الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نوح عليه السلام هو أول رسول للبشرية، وقد أرسله الله إلى قومه بعد انتشار البشرية في الأرض ووقوع الشرك. قضى نوح ألف سنة إلا خمسين عاما في دعوة قومه.
أمر الله نوحًا بصنع الفلك ليحمل فيه المؤمنين، ثم جاء الطوفان العظيم وغمرت المياه الأرض بينما ركب نوح ومن آمن معه السفينة بأمر الله. يذكر المقطع تفاصيل عن ابنه الذي رفض الركوب معه.
نزلت سفينة نوح على جبل الجودي وبدأت حياة جديدة للبشرية من نسل نوح عليه السلام، الذي يلقب بآدم الثاني. يتحدث عن أولاد نوح وذريتهم وتاريخ ما بعد الطوفان.
يتطرق إلى الفترة الزمنية بين نوح وإبراهيم عليهما السلام ويصفها بأنها فجوة تاريخية غامضة. نوح عليه السلام كان رسولا يدعو إلى التوحيد والإيمان ويوصي بتوحيد الله وذكره.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. تذكيرا لما مضى وتأسيسا لدرس اليوم بإذن الله، سيكون حديثنا عن نوح عليه السلام. أشرنا في درس أمس إلى أن ما بين نوح وآدم عشرة قرون، بمعنى عشرة أجيال، يقدرها العلماء بخمسة آلاف سنة. في هذه المدة، انتشرت البشرية وسكنت الأرض، لكن مع طول الأمد وقع الشرك، كما أشرنا في قصة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرة، كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم في البخاري. فأرسل الله جل وعلا نوحا عليه السلام، ونوح يعد من الأنبياء الذين جاء ذكرهم كثيرا في القرآن. ذكر نوح في القرآن 43 مرة، وهذا العدد الكثير لأمر نوح عليه السلام له دلالة لجلالة أمره ولعظيم ما كان من قصته مع قومه. 43 مرة، ويعتبر نوح عليه السلام أول رسول للبشرية، أول رسول. ولما نقول أول رسول، إخواني في الله، ستتفرع عندي مسائل. المسألة الأولى: وماذا يقال في آدم؟ يقال في آدم أنه نبي، وأما أول رسول فهو نوح عليه السلام، بدليل ما جاء في حديث الشفاعة. ما جاء في حديث الشفاعة أنهم عندما تجتمع الأمم عند آدم فيطلبون منه الشفاعة، فيشير إلى نوح: اذهبوا إلى نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض. فنوح عليه السلام، فآدم يقر بأن نوح أول رسول أرسله الله إلى الأرض. تتفرع من هذه مسألة أيضا مسألة عن شخصيات غابت، وأشير إلى شخصيتين اثنتين، جاء ذكرهما في كتب التواريخ والأمم، ألا وهما شيث وإدريس. شيث وإدريس، شيث يشير المؤرخون إلى أنه ابن آدم، ابنه ابن آدم عليه السلام، وأن شيث أعطي النبوة بعد أبيه، وأعطي النبوة بعد أبيه، وأن الله عز وجل أعطاه من الكتب السماوية ما أعطاه. وقد جاء أثر عند حديث عند ابن حبان في ذكر نبوة شيث، إلا أن هذا الحديث ضعيف. كذلك مسألة إدريس عليه السلام، درجة كثير من المؤرخين كابن كثير في البداية والنهاية وغير واحد، أنهم يذكرون أن قبل نوح إدريس، وهذا مشتهر في كتب التواريخ، وعلى أن إدريس عليه السلام كان نبيا قبل نوح. لكن، إخواني في الله، هذا ليس بصواب، هذا وإن كانت له شهرة عند العلماء، لكن هذا ليس بصواب. لا نستطيع أن نحكم بنبوة إدريس. نعم، نبي، إنه كان صديقا نبيا، لكن إدريس يكون بعد نوح. وما الدليل؟ كما قال ربنا جل وعلا: ﴿كما أوحينا إليك وإلى نوح والنبيين من بعده﴾، ﴿وإلى نوح والنبيين من بعده﴾، فالله عز وجل أوحى لنا نوح، وبعد نوح أوحى لجميع الأنبياء، فذكر ربنا جل وعلا على رأس قائمة الوحي نوح، والأنبياء تبع، فما تقدم أحد على نوح عليه السلام. ما تقدم أحد على نوح عليه السلام. ولهذا، الصواب نقول: ما هناك أحد تقدم نوح، لا من الأنبياء والرسل. والله تعالى أعلم. فمن حيث الرسالة، قد جاءت السنة الصريحة: نوح أو الرسول. وأما من حيث النبوة، فالآية فيها إشارة إلى أن النبيين كانوا من بعد نوح عليه السلام. الشاهد، إخواني في الله، أن الله جل وعلا أرسل نوحا إلى قومه، وكما قلنا: بانتشار الذرية في الأرض انتشر نوح معها، فكان يذهب هنا ويذهب هنا. وقد عمره الله جل وعلا العمر المديد، ألف سنة إلا خمسين عاما، فكان يرتحل وينتقل، يخاطب قومه، تارة بالترهيب وتارة بالترغيب: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا﴾، إلى آخر هذه الآيات. وما كان من تعنت قومه، مع أن قومه بلغوا من التعنت ما بلغوا، من رد دعوته، من الاستهزاء به، من رميه بالجنون: ﴿ما اتبعك إلا الذين هم أراذلون﴾، ﴿ما عندك إلا السفهاء﴾، ﴿ما عندك إلا الضعفاء﴾، إلى غير ذلك. ومع ذلك، استفزوا في أنه لو كان من عند الله فليبعث لنا ربك بعذاب، إن كنت صادقا. إلا أن نوحا عليه السلام أبى أن يستعجل بعذاب قومه، فلا يزال يظن بهم خيرا. فلا زال نوح عليه السلام يمضي في الدعوة، في الدعوة، في الدعوة، حتى جاء الخبر من ربه، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾، يعني إلى هذا الحد يا نوح، لا تطمع في المزيد، ما سيؤمن أحد. وهذا لحكم أرادها الله. فلما علم نوح إلى أن هذا الرصيد الدعوي سيقف، حينها طلب الهلاك على قومه. لماذا طلب الهلاك على قومه؟ ليس من باب الانتقام لنفسه، لا، وإنما حفاظا على من آمن من قومه. فكان من دعائه أنه دعا ربه جل وعلا: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾، فهذا الذي جعل نوحا يدعو على قومه، بعدما أخبره ربه: لن يؤمن أحد من قومك. حينها، أمره ربه جل وعلا أن يصنع الفلك، أن يصنع السفينة. وشرع نوح في صناعة السفينة، وأخذ على ذلكم السنوات، الذي يذكر في كتب التواريخ والتفاسير: على أنه أخذ خمسين سنة، خمسين سنة وهو يبني. وقد كبر سنه، أعانه من آمن معه من أتباعه، حتى قيل: إن نوحا عليه السلام كان من رعايته لأمر السفينة، أنه كان هو الذي يقوم بزرع الأشجار التي سيكون أمرها ألواحا، كان يعتني بهذه الأشجار، فكان يغرزها ويرعاها ويرعاها حتى تشتد، لأنه يعرف المهمة التي ستناط بهذه الأشجار فيما بعد. فكان يعتني بها، ثم لما بلغت الأشجار مبلغ الحطب، قطعها ألواحا وصنع السفينة. في هذه السنوات الطوال، للعلماء أقوال في كيفية صناعة السفينة، ما يتعلق بطولها وعرضها وعمقها. لسنا في صدد هذا، لكن مما يذكر كذلكم في هيئتها: أنه جعلها على ثلاثة أطباق، ثلاثة أطباق. الطابق الأول، هذا أعده للحيوانات، لأن الله سيأمره حينها أن يأتي بجميع الكائنات، فتدخل معه، فجعلها الطابق الأول الذي في القاع. الطابق الوسط، جعله للبشر، ولمن آمن معه. والطبق الأعلى، جعله للطيور، على كافة أشكالها وألوانها وأصنافها. هذا الذي يذكر في باب التواريخ، في صناعة نوح عليه السلام لأمر السفينة. بدأ نوح عليه السلام يصنع ويصنع، وكلما مر عليه قوم من الملأ من قومه، سخر منه. فكان قومه يستهزئون بنوح، وسخريتهم تعود إلى أمرين اثنين، سخرية قوم نوح من نوح في جهتين اثنتين. الجهة الأولى: أنه يصنع سفينة في أرض يباب، في أرض يباس جفاف، ماهي موطن بحر. كيف هذا؟ والأمر الثاني: أنه قالوا: يا نوح، كنت بالأمس نبيا والآن نجار. بالأمس كنت نبيا تدعو إلى الله، والآن أصبحت نجارا، لأنه قد اشتغل كل وقته، لأنه خاف ما هناك دعوة تنتهي، الدعوة، لأنه تكون دعوة تحصير حاصر، ما أحس يؤمن أصلا، ما أحس يؤمن لهذا ترك هؤلاء لله، فاشتغل بما ينفعه وينفع من آمن معه. فكان يشتغل بالنجارة ليل نهار، يحتطب ويشتغل مع من معه من قومه. فكانوا يستهزئون عليه ويقولون: كنت بالأمس نبيا والآن نجار. فيستهزئون عليه، وهو صابر محتسب عليه السلام. فلا يزال كذلكم حتى يأتيه الأمر من ربه. وما هو الأمر؟ وما هي العلامة التي ينتظرها نوح عليه السلام لكي يصعد إلى السفينة؟ وما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفارت التنور﴾، التنور، والتنور الذي نعرفه: تنانير تعرفونها. الأرض بدأت تتشبع بالماء. طبعا، ما أحد يدري بالذي يكون في باطن الأرض، في سطح الأرض، ما أحد يدري. الأرض بدأت تتشبع بالماء، لكن علامة صعود نوح إلى السفينة: أنك إن وجدت فتحت التنور، التنور، فوجدت أن الماء أخذ يفور من داخل التنانير، يتصاعد الماء من داخل التنانير. هذا يا نوح هو أمر من الله بأن تصعد الآن إلى السفينة. فقال ربنا جل وعلا: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفارت التنور فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾، من كل زوجين اثنين، أي من كل الكائنات، من كل الهوام والسباع والحيوانات. فما نجده من هذه الكائنات الموجودة في المعمورة صعدت على متن سفينة نوح عليه السلام، الأصول، الأصول، من كل حيوان ذكر وأنثى، ذكر وأنثى، زوجين من الحشرات والهوام والسباع والدواب والطيور، كل شيء. هذا إذا جاء أمره. وأهلك، وأهلك: من كان من أهلك، أو سيأتي معنى من كان من أهله، إلا من سبق عليه القول، أي ممن حرموا الإيمان، كزوجته، كزوجته، لأنها كانت على الكفر، كانت على الكفر، فلم تدخل، ولم تكن من أهل السفينة. فالحاصل، إخواني في الله، لما وقع الأمر، وانتظر نوح عليه السلام الأمارة، فصارت الأمارة. سرعان ما دخل إلى السفينة، وأخذ ينادي بأصحابه وأتباعه، وينادي بالكائنات: أن أقبلي علي، أقبلي علي. فأقبلت الكائنات، تخرج من خرج من الأرض، تحت الأرض، من الهوام، ومن خرج من الغابات، ومن خرج من الصحاري، من كان في الماء في الماء، ومن كان في الجو أتى وطلع وصعد إلى السفينة. فاجتمعت الكائنات. الناس لا زالوا في فضولهم، مع أن هذه آيات عظيمة تدعو إلى الانبهار، لكنهم ما زادهم هذا إلا غرورا واستكبارا. فلما رأوا نوحا قد صعد إلى السفينة، ومن معه، فازدادوا ماذا؟ تهكما في نوح، وقالوا: مجنون. وازدجر، أخي، هذا مجنون. ماذا يعف سفينة يا ابن هذا؟ خرج. وقالوا: مجنون. وازدجر. حينها، دعا ربه: ﴿إني مغلوب فانتصر﴾. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا، فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر، تجري بأعيننا، أي بحفظنا ورعايتنا، مع إثبات صفة العينين لله. فربنا سبحانه وتعالى جعل مياه السماء مع مياه الأرض تلتقي. أصبحت المياه تخرج من السماء، ليست قطرات، بل كأفواه القرب، ماء قرب تفتح أبواب، كما شبهت في القرآن، وتخرج مياه. والأرض تنبع الماء، عبارة عن عيون يخرج منها الماء، يخرج منها الماء. فلا زال الماء يتجمع على الأرض، الذي يخرج من الأرض، والذي ينزل من السماء، حتى أصبحت الأرض مغمورة بالمياه. طبعا، نوح عليه السلام كان على ماذا؟ على ذات ألواح ودسر، الدسر هي المسامير، أي أن الله عز وجل نفع نوح بهذا الاختراع الذي أمره الله، السفينة التي كان بالأمس الكفار يستهزئون على نوح بصنعها. علم الناس الآن حكمة نوح عليه السلام في صنع السفينة، وأنه قد أعد هذه العد لهذا اليوم. فبينما نوح عليه السلام في السفينة، وقد أمر كما قلنا من كان معه من أهل الإيمان، طبعا، وما آمن معه إلا قليل. كم عددهم؟ كم عدد من آمن مع نوح عليه السلام؟ الذي يذكر في كتب أهل الكتاب، في كتب أهل الكتاب: أن الذي آمن مع نوح ثمانين شخصا فقط، ثمانين، بين ذكر وأنثى. تخيل مئات السنين وهو يدعو إلى الله، وما آمن إلا هذا النزر اليسير، هذا العدد. يصيب، يخطئ، لكن يكفينا ما قاله ربنا: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، هذا هو كلام الله. وما جاء في كتب أهل الكتاب يستأنس به. فآمن معه القليل من البشر، ولما صعد الجميع، قال لهم نوح عليه السلام: ﴿اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها﴾، أي بسم الله تجري، وبسم الله ترسي، أي أن هذه السفينة ستحرك من قبل الله، الله يحركها كيفما شاء جل في علاه، تجري بأعيننا، كما قلنا: بحفظنا ورعايتنا سبحانه وتعالى. وقد وصف الله جل وعلا مشهد هذه المياه العظيمة، وكيفية حركة السفينة فيها، قال سبحانه: ﴿وهي تجري بهم في موج كالجبال﴾. نحن أهل بحر، نحن أهل بحر، عندنا الأمواج تتلاطم، كم عسى نجد الموج؟ كم عسى أن يرتفع الذراع؟ من دخل في الغبة في العمق، يجد ترتفع شيئا ما، وخل ترتفع الأمواج إلى مسافات بعيدة. نعم، هناك آيات مثل تسونامي، من نظر إلى هذه الظاهرة الفاجعة التي حصلت لأهل الأرض في تلكم البقاع، ظاهرة سونامي، ينبئك الناس، بل الخبراء، عن عظيم الأمواج التي حصلت، ما لها نظير. وأن الأمواج كانت تأتي على مسافات طويلة جدا، تأتي على مسافة عمارات، أمواج تأتي وتأتي، حتى غمرت الأرض. هذه آية قد جعلها الله في العصر الحديث، لا نذهب بعيدا، وقد أذهلت الناس، وقد أغرقت تلكم البقاع من الأرض. وسلم الله من سلم. فكيف إذا كانت هذه الأمواج كالجبال؟ جبل، عندنا كذلكم جبال. تخيل أن مقدار الموج عبارة عن جبال، لربما النظر لا يقصيه لعظيم موج هذه الأمواج، الذي تجمعت من السماء والأرض. وهذه الأمواج، وهذه البحار، غمرت الأرض، الأرض الكروية، كرة الأرض، كلها غمرت بالمياه، كلها مياه، ما هناك بقعة أرض صالحة للسكن، بل أصبحت الأرض كلها ماء في ماء، مئة في المئة، إلا من كان على ظهر السفينة، إلا من كان على ظهر السفينة. من الحوادث التي صارت مع نوح عليه السلام، وهو في سفينته: أنه نظر، فوجد ابنه مع القوم، مع الكافرين. فحينها دعا ونادى، قال: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾، اركب ابني، صلبي، مهما كان الأب شفيقا على أولاده، وإن وقع الخلاف، ولو وقع الشجار، ولو وقعت أي شيء، مهما كان رحمة الآباء، ليس لها نظير. فقام نوح عليه السلام ودعا ابنه أن يركب، يركب معه وينجو بنفسه. فأبى الابن، قد كتب الله عليه الشقاء، قال: ﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾. فقال نوح عليه السلام، وهو يدري بمآلات الأمور، بما أعلمه له ربه، قال: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله﴾، تعتصم بماذا ستعتصم؟ ما هناك شيء سيعصمك من أمر الله، لأن الله أمر بإغراق الأرض بمن فيها، وكل من فيها. كل من فيها أغرقهم الله سبحانه وتعالى. بعدما تمت هذه المهمة، وملئت الأرض بالمياه، وانغمرت. والله أعلم بالمدة، والله أعلم بالمدة، كم هي المدة التي ظلت السفينة ترسو وحدها، تمشي، تمشي. الله أعلم. طبعا، في عند التوراة المذكور في كتبهم: أن السفينة بقيت أربعين يوما. في التوراة عندهم: أن السفينة بقيت أربعين يوما. وجاءت عن بعض الآثار، عن بعض العلماء: أنها بقيت ستة أشهر، وهي عائمة في هذه المياه، عائمة وهي تجري بأمر الله سبحانه وتعالى. حتى بعد ذلك، أمر الله سبحانه وتعالى بأن ترفع هذه الظاهرة، وأن ترجع الأمور إلى ما كانت عليه. فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء واستوت على الجودي﴾، هذه الآية، ذكر علماء البلاغة والبيان والفصاحة: أنها أفصح آية في القرآن، أفصح آية في القرآن. هذه الآية، يأمر ربنا جل وعلا السماوات والأرض أن تقف، أمر الله عز وجل. فقال جل في علاه: ﴿يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾، أي سماء الأمطار، ماء الأمطار أقلع، قف. ﴿وغيض الماء﴾، أي بهذا قل الماء، قل الماء، قل منسوب المياه. ثم استوت، استوت، ورست السفينة على الجودي. ما هو الجودي؟ الجودي هو اسم جبل، وهذا الجبل مكانه تحديدا بين العراق وبين تركيا، يقدر أنه في شمال العراق، في شمال العراق. هذا هو محط نزول سفينة نوح عليه السلام. هذا إذا قلنا أن الجودي هو جودي معين، لأن بعض العلماء يرى أن الجودي هو اسم الجبل، وما ندري أي جودي نزلت. وحطت السفينة. فيقال: جودي كذا، جودي كذا، جودي كذا. جودي بمعنى الجبل مرتفع، فنزلت فيه السفينة. لكن بعضهم يرى أن هذا الجودي المكان المرتفع لا محدود، وهو بمنطق جبل معروف بهذا اللقب، وهو في شمال العراق. وهناك حطت السفينة. ومع ذلك، لما نزلت السفينة، كان نوح عليه السلام لا زال يفتقد ابنه، يفتقد ابنه. ونادى نوح ربه، فقال: ﴿رب ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾، أي أنك وعدتني يا رب بأن تنجي أهلي. وأن ابني من أهلي. وأن ابني من أهلي. فكان يسأل ربه جل وعلا، عل وعسى أنه يجد مخرجا لابنه مما قد صار وحصل. فكان رد الله عز وجل: ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه ليس من أهلك﴾، الذين وعدت بأني أنجيهم، إنما الذي وعدتك لهم من كان من أهلك من أهل الإيمان، هؤلاء نعم سأنجيهم. أما إن كان من عداد الكافرين، ومن كان معهم، ما هناك موعدة بيني وبينك. فقال سبحانه: ﴿إنه عمل غير صالح﴾، قيل: الضمير يعود إلى الدعاء، أن هذا الدعاء منك يا نوح ليس بعمل صالح، قد قضي الأمر، وقد كتب الله على ابنك الهلاك، وقبل ذلك الكفر، فلا ينبغي أنك تدعو في شيء قد قضي أمره. أو أنه عمل غير صالح، كونك تدعو أن تجعل ابنك وهو الكافر يعيش مع المسلمين، لا ما يعيش معهم، هذا ليس بعمل صالح. ماذا يستجاب لك فيه؟ فالحاصل، إخواني في الله، أنه لما وصلت السفينة إلى هذا المكان، إلى الجودي، قال ربنا جل وعلا: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾، أخبره ربنا جل وعلا بما سيكون معك الآن، وبما سيأتيك. ستأتي منك أمم، وستأتي بعد ذلك أمم كافرة. وهذه الأمم الكافرة، ما به سيمتعهم الله؟ تخيل وتأمل، هم أمم كافرة، وسيمتعهم الله. وبهذا إشارة يا عبد الله إلى أن متعة الدنيا ليست غاية، ليست غاية. تجد بعضا من المسلمين لربما لا زال أنظاره تشرئب إلى ما عند الكفار، ويعجب على أصابع الندم. أخبر الله بختهم: شوف الكهرباء عندهم، شوف المياه، شوف الاقتصاد، شوف الدولار، شوف كيف يعيشون كيف. فلا زال ينظر إلى متعة الدنيا الذي متع الله بها الكفار، وينسى ما متعه الله جل وعلا من الإيمان والإسلام، ما حباك الله جل وعلا به، هو الأعظم، وهو الأبقى. فلا تغتر. الأمم الكافرة هي كافة، يمتعها الله، يمتعها الله، كما فعل عمر عندما دخل على رسول الله، فوجد الحصير قد أثر على جنب رسول الله، وهو نائم عليه، حتى بكى عمر، بكى. فاستيقظ نبينا على بكاء عمر، قال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله، الفارس والروم في الجنات والأنهار، وأنت رسول الله، وهذا الحصير قد أثر على جنبك. هنا المقياس الذي نجده عند بعض الناس. فقال نبينا: يا عمر، أوما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ هذه الحكمة. لا تنظر يا عبد الله إلى الدنيا، الدنيا يعطيها الله لمن يحب ولمن لا يحب. ها هي أمم سنمتعهم كفار، قال: ﴿ثم يمسهم من عذاب أليم﴾، الغاية هناك في يوم القيامة. فلا يا عبد الله، لا تجعل منظورك في قياس سعادة الناس في متعة الدنيا، فهذا ليس معيار. فالكافر يمتعهم الله، لربما أعظم من متعة ما يجده المسلم في هذه الدنيا، لكن عبارة عن دنيا زائلة، والآخرة خير وأبقى. فالشاهد، إخواني في الله، أن نوحا عليه السلام نزل إلى الأرض، نزل إلى الأرض، ونزل معه من كان معه من أهل الإيمان، مع أزواجهم وذراريهم وأهاليهم. والكائنات كذلك خرجت، من كان في الجو كان في الجو، ومن كان في البر، وأما في البحر قد بقي. وعاشت الأمم، وأقصد بالأمم من كان مع نوح، عاشوا. تأمل كلامي الآن: الذين خرجوا مع نوح عاشوا، هذا مع زوجته، وذاك مع زوجته، وذاك مع زوجته، وعاشوا، وعاشوا، لكن ما تكاثروا، ما تكاثروا، ولا أنجبوا أحدا. وكان كل من كبر منهم يأتيه أجله، مات. وزوجته بالمثل ماتت. وذاك، وذاك، وذاك، كل من كان مع نوح عليه السلام انقطعت الآجال منهم في أوقاتها، ولم يخلف أحدا من البشر. قد يقول قائل: والبشرية من أين جاءت؟ البشرية جاءت من صلب نوح عليه السلام. فعلى قول أكثر أهل العلم: على أن نوحا عليه السلام هو الذي جعل الله جل وعلا في حقه التناسل، وجعلنا ذريته هم الباقين. ذرية نوح هي الذرية الباقية فقط. وأما من خرج مع نوح من أهل إيمان، ماتوا، وما تكاثروا، وما أنجبوا. فنوح، فنوح فقط هو الذي بقي. ولهذا، إخواني في الله، يلقب نوح عليه السلام في كتب التواريخ بماذا؟ بأنه آدم الثاني. ويلقب أيضا بأنه ماذا؟ آدم الصغير، آدم الصغير، أو آدم الثاني. لماذا؟ لأنه شابه آدم بهذه الخصلة. آدم، والكائن الوحيد الذي منه تفرعت البشرية. فلما جاء في عصر نوح، وجاء الطوفان، انقرضت البشرية، بعد آلاف السنين كما أشرنا. فبقي نوح عليه السلام، ومن خرج من نسله، هؤلاء الذين كتب الله لهم البقاء. وهؤلاء انتشروا. من بقي من ذرية نوح؟ أشار العلماء في كتب التواريخ: على أن نوحا عليه السلام كان له أربع من الولد، كان له أربع من الولد، وهم حام، وسام، ويافث، ويام، أربعة. سام، وحام، ويافث، والأخير يام، هؤلاء هم أربعة من ذرية نوح عليه السلام، من أبنائه. وكل واحد منهم تفرعت أمم. أما ما يتعلق بحام ابن نوح، فقد كان من نسله خرج القبط، والبربر، وأهل السودان، وأصحاب القشرة السوداء، هؤلاء يرجع أصلهم إلى ابن نوح، وهو حام. والثاني وهو سام، وهذا سام كان من نسله العرب، والفرس، والروم. ثم كان يافث، وهذا يافث خرج منه الترك، ومن كان من أمثال هؤلاء من صغار الأعين، هذا أصولهم ترجع إلى يافث. ومنهم يأجوج ومأجوج، ومنهم يأجوج ومأجوج. وأما الأخير، وهو يام، هذا الذي هلك مع الكافرين، هذا الذي هلك مع الكافرين. وعند أهل الكتاب يسمونه بكنعان، أهل الكتاب يلقبون هذا يام بكنعان، ابن نوح الذي هلك مع الطوفان. أشهد، إخواني في الله، أن نوحا عليه السلام، بعدما عاش هو ومن كان معه من ذريته، بدأت المعمورة تنتشر. وكان نوح عليه السلام كما أشرنا: رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهله، فكان يدعوهم إلى الإسلام، وإلى الإيمان، وإلى تقوى الله جل وعلا. وقبل هذا وذاك إلى وحدانية الله، وإلى تعظيم الله جل وعلا. بل قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾، أي عندكم يا أهل الإسلام من الدين بمثل ما وصى الله به نوحا عليه السلام. فنوح عنده شريعة، نوح عليه السلام جاء بشريعة فيها شريعة الإيمان، والتقوى، والإعظام، والإجلال لله سبحانه وتعالى. شاهد، إخواني في الله، مما يذكر كذلك في هذه المسائل من مسائل نوح عليه السلام: أن نوحا لما بعث، رجعت الأرض إلى ما كانت عليه، ماذا الذي كانت عليه؟ لا أحد فيها. ولهذا احتاجت الأرض إلى فترة طويلة لكي تعمر بالبشرية. تخيل ما بين ما بين آدم إلى نوح، كم قلنا؟ خمسة آلاف سنة ذهبت، أذهبها الله، وغير البشرية كلها، أبادها، ما أبقى ربنا إلا القليل. فكم تحتاج البشرية إلى أن تعود؟ تحتاج إلى آلاف السنين، إلى آلاف السنين، إلى أن تعود إلى ما كانت عليه، إلى ما كانت عليه. وهنا، إخواني في الله، من المسائل التي نتحدث عنها الآن، وهي طبعا بهذه المسألة انتهى أمر نوح. طبعا، ونوح عليه السلام كان على التوحيد. ومما يذكر من ذلك: ما ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين: أن من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال عليه الصلاة والسلام: «إن نوحا لما حضرته الوفاة، جاءته المنية، قال: يا بني، أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين. هذه وصية نوح عليه السلام في آخر عمره، قال: يا بني، أوصيك بلا إله إلا الله، توحيد. فلو أن السماوات السبع كن حلقة مبهمة لققصمتهن لا إله إلا الله. ثم قال: وآمرك بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. هذه وصية نوح عليه السلام لابنه، وأبنائه من بعده. آمركم بلا إله إلا الله، وآمركم بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق». أشهد، إخواني في الله، بعد ذلكم جرت أحداث، الأحداث من بعد نوح، تعتبر أحداث غامضة، إلى زمن إبراهيم عليه السلام. من زمن إبراهيم الخليل عليه السلام إلى أمتنا، هذا التاريخ واضح، واضح جدا. من الذي جاء؟ من الذي أتى؟ أين الذي نزل؟ كم عاش؟ كم مضى؟ واضح التاريخ، من حيث القرآن، والسنة، وأقوال العلماء، واضح في هذا الباب. والأدلة كثيرة تدل على ذلك، الوقائع القرآنية، أشبعت هذه المواضيع ذكرا. هذه من نوح إلى زماننا، لكن الإشكال من بعد نوح إلى زمان إبراهيم عليه السلام، كما يعبر عنه: هذه فجوة تاريخية، ما ندري بالأحداث التي صارت فيها. والأدلة الشرعية، والعقلية، تدل على هذا الغياب التاريخي. الأدلة الشرعية: ما ذكره ربنا جل وعلا في قوله: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح﴾، كم من بعد نوح، جاءت قرون كثيرة. وكم، وكم هنا للتكثير. وكم هنا للتكثير. كم وكم من القرون جاءت، جاءت، فأهلكها الله، بمعنى أنها لا أحد يدري كم هي. ودليل آخر: ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾، ما أحد يعلمه إلا الله وحده. فهذه الفترة، الفترة من بعد نوح إلى إبراهيم عليه السلام، هذه تعبر بآلاف، آلاف، آلاف السنين، ما ندري بما صار فيها من أحداث، علمها عند ربي، لا يعلمهم إلا الله جل في علاه. والدليل العقلي الذي يدلك على غياب هذه الفترة الزمنية: تأمل يا عبد الله إلى ما جاء في الحديث الصحيح: أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم، وطوله ستون ذراعا، وقد قدرنا بالمقياس العصري: ثلاثة وثلاثين متر، طول شاهق. ثم أخبر نبينا: أن الخلق لا زال يتناقص، يتناقص الخلق. طيب، نريد أن نعرف كم مقدار التناقص، حتى نصل إلى المدة الطويلة بين آدم وبين نوح، بين نوح إلى إبراهيم. الآن نبدأ نحن الآن، نحن في أزماننا، كم طول الواحد يصل مثلا؟ لا بأس هكذا أقول: مترين، هذا كان شخص ما شاء الله، فيه طول، مترين. طيب، نحن في هذا الأزمان وصلنا إلى حد المترين. طيب، ابدأ معي الآن، سننظر إلى السنوات، وننظر إلى التناقص الذي حصل، الذي حصل فينا. كم بيننا وبين نبينا عليه الصلاة والسلام؟ 1400 سنة، التاريخ الهجري يحكم بيننا، 1400 سنة بيننا وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام. كم بين عيسى وبين رسول الله؟ 600 سنة، 600 سنة، هذه كانت بين عيسى وبين نبينا، قد جاء ذلك في البخاري، أثر عن سلمان الفارسي: بين عيسى وبين رسول الله 600 سنة. طيب، كم ما بين موسى إلى عيسى؟ ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: الاتفاق، الإجماع، على أنه من دين اليهود إلى بعثة رسول الله، لا يقل عن 2000 سنة. طيب، لا يقل عن 2000 سنة. لو أخرجنا ما بيننا وبين عيسى 600، كم باقي؟ 1400 سنة، نعم، جاء عن أثر ابن عباس: أن ما بين موسى وعيسى 1700 سنة. طيب، قلنا الآن: نحن إلى عيسى 2000 سنة، ومن عيسى إلى موسى 1700 سنة، كم هذه؟ كم هذه السنوات الآن؟ 2000 مع 3700، من موسى إلى إبراهيم عليه السلام، قال العلماء: بأنها 1000 سنة، بين إبراهيم إلى مو