الدرس في كتاب المنثورات والملح 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ بشرح كتاب المنثورات والملح من رياض الصالحين مبيناً فضله في الترغيب والترهيب. ثم ينتقل لتعريف الدجال لغةً واصطلاحاً موضحاً سبب تسميته بالمسيح الدجال لمماسحة عينه أو تمشيطه الأرض في أربعين يوماً.
يشرح حديث النواس بن سمعان وصف الدجال بأنه شاب قطط أعور ومدة لبثه في الأرض أربعين يوماً بأيام متفاوتة الطول. ويؤكد أن قراءة فواتح سورة الكهف تعصم من فتنته وأن النبي صلى الله عليه وسلم حجيجه دون الأمة إن خرج في حياته.
يصف فتنة الدجال وما يظهره من خوارق كإحياء الأرض وإخراج الكنوز وقتل شاب ثم إحيائها ك ابتلاء من الله. ويذكر تتابع العلامات الكبرى بدءاً بخروج الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام لقتله فخروج يأجوج ومأجوج ونزول المهدي.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه حفظ الدين والوفاة على الإسلام والوقاية من الفتن الظاهرة والباطنة. ثم يصلي على النبي محمد ويثني على الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذه مجالس نتذاكر فيها أحاديث عظيمة من أحاديث نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما سبق أنه اختير كتاب "المنثورات والملح" من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. وكتاب رياض الصالحين يعتبر من أنفع الكتب وأحسنها، ولا سيما فيما يتعلق به الترغيب والترهيب. وقد كان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى يذكر هذا، أن رياض الصالحين يعتبر من أحسن ما ألف في الترغيب والترهيب. وهذا الكتاب يعتبر من الكتب الجامعة المفيدة، ومنه كتاب "المنثورات والملح"، وهو يعتبر مما ختم به هذا الكتاب النافع. وقوله: "كتاب المنثورات"، والمقصود بالمنثورات أي أنها من أبواب متفرقة، وليست من باب واحد. و"الملح" بضم الميم جمع "ملحة"، وهو ما يستملح ويستعذب، أي من الحديث كذكر أحاديث فيما يتعلق بقصص الأنبياء والأمم السابقة، وهكذا ذكر أحاديث تتعلق بغرائب ومعجزات، وغير ذلك مما تستحسنه الأسماع وتستريح عند سماعه. قال رحمه الله تعالى: "باب المنثورات والملح". هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها الترجمة بـ "باب الدجال وأشراط الساعة وغيرها"، وهذا هو المناسب؛ لأن الحديث سيأتي حول أشراط الساعة من ذكر الدجال، وهكذا غيرها من أشراط وعلامات الساعة، وكذلك أيضًا سيأتي ذكر غيرها من الأمور. وقوله هاهنا: "باب أحاديث الدجال". والدجال هو عبارة عن ماذا؟ مأخوذ من "الدجل"، وهي من أبنية المبالغة، أي المبالغة في الكذب والتلبيس. الكذب والتلبيس. ويقال له: "المسيح الدجال". ولقب بـ "المسيح"؛ قيل: لأنه ممسوح العين، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الدجال ممسوح العين". وقيل: إنه لقب بـ "المسيح" لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا، في أربعين يومًا، وهو مسيح الضلالة، وعيسى بن مريم هو مسيح الهداية. فالأعور: المسيح الدجال، وعيسى بن مريم: المسيح الصديق. قال رحمه الله تعالى: قال عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع. وقوله: "فخفض فيه ورفع"، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم حقره وصغر أمره، ثم عظمه وفخمه لعظم فتنته. قال: "حتى ظنناه في طائفة النخل"، أي أنه على مقربة منهم. قال: "فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟" قال: قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: "غير الدجال أخوفني عليكم. إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم". يعني: إذا خرج الدجال وأنا فيكم فسأكفيكم إياه، لكن إذا خرج وأنا لست فيكم فكل واحد حجيج نفسه. قال: "والله خليفتي على كل مسلم". ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أوصاف الدجال: قال: "إنه شاب قطط، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزة بن قطن". وعبد العزة بن قطن رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية، وكان أشبه ما يكون بذلكم الأعور الدجال. قال: "فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف". وبهذا يعلم أن حفظ وقراءة الآيات الأولى من سورة الكهف فإنها تعصم من فتنة ذلكم الأعور الدجال. قال عليه الصلاة والسلام: "قال: إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا. يا عباد الله فاثبتوا". قال: قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ أي: كم يمكث الدجال في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قال: قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ وهذا يدل على أن هذه الأيام طويلة على حقيقتها: يوم كسنة، ويوم آخر كشهر، ويوم ثالث كجمعة، أي كأسبوع، وبقية أيامه السبع والثلاثون هي كأيامنا المعروفة المعتادة. من فقه الصحابة أنهم وجهوا هذا السؤال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره". قال: قلنا: يا رسول الله، ما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح". فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم -أي أغنامهم ودوابهم- أطول ما كانت ذرى، وأسبغه ذروعًا، وأمده خواصر، أي أنها تكون على أحسن ما يكون. قال: "ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله". قال: "فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم". وهذا كله ابتلاء واختبار من الله عز وجل. قال: "ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل"، أي كذكورها. وماذا؟ وهذا كله من الخوارق التي يعطيها ربنا عز وجل للدجال امتحانًا وابتلاءً. قال: "ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، رمية الغرض"، أي واحد هنا وواحد هناك، رمية الغرض. "ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه ويضحك". قال: "فبينما هو كذلك إذ بعث الله تعالى المسيح ابن مريم". المسيح ابن مريم. وهذه كلها من علامات الساعة الكبرى. فالساعة لها علامات صغرى، ولها علامات كبرى. وأيهما أول ظهورًا: الكبرى أم الصغرى؟ يا أبا سعيد: الصغرى. فالعلامات الصغرى من عهده عليه الصلاة والسلام، من عهده عليه الصلاة والسلام، وهي كثيرة، ويظهر منها شيء بعد شيء، وهكذا حتى إذا قرب قيام الساعة ظهرت العلامات الكبرى. والعلامات الكبرى ظهورها يكون متتابعًا كعقد قطع، فتوالت حباته وخرزاته في النزول والسقوط. فهو ذا الدجال يظهر، وإذا ظهر الدجال يأتي بعده عيسى ابن مريم لكي يقضي عليه ويقتله. وسيأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل كيف يلتقي المسيحان: مسيح الهداية ومسيح الضلالة، وقتل ابن مريم عليه الصلاة والسلام للدجال، وهكذا خروج يأجوج ومأجوج، ونزول المهدي، إلى غيرها من هذه العلامات التي تضمنها حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه وما بعده من الأحاديث. أسأل المولى جل في علاه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.