المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو يوسف أحمد عوض باسنبل، والتي كانت بمسجد الفاروق بمنطقة حباير يوم الأحد 5 شوال 1445هـ الموافق 14 أبريل 2024م ألقاها منوع
استعرض المتحدث آية قرآنية تحرم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب بين المؤمنين، وحديثاً نبوياً يؤكد أن احتقار المسلم لأخيه من أعظم الشرور، مبيناً أن الاستهزاء والازدراء خُلق ذميم ينم عن الكبر وهو من كبائر الذنوب.
حذر المتحدث من داء الكبر المانع من دخول الجنة مستدلاً بحديث ابن مسعود، مؤكداً أن ازدراء الناس يفتك بالدعوات، وشدد على ضرورة معاملة الطلاب وأهل المعاصي بالرحمة واللطف لئلا تدفعهم الشدة إلى أحضان الفرق الضالة.
أكد المقطع على وجوب توسيع الصدور ورحمة العاصين والمخالفين والتقرب إليهم بالرفق لا بالمداهنة، مستشهداً بقوله تعالى ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ وحديث «إن منكم لمنفرين» للتحذير من التنفير عن الدين.
انتقد المتحدث من يتسم بالعبوس والشدة في تعامله مع طلابه وأهله وأصحابه متسائلاً عن مكان الرحمة، مؤكداً على حاجة العصر الملحة إلى التحلي بالرحمة واللطف في جميع المعاملات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، أيها الأحبة الكرام، فالإخوة أحسنوا في الظن وأعطوني هذه الكلمة نيابة عنهم. وتكلم المشايخ الفضلاء، وآخر من تكلم الشيخ عن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالناس أجمعين وبأصحابه خاصة. وأنا أحببت أن أتكلم عن مسألة في نظري هي مهمة، مبتدئًا أن الحديث فيها بقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. أيها الأحبة، هذه الآية الكريمة فيها النهي عن السخرية بالآخرين وعن الازدراء بهم. وجاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، من حديث أبي هريرة في الصحيح جاء مطولًا، وجاء في السنن المختصر بقوله صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». أيها الأحبة، أحببت أن أتكلم عن الاستهزاء بالآخرين وعن احتغار الآخرين وازدرائهم، وأن نعلم جميعًا أن هذا الخلق الذميم ليس من أخلاق المؤمنين، إنما هو من أخلاق الكافرين والعياذ بالله. وأخلاق المؤمنين فلا ينبغي للمؤمنين، فضلًا عن طالب العلم، أن يتخلق بهذا الخلق. وهذا الخلق ينم عن كبر في قلب صاحبه، والكبر من كبائر الذنوب والعياذ بالله. ففي حديث ابن مسعود في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قالوا: يا رسول الله، أو قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق معروف لديكم، وغمط الناس: احتغارهم والازدراء بهم. فازدراء الآخرين واحتغار الآخرين من كبائر الذنوب. وسأتكلم في هذه الجزئية عنا نحن الخاصة فيما يحصل بيننا من هذا الأمر، وأيضًا فيما بيننا وبين أهل المعاصي. وأنتم سمعتم في كلمة الشيخ المقدم الفاضل أن أهل السنة أرحم الناس، وهذه مقولة كلنا نقول سمعناها: أرحم الناس بالناس أهل السنة. فإذا كان كذلك، ينبغي علينا أن نفتش في حلقاتنا وفي أبنائنا وفي طلابنا عن هذا الداء. هو موجود ويحتاج إلى علاج فوري، ويحتاج إلى علاج فوري، وإلا هذا الداء من الأدواء التي تفتك بالدعوات وتفرغ الجماعات وتثير الخصومات بين الناس. فينبغي على كل معلم وكل داعية أن يتفقد من حوله، وأن لا نتسامح مع هذه الجزئية، لأنها إذا ترعرعت وفشت بيننا كان عاقبة ذلك وبال علينا. أيها الأحبة، العصاة من المسلمين ممن ابتلوا بشيء من المعصية، فهذا يحتاج إلى الرحمة، ويحتاج إلى اللطف، ويحتاج إلى أن نضمهم إلينا. لأن الدعوات المخالفة لنا، سواء كانت دعوات تدعو إلى الدنيا أو دعوات إلى فرق ضالة، هؤلاء اتخذوا أسلوب الترغيب والهدايا والإغداق بالمال من أجل جذب هؤلاء الأطفال أو ممن أراد أن ينتفع بهذا العلم. فينبغي علينا أن نتبصر، فشدتنا نحن على أبنائنا في دروسنا أو في حلقاتنا سيكون لها رد فعل لا تحمد عقباها. فقد يخرج هذا التلميذ وتتخطفه الأيادي التي تنتظر خارج المسجد. فلذلك علينا، أيها الإخوة معشر الدعاة ومعشر الأساتذة، أن نكبر وأن نوسع في صدورنا لهؤلاء، وأن نرحمهم، سواء كانوا من طلبتنا أو سواء كانوا من العصاة. أن نتقرب إليهم، أن نتودد إليهم، لا نداهنهم وإنما نداريهم حتى ينهلوا من هذا النهل الذي نحن ننهل منه، وهذا النهل الذي نحن نفرح به. ولأن للقلوب مغاليق، كما سمعتم، ومن مفتاح تلك المغاليق ما سمعتموه من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم. أيضًا ويقال: مفتاح لهذه المغاليق الرفق، الرفق بالعاصي، الرفق حتى بالمخالفين من عوام المخالفين. دعوتنا هذه دعوة رحمة، لا تنظر إلى العاصي بنظرة ترفع، بنظرة تكبر. لا، إياك وإياك. لماذا؟ لأنك كنت قبل ذلك مثله أو ربما أسوأ منه. واسمع إلى قوله تعالى مربيًا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾. هذه الآية، أو هذا الجزء كذلك: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾، ينبغي أن تكون بين عينيك وأنت تنظر إلى العاصي وأنت تنظر إلى المخالف. فمن غير احتغار ومن غير ازدراء: أنا كنت فيما كنت أنت فيه، وكنت أود وأتمنى أن يرحمني أحد. ولو ننظر في آخر فتنة كانت قائمة على ازدراء الآخرين، ولذلك نفر منها الناس، وأقبل على دعوة أهل السنة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لإمام صلى الفجر وطول: «إن منكم لمنفرين». وربما هذا الإمام كان في ظنه أو في باله وهو من الصحابة عنده اجتهاد، فأراد أن يطول ليتلذذ بالقرآن، أو كذا، أو كذا. لكن بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكم الشرعي، وأن هذا التطويل ربما يضر الناس فينفرهم عن دين الله عز وجل. هذا في عبادة، فماذا نحن نقول لمن هو مكفهر الوجه على طول، لا يتبسم، شديد حتى في محاسبة طلابه، شديد في الكلام مع أهله، شديد في الكلام مع أصحابه؟ أين الرحمة؟ فنحن في زمان مثل هذا، ما أحوجنا إلى الرحمة. والله تعالى أعلم. وجزاكم الله خيرًا. شكرًا لكم.