شرح تائية الألبيري 4

شرح تائية الألبيري 4

الدرس في شرح تائية الألبيري 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قوت الروح بالعلم النافع والقرآن والمواظبة عليه

الغذاء الحقيقي للروح هو العلم النافع والعمل الصالح والقرآن، لا الطعام والشراب، وتزكية النفس وشفاء القلوب يتحققان بالاقتبال على القرآن والسنة. كما يُشدَّد على ضرورة المواظبة والجد في طلب العلم مع الاستشهاد بأقوال السلف وآيات القرآن، محذراً من الانقطاع بعد فترة قصيرة.

أهمية الاستمرار في طلب العلم والإخلاص والعمل به

الدورات العلمية مجرد محفز لحب العلم، وعلى طالب العلم الاستمرار في الطلب بالجد والاجتهاد مع الاستعانة بالله، محذراً من الاغترار بالعلم والسمعة لأن العبد سيسأل يوم القيامة عما علم وعمل به. العلم حجة عليه إن لم يعمل به بإخلاص.

ثمرة العلم النافع: الخشية والعمل والتحذير من العلم بلا عمل

رأس العلم الحقيقي هو تقوى الله وخشيته، والعلم النافع يثمر خشيةً وعملاً صالحاً وبُعداً عن المعاصي، مع التحذير من طلب العلم للرياء أو عدم العمل به. يُقارن بين خطأ الجهل (طريق النصارى) وخطأ العلم بلا عمل (طريق اليهود)، داعياً إلى الجمع بين العلم والعمل كما في الصراط المستقيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول أبو إسحاق الألبيّ رحمه الله تعالى في منظومته: قال: "فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربت". ومعنى البيت: أن القوت الحقيقي للروح وهي النفس التي لا تشبع منه ولا تشبع إلا به ولا تهنى إلا بتحصيله أرواح المعاني. ومعنى أرواح المعاني: أي المعاني العظيمة والعلوم النافعة. فغذاء الأرواح العلم النافع. فالنفس تحتاج إلى ما يغذيها كما أن الجسم يحتاج إلى ما يغذيه، فكذلك الروح والنفس تحتاج إلى ما يغذيها. وكما أن الجسم لا يصح ولا ينمو ولا يقوى إلا بالطعام الطيب، بالطعام الصحي، كذلك الروح لا تتزكى ولا تتقوى ولا تتطهر ولا تصح إلا بالعلم النافع والعمل الصالح. فهذا معنى قوله: "فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربت". الطعام والشراب إنما هو غذاء الجسد، إنما هو غذاء الجسد. وكما قال القائل: "يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته أتطلب الربح فيما فيه قسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالروح إنسان". الكفار أجسامهم كبيرة وأجسامهم قوية لكنهم ضعفاء النفوس، فقدوا الغذاء الحقيقي لهذه النفوس وهو العلم النافع. أما المسلم فلربما تجده ضعيفاً هزيلاً ولكن بقوة إيمانه وبزكاء نفسه يعمل الأعمال التي لا يطيقها ذاك الجسيم وذاك الكبير من الكفار. وممن فقد هذا الغذاء، غذاء العلم والعبادة والطاعة، فهذه نصيحة عظيمة من المؤلف يبين فيها أن المسلم ينبغي له أن يحرص على تزكية نفسه. كما أن الجسم يمرض، الجسم يمرض ويضعف ويهزل، فينصحه الأطباء بأن يتناول الطعام الطيب أو أن يمتنع عن بعض الأطعمة التي تزيد في مرضه من الأطعمة المضرة. فكذلك هذه النفس قد تمرض وقد تضعف وقد تهزل بسبب ضعف إيمانها واهتمامها بالعلم النافع والعمل الصالح. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]، وهو أصل العلوم. وننزل من القرآن ما هو الشفاء، شفاء للأجساد وكذلك شفاء للقلوب. في الآية الأخرى جاء التصريح بأن القرآن شفاء لأمراض القلوب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57]، وشفاء لما في الصدور. فإذا كان القرآن إذا كان القرآن يشفي بإذن الله عز وجل أمراض القلوب فهو كذلك يحيي هذه القلوب ويقويها. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، والقرآن من أعظم ما يهتدى به، كما قال الله عز وجل: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]. فإذا أقبلت على القرآن فقد ربيت نفسك وزكيتها وطهرتها ونميتها. وكما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. فإذا هذا هو طعام القلوب: القرآن والسنة والعلم النافع والعمل الصالح. فالمؤلف هنا يحث على الاعتناء بهذا الغذاء، غذاء الروح: "فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربت". لو ذهبت عند أي طبيب وقلت له: أنا أشعر بقسوة في قلبي، أنا أشعر بضيق، أنا أشعر بظلم في حياتي، إيش العلاج؟ هل سيصف لك وصفة طبية أو سيعطيك طعاماً وشراباً معيناً إذا تناولته ولته يذهب ما بك من مرض؟ لا. شفاء ذلك هو القرآن والسنة والعلم والعبادة والطاعة. هذا هو شفاء ضيق القلوب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، والعلم من أعظم الذكر. ثم قال: "فواضبه وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعت". معنى "واضبه": أي استمر عليه. المواضبة هي الاستمرار والحرص على العناية به والجد فيه. فالجد بالجد والحرمان بالكسل. والمواضبة على العلم من أعظم أسباب نيل العلم والتوفيق للثبات عليه. أما أن تطلب العلم فترة من الزمن: شهر، شهرين، سنة، سنتين، ثم تترك، فهذا لا يجعل منك طالب علم أو عالم أو شيخ أو مبرز في العلم. وكما قيل: "من ثبت نبت". من ثبت نبت. أما من تزعزع وترك ما يصب إليه وما يهدف إليه فهذا سرعان ما ينقطع عن هذه الغاية وهذا السبيل، وهذا السبيل. ولذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "أعطي العلم كلك يعطيك بعضه". أعطي العلم كلك، كل وقتك. لو أعطيته العلم واستمررت على ذلك فلا يعطيك العلم إلا بعضه. وكان أبو هريرة يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال: "كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم" أو "كنت ألزم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ملء بطن". ولو قرأت في تراجم العلماء لرأيت أن من أعظم بروزهم ومن أعظم إمامتهم الاستمرار في طلب العلم. فهذا غندر، ذاك المحدث الذي امتلأت كتب الحديث بحديثه، يقول: "لازمت شعبة عشرين سنة". انظر: عشرين سنة وهو ملازم لشيخه يأخذ منه العلم. نحن ربما إذا درس أحدنا سنة أو سنتين رأى نفسه أنه قد حاز العلوم وقد اكتفى بما حصل من تلك العلوم. فهذا من الخطأ. وإن مثل هذه الدورات إنما هي كمحفز لطلاب العلم على حب العلم والاستمرار فيه. فلا يظن طالب العلم أن العلم يؤخذ في مثل هذا الوقت فقط وفي مثل هذه الفترة الزمنية في مثل هذه الدورة. لا، إنما هذا كتحفيز وكذلك ترغيب وفتح باب لطلاب العلم على حب العلم والاستمرار عليه. فبعد انتهاء مثل هذه الدورة ينبغي لطالب العلم أن يستمر في طلب العلم في قريته، في بلده، في مركز من مراكز العلم، يحضر الدروس التي تدرس في مسجده أو في حارته أو نحو ذلك من أهل السنة المشايخ والدعاة إلى الله عز وجل، ويجعل من برنامج يومه طلب العلم والجلوس في مجالس العلم وحفظ العلم وكتابة العلم. فهذا من أعظم النعم على العبد. "فواضبه": واضب على هذا العلم واستمر عليه. "وخذ بالجد فيه": خذه بجد، لا من أجل قضاء الوقت أو من أجل أن زملائي سلكوا هذا السبيل فأنا معهم، لا، وإنما تجتهد. "فإن أعطاكه الله انتفعت": يعني إن من الله عليك بالعلم وأكرمت بذلك حصلت نفعاً عظيماً. وكما تقدم أن العلم رفعة لأصحابه في الدنيا والآخرة، فينتفع العبد بالعلم انتفاعاً عظيماً. وقوله هنا: "فإن أعطاكه الله" فيه تنبيه أن العلم من الله سبحانه وتعالى، فهو منة إلهية وفضيلة ربانية، كما قال الله عز وجل ممتناً على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]. ففي سيرك في طلب العلم لا بد لك من أمرين اثنين: الأمر الأول: الجد والاجتهاد فيه كما مر معنا في صدر هذا البيت: "فواضبه وخذ بالجد فيه". والأمر الثاني: الاستعانة بالله، لأن الذي يعلمك ويوفقك ويثبتك على هذا الطريق هو الله سبحانه وتعالى. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين الأمرين: الجد في الأعمال الصالحة والاستعانة بالله في القيام بها. فجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احرص على ما ينفعك" - هذا فيه الجد في الأعمال الصالحة والحرص عليها - "واستعن بالله ولا تعجز". لا تركن إلى ذكائك ولا إلى فطنتك ولا إلى حرصك وجدك، وإنما استعن بالله عز وجل. وقد قال القائل: "إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضى عليه اجتهاده". الاغترار بالنفس، الاغترار بالنفس. وكما قال في البيت الثاني: قال المؤلف: "وإن أعطيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد علمت فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملت". معنى قوله: "وإن أعطيت فيه طويل باع": أي إن حصلت في العلم تحصيلاً واسعاً، صرت يعني مستفيداً مبرزاً، أخذت حظاً وافراً كبيراً من هذا العلم حتى ظهر هذا العلم في مجتمعك، فصار الناس يقولون: ما شاء الله فلان عنده علم، فلان عالم، بما رأوا من ظهور هذا العلم على لسانك وعلى يعني دعوتك إلى الله سبحانه وتعالى. فلا تغتر، لا تغتر بهذا هذه الشهرة وهذا القول. فلذلك قال: "فلا تأمن سؤال الله عنه": أي إياك أن تغتر بما يقول الناس وبما وصلت إليه من هذا الظهور ومن هذه الاستفادة، فإنك ستسأل عن هذا العلم، ستسأل عن هذا العلم. ومن أعظم الأسئلة التي ستسأل عنها وتوبخ عند السؤال عنها يقال لك: "علمت فهل عملت". لأن العلم ليس هو الغاية في ذاته وإنما هو وسيلة للعمل. فالعلم كالشجرة والعمل كالثمرة. فإذا وجدت الشجرة المثمرة هذه التي ينتفع بها، وأما إذا وجدت الشجرة غير المثمرة فلا ينتفع بها. ولذلك جاء في حديث ابن مسعود، وفي حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع"، وذكر من هذه الأربع: "وعن علمه ماذا عمل فيه" أو "بماذا عمل به". تسأل عن هذا العلم، تسأل عن هذا العلم. تعلمون حديث أبي هريرة في البخاري أو في مسلم؟ نعم: "أول من تسعر بهم النار قارئ للقرآن وعالم". فيؤتى به فيعرف بهذه النعمة ويقال له: ماذا عملت بها؟ يقال: قرأت فيك القرآن وعلمته، وهكذا طلبت العلم وعلمته. ويقال له: كذبت، وإنما تعلمت العلم ليقال عالم، وقد قيل. ثم يؤمر به فيؤخذ إلى النار، والعياذ بالله. هذا ما عمل بعلمه لأنه لم يخلص لله عز وجل في علمه، بل طلب العلم من أجل الناس لا من أجل الله عز وجل. فإذن هذا يدعو إلى الإخلاص في طلب العلم، ويدعو إلى العمل بالعلم. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 44]، موبخاً أهل الكتاب. الذي يأمر الناس بالخير ثم لا يعمل بهذا الخير ولا كذلك ينتفع بهذا الخير في عمله، فهذا والعياذ بالله يكون حاله يوم القيامة من أهل العذاب. وجاء في حديث أسامة بن زيد أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور حولها كما يدور الحمار على رحاه، فيقال له: يا فلان، ألست أنت الذي كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: نعم، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. لم يعمل بعلمه، ينشر العلم ويخالف بفعله العلم. فهذا من أشد ما يمقت الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]. كبر مقتاً. ثم قال المؤلف رحمه الله: "فرأس العلم تقوى الله حقاً وليس بأن يقال لقد رأست". ومعنى هذا البيت: أن أصل العلم، رأس العلم، يعني أصل العلم خشية الله عز وجل. فإذا أورثك هذا العلم خشية الله، خشية الله عز وجل، فاعلم أنك قد انتفعت بهذا العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فأهل العلم هم أهل الخشية. وليس من خشية الله عز وجل أن تحب وأن تفرح بأن يقال لك: عالم، وأنك إمام، وأنك يقتدى بك. هذا ليس من خشية الله. ولذا قال: "وليس بأن يقال لقد رأست": يعني ليس بأن يشار إليك بالبنان ويقال: فلان مبرز، فلان عالم. فالعلم إنما هو خشية الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: "ليس العلم عن كثرة الرواية، وإنما العلم خشية الله تبارك وتعالى". وإنما العلم خشية الله تبارك وتعالى. فمن كان بالله أعلم كان منه أخوف، ولطاعته أطلب، وعن معصيته أبعد. هذه صفات من انتفع بالعلم. كلما ازداد العبد علماً ازداد خشية وطاعة لله وبعداً عن معصية الله عز وجل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: "كل علم لا يزيد صاحبه إيماناً فهو علم مدخول"، أي داخله شيء من المقاصد السيئة: كحب الشهرة وثناء الناس، أو مجاراة السفهاء ومماراة العلماء، أو طلب الدنيا وزخارفها ومتاعها. فهذا العبد إذا لم ينتفع بالعلم ففي طلبه للعلم دخن في شيء. علم لا يزيد صاحبه إيماناً فهو علم مدخول، أي داخله شيء. فالعلم النافع هو الذي يثمر الخشية والخوف، ويثمر العمل الصالح، ويثمر تجنب المعاصي. ثم قال رحمه الله تعالى: "وأفضل ثوبك الإحسان لكن نرى ثوب الإساءة قد لبست". أي أن أفضل ثوب تلبسه أيها المسلم وأيها طالب العلم وتكتسي به هو الإحسان. والإحسان هو بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه. وأعظم بذل يبذله المسلم بذل نشر العلم وبث العلم. فإن بنشر العلم تنقذ المسلمين من سخط الله ومن عذاب الله، وهذا أعظم إحسان. أيهما أعظم: شخص لربما أحسن إليك في أمر دنيوي، عليك دين فقضى لك دينك؟ هذا الذي تنتفع به هو سلامة دنياك. لكن شخص كنت على شرك أو كنت على بدع أو كنت على معصية، فأحسن إليك بنصحك وإرشادك وتعليمك، وكان سبباً في تركك لهذا الشرك أو لهذه البدع أو لهذه المعصية، فلا شك أن الثاني هو أعظم الإحسان. ببذل الندى وكف الأذى، فالعالم لا يخشاه الناس لا في أموالهم ولا في دمائهم ولا في أعراضهم لأن علمه يردعه عن ذلك، يردعه عن ذلك. فمن طلب العلم بلغ منزلة الإحسان، بلغ منزلة الإحسان. "وأفضل ثوبك الإحسان": هذا لمن طلب العلم. ومن ترك العلم وبقي على جهله فإنه يرتدي ثوب الإساءة. "ولكن نرى ثوب الإساءة قد لبست". فأي يوم تختار؟ أتحب أن تلبس ثوب الإحسان أم ثوب الإساءة؟ فلا تجن على نفسك، وأقبل على العلم وتجمل به كي تنال المراتب العالية. ثم قال: "إذا ما لم يفدك العلم خيراً فخير منه أن لو قد جهلت". "ما" هنا زائدة. "وإذا لم"، "إذا ما لم"، "إذا ما لم": خذ يا طالب العلم فائدة، ما بعد "إذا" زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [النمل: 83]، "ما" في الآية هذه توكيد وصلة، يعني بمعنى الزائدة، لكن تأدباً مع القرآن لا يقال زائدة. فقولوا: "إذا ما لم" يعني إذا لم يفدك العلم خيراً، أي تتعلم العلم وأنت لازلت على أخلاقك السيئة، وأنت لازلت على تثاقلك عن الأعمال الصالحة، عن المسابقة والمسارعة إلى الخيرات، تطلب العلم وأنت لا تزال مقيماً على المعاصي والذنوب. هذا اتهم نفسك. "إذا ما لم يفدك العلم خيراً فخير منه أن لو قد جهلت". خير لك أن تبقى على جهلك. وليس معنى هذا الحث على البقاء على الجهل، وإنما يحذر المؤلف من التفريط في العمل بالعلم. فهو يحذر من نوعين من الأخطاء الذي يقع فيها الناس، وحذرنا الله عز وجل منها في كتابه. الخطأ الأول: أن يبقى الإنسان على جهله لا يتعلم، وهذا خطر على الإنسان، وهذه من صفات النصارى: أنهم لا يتعلمون ويعبدون ربهم على جهل وضلالة. هذا الخطأ الأول. الخطأ الثاني: أن يتعلم المرء العلم ولا يعملوا به، وهذا أيضاً خطر على الإنسان، وهو من صفات اليهود: عندهم من العلم لكن لم يعملوا بعلمهم. والنجاة والسلامة أن تكون من أهل العلم والعمل، فتجمع بين الأمرين، وهو طريق الذين هداهم الله عز وجل من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وهذا معنى قولك في كل ركعة تصليها لله عز وجل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. فاسلك هذا السبيل، فاجمع بين العلم والعمل، اجمع بين العلم والعمل. فالمؤلف في هذا البيت يذم هذين الخطأين: أن يبقى الإنسان على جهله، وأن يتعلم ويخالف علمه فلا يعمل به. "إذا ما لم يفدك العلم خيراً فخير منه أن لو قد جهلت". وليس الجهل محموداً، وإنما المراد أن لا تتعلم ولا تعمل وأن تبقى على جهلك، وإنما تجمع بين العلم والعمل. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.