هم عليه من سب الصحابة، من حقدهم على أهل الإسلام وتكفير أهل السنة والمسلمين، ومن كذلك شركهم ودعائهم لغير الله، ومن رميهم لأمنا عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله منه، وكم وكم من بوائق ومن جرائم عليها هؤلاء الحوثيون. فكيف لا ينصر الله أهل الحق عليهم؟ وكيف يفرح مسلم مؤمن بنصر الحوثيين على إخوانه، أو يخذل، أو كذلك يلوم: "لماذا فعلوا كذا ولماذا عملوا كذا"؟ يا أخي، افرح بنصر أهل الحق، وكذلك ائتِ بالكلام الذي فيه من البشارة، ومن كذلك التثبيت، ومن الإعانة لهم على ما هم عليه من ثغر عظيم يقومون به في هذه الأيام. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وبقية الآيات يتم التعليق عليها في درس قادم. لله تعالى. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة.