الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يتحدث عن قصة آدم عليه السلام في الجنة ووسوسة الشيطان له ولحواء، وتناول كيفية استطاعة الشيطان إغواء آدم وتناوله من الشجرة المحرمة. بعد ذلك، عاتب الله آدم لمعصيته، لكنه تاب واستغفر.
بعد التوبة، أمر الله آدم بالهبوط إلى الأرض مع حواء وإبليس، وبدأت مرحلة جديدة في حياة آدم على الأرض حيث جعله الله نبيا ورسلا ليعلم ذريته الشريعة والدين. ثم وقعت عدة حوادث لآدم عليه السلام في الأرض.
ذكرت بعض الحوادث التي وقعت لآدم عليه السلام في الأرض، منها قصة حمل حواء وولادة الذكور والإناث، وقصة ابني آدم الذين قربا قربانا لله. ثم تروي القصة كيف جاءت الملائكة لقبض روح آدم عليه السلام وتكريمهم له بعد وفاته.
عاش الناس بعد آدم على التوحيد لمدة عشرة قرون. ثم يشرح كيفية حساب عدد الأجيال بيننا وبين رسول الله، ويبين أن عمر الجيل الواحد 40 سنة، ويصل إلى أن هناك 28 جيلا بيننا وبين رسول الله.
ينتقل المقطع إلى الحديث عن نوح عليه السلام الذي جاء بعد آدم بخمسة آلاف سنة، مشيرا إلى استمرار سلسلة الأنبياء والرسل في هداية الناس.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، وكان هو الدرس الأول فيما يتعلق بالملخص المختصر في سيرة الأنبياء والرسل، كانت البداية بأبي البشر، آدم عليه السلام. وعرجنا إلى مسائل كثيرة منها ما يتعلق بقبل خلق آدم، ما كان من خلق الملائكة، ثم ما كان من خلق أصل الجن، وهو إبليس، ثم ما كان من مراحل خلق آدم عليه السلام. وكيف أن الله أكرمه، وكيف أن الله جل وعلا أعلى شأنه عن باقي مخلوقاته. ثم إن الله عز وجل، بعدما خلق آدم وأسجد له الملائكة، أسكنه الجنة، فسكن آدم الجنة. وقلنا وخلق الله جل وعلا لآدم من يؤانسه، وهي حواء. إلا أن حواء لم تكن من الجمال والجلال كحال آدم عليه السلام. فآدم قد بلغ مبلغا عظيما، لأن الله عز وجل شرفه بأن خلقه بيده. فكانت حواء دون آدم عليه السلام. فأسكن الله جل وعلا آدم وحواء الجنة، وحذرهم ربنا جل وعلا من إبليس. وقد مر معنا ما كان من أمر إبليس حينما امتنع عن السجود، فحذره ربنا جل وعلا من إبليس، قال: «إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى». ومن الأمور التي حذر ربنا آدم عليه السلام منها عدم قربان شجرة في الجنة، هذه لا تأتيها، لا تقرب منها، لا تأكل منها فقط، ولك ما شئت من الجنة من الأكل، تأكل منها رغدا. عاش آدم عليه السلام مع حواء في الجنة عمرا الله أعلم به. طبعا هناك مسألة أنا ما أحب أن أدخل فيها، لأننا كما قلت نحاول أن نجعل الكلام حول الأنبياء والرسل، وهي مسألة ما هي الجنة التي جعلها الله لآدم. الخلاف حاصل بين العلماء، منهم من قال هي جنة الخلد، وهذا قول أكثر العلماء، ومنهم من ذهب إلى أنها جنة أخرى ليست بجنة الخلد. والذين ذهبوا إلى أنها ليست بجنة الخلد اختلفوا فيما بينهم، أين كانت؟ هل هي في السماء أم في الأرض؟ وقع الخلاف أيضا في الفرقة الثانية. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في فتاويه في بداية أمره كان يشدد النكير على من قال ومن زعم أن آدم ما سكن في جنة الخلد، بل جعل أن هذا القول قول المبتدع، قول الفلاسفة، قول المتفلسفين، قول المتكلمين، قول باطل. ثم في آخر حياته ألان الكلام رحمه الله وأثبت على أن هذه مسألة خلافية. فالخلاف حاصل. ابن القيم رحمه الله تعالى أبدع في ذكر أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء، ثم في الأخير خرج بلا حل، ما رجح لا هذا ولا ذاك. فالمسألة ليست بتلك المسألة التي تنبني عليها أحكام. وإن كانت ظاهر الأدلة - والله تعالى أعلم - أنها جنة الخلد. فلما تناقش موسى مع آدم ولام آدم، كان من لوم موسى على آدم قال: «أخرجتنا من الجنة»، يعني بسببك. فالشاهد أن آدم عليه السلام سكن الجنة، وهي جنة الخلد. وإلا كما قلنا، البحث في هذا طويل، ولست في قصفي صددي تتبع أقوال العلماء في هذا الباب. إنما حسبنا أن نشير إلى ما يتعلق بالأنبياء والرسل. الشاهد أن آدم عليه السلام سكن في الجنة عمرا طويلا، ثم بدأ الشيطان يوسوس لآدم. هنا مسألة: كيف استطاع الشيطان أن يوسوس لآدم؟ هذا إشكال. ولا زال في القصة الأولى لما امتنع آدم، امتنع الشيطان عن السجود، ما الذي أمر به ربنا الشيطان؟ أن يخرج، أخرج منها، أخرج من الجنة، فإنك رجيم. خرج الشيطان بنص القرآن من الجنة، متى؟ في هذه اللحظة عندما امتنع عن السجود. طيب انتبه معي الآن، تدور الأحداث وتمر السنوات الطوال التي عاش فيها آدم في الجنة، ثم أكل من الشجرة بعد ذلك، يأتي الخطاب لآدم ولزوجته وللشيطان: «اهبطوا منها جميعا». متى هبط الشيطان؟ هبط في آخر الأمر. هنا الإشكال حاصل. فعندي أن الشيطان أخرج عندما امتنع عن السجود، أخرج من الجنة. وعندي في سورة البقرة: «اهبطوا منها جميعا»، بعضكم لبعض عدو. من الذي هبط؟ آدم وحواء والشيطان، خرجوا مع بعض. إذن كان الشيطان لا زال فوق هنا. وقع الإشكال بين علماء أين كان مصير الشيطان عندما خرج؟ هذه مسألة. وكيف استطاع الشيطان أن يوسوس لآدم؟ طبعا أقول علماء كثيرة في هذا الباب، لكن حسبنا أن نقول الله أعلم كيف هذا. لكن نقول بالوسوسة استطاع الشيطان، وقد مر معنا أن الله عز وجل مكن الشيطان بخصائص استغلها في إضلال الآدميين، ومن ذلكم الوسوسة. استطاع الشيطان أن يوسوس في ذهن آدم، في صدر آدم، في قلب آدم. هذا الأمر. وإلا كما قلت، لا زال العلماء يقفون عند هذه المسألة، يقولون الله أعلم كيف استطاع الشيطان أن يوسوس لآدم. وقعت الوسوسة بماذا؟ وسوس الشيطان لآدم؟ آدم عليه السلام عندما عاش هذه الحياة الرغد في الجنة، أتاه الشيطان من هذا الباب، من باب الحرص على البقاء. وأخبره بأني كنت قبلك في الجنة، أنا قبلك في الجنة، وأعلم أشياء أنت لا تعلمها. ومما خفي عليك، تأمل في الملائكة، ما الذي جعل الملائكة على هذه الحال؟ ما الذي جعل الملائكة هم من أهل الخلود؟ الذي جعلهم على هذه المكانة وعلى هذه المرتبة الشجرة التي منعت منها، فإن فيها هذه الخصال من خصال البقاء. فكان هذا هو وسواسه: «ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين». والنهي من هذه الشجرة حتى لا تتحول إلى ملائكة أو لا تكون من الخالدين. وإن كان آدم عليه السلام صدق، مع أن هذا وإن كان هذا خطأ من آدم، لأنه اعترف بمعصيته، خطأ لأن آدم ما الذي تريد من الملائكة؟ أنت أشرف من الملائكة، بدليل أن الملائكة هم سجدوا لك. أنت أرفع مقاما. ومن أخبر آدم أنه لن يخلد في الجنة؟ فوضاق فيها. لكن لحكمة أرادها الله تسلل إلى آدم هذا الأمر، ألا وهو الحرص. أشار العلماء في قصة آدم والشيطان أن من أعظم الأسباب التي أودت إلى هلاك الناس تعود إلى ثلاثة أمور: الحسد والكبر والحرص. الحسد في أمر إبليس عندما حسد آدم على منزلة الاستكبار، عندما استكبر الشيطان عن السجود والإنصياع لأمر ربه. والحرص الذي صدر من آدم عليه السلام، لأنه ما جره إلى أن يأكل من الشجرة إلا الحرص على أن يبقى خالدا مخلدا. وهذه مسألة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن أصول المعاصي التي عليها الناس ستعود إلى هذه الأصول الثلاثة: الحسد والكبر والحرص. الحاصل أن الشيطان استطاع بدهائه أنه يدفع آدم عليه السلام إلى أن يأكل من الشجرة. فكان الأمر كما كان، قرب آدم عليه السلام من هذه الشجرة، فأكل منها هو وحواء. فماذا صار؟ صار كما قال ربنا جل وعلا: «فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة». من أول ما ذاق ثمر هذه الشجرة، سرعان ما تساقطت الثياب التي عليهما، فظهرت العورات وظهرت السوآت. وهنا سرعان ما كان من ردة فعل آدم وحواء أنهم أخذوا من أوراق الشجرة ما يسترون به العورة. فهذه فطرة، ولا زال الناس تجد الإنسان السوي إذا نزعت منه الثياب سرعان ما يغطي سوأته، هذه الفطرة السوية. لكن أما المنحل المنحرف هو الذي يتبجح بإظهار سوأته. فسارع آدم عليه السلام مع حواء إلى الأخذ من أوراق الشجرة لتغطية ما كان مما ظهر من عوراتهما. فحينها ناداهما ربنا عز وجل: «ألم أنهكما عن تلكم الشجرة وأقول لكما إن الشيطان لكم عدو مبين». ألم أحذرك يا آدم من قربان الشجرة، من الأكل مما فيها؟ مسألة ما هي الشجرة الذي أكل منها آدم عليه السلام؟ المفسرون كالإمام الطبري رحمه الله تعالى قطعوا الآمال في معرفة ما هي الشجرة، الله أعلم بهذه الشجرة، ما هي؟ الله أعلم بها. لكنها عينت لآدم، هذه لا تأتيها. ونحن كذلك بالمثل، الله أعلم شجرة وقع عليها الامتحان. لكن غيرنا من اليهود ومن غيرهم ومن تبعهم من النصارى أخذوا يفسرون ما هي هذه الشجرة، فقالوا: «ما هي؟ قالوا هي شجرة المعرفة». شجرة المعرفة هي الشجرة التي نهي آدم عليه السلام عن الأكل منها. طيب هل هذا الكلام له أثر؟ نعم كان له أثر عظيم في حياة تلك الأمم اليهودية والنصرانية. وما أثره؟ أثره أن الكنيسة حاربت العلم، من كان يقرأ في العصر الحديث يعلم ما كان من مظاهر هذا الاعتقاد. اليهود وغيرهم لما اعتقدوا هذه العقيدة على أن آدم أكل من شجرة المعرفة لكي تزيد معارفه، يزيد علمه، هنا كان هذا الأكل خطيئة. واليهود والنصارى على ما نحن عليه أن آدم يخرج من الجنة، الكل مكر بهذا. فقالوا: «خطيئة آدم أن أكل من شجرة المعرفة، فدل على أن قرب المعارف إثم، قرب المعارف إثم». فماذا فعلوا؟ فحاربوا العلم، وأخذت الكنيسة ردحا من الزمن تحارب أي عالم من العلوم، أي عالم. يا العلماء يدخل في العلم التجريبي، علموا أن رجل يقرأ عالم، ينظر في الفلك، يتتبع عوالم الأرض، يزين، يقتل، يحبس، يحرق. فكان يحاربون العلم أيما محاربة. هذا ما الذي ولد في عالمهم؟ ولد ردت فعل، وهي العلمانية. لما رأوا لأيكم القوم ما كانت عليه الكنيسة من محاربة العلم، وتوهموا أن دينهم أن هذا الدين يحارب العلم، حرجت العلمانية وحاربت الكنيسة، حاربت الكنيسة. ورأوا أن هذا الدين لا بد أن يفصل عن شؤون الحياة. فانظر كيف الباطل ولد باطلا. لكن نحن في دين الإسلام، من يحارب المعرفة؟ أول ما نزل على نبينا المعارف والعلم: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، أول كلمة «اقرأ»، العلم والتعلم. الشاهد إخواني في الله، لا ندري ما هي هذه الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام. حينها عاتبه ربه جل وعلا، فكان من أمر آدم عليه السلام أنه تاب وأناب، ودعا ربه جل وعلا بهذه الكلمات: «ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين». وهذه الكلمات هي التي عنيت في قول ربنا جل وعلا: «فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه». أوحى الله إلى آدم أن يتلقى هذه الكلمات، فتلقاها. فأخذ يدعو بها ربه عز وجل: «ربنا ظلمنا أنفسنا». ولمنا أنفسنا. ولهذا يظهر هنا الفرق بين إبليس وبين آدم. إبليس نعم وقع في معصية، وآدم نعم وقع في معصية، إلا أن إبليس أبى واستكبر، وأما آدم تاب واستغفر. بعد ذلكم، إخواني في الله، لما وقع ما وقع من آدم هذه الفعلة، وتاب الله عز وجل عليه، إلا أن الله سبحانه وتعالى أمر منه أن يهبط إلى الأرض، لا بقاء لك في الجنة. فأهبط آدم مع حواء ومع من؟ إبليس. وكما قلنا وهذه مسألة لا زالت الإشكال فيها: الثلاثة أخرجوا من الجنة وأنزلوا إلى الأرض. سؤال وهو سؤال يحتاج إلى بحث وتحقيق، ألا وهو: الشيطان نزل، آدم عليه السلام نزل، بصفته ماذا؟ بصفته أبو البشر، نزل هو البشري الوحيد الذي نزل مع حواء، ومنه ستأتي الذرية. الشيطان ماذا سميناه في الدرس الأمس؟ أنه أصل الجن، كما جاء ذلك عن بعض السلف، أصل الجن الشيطان نزل، الشيطان، ثم حصل منه التكاثر. هنا تأتي المسألة: تكاثر؟ يعني الشيطان لما نزل، أتى بالتكاثر، تكاثر الجان معه؟ هل معنى هذا يفهم أن ما قبل شيطان، ما كان هناك جن؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم. هل وجد أحد في الأرض قبل آدم عليه السلام أم لا؟ نعم الكثير من أهل العلم، من المفسرين، من المؤرخين، يرون أن الجن قد سكنت الأرض، الجن قد سكنت الأرض، ثم نزل آدم عليه السلام بعد ذلك. لكن هذا سيكون فيه إشكال قوي: كيف الجن وجدوا في الأرض وأصلهم هو إبليس لا زال فوق ما نزل؟ من أين تكاثروا إذن؟ من أين وجدوا؟ ولهذا كان من أقوال جماعة من أهل العلم، وقد نقل هذا الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره عن عبد الرحمن بن زيد، أنه ما كان أحد من خلق الله في الأرض، ما كان هناك أحد، ما سكنت أول من نزل إلى الأرض الثلاثة: آدم وحواء وإبليس. آدم وقع منه التكاثر، فظهر البشر والآدميون، وإبليس كذلك التكاثر، وصار منهم العفاريت والجن والشياطين. وهذا إخواني في الله كما قلنا مسألة خلافية. صحيح أكثر العلماء من قرأ في كتب التفاسير يرون يقولون أن الجن قد وجدوا، وجدوا. وفي السؤال: كيف وجدوا؟ على أن ندقق في هذه المسألة، لكن اجعلها في بالك يا عبد الله، فهي المسألة التي تحتاج إلى بحث وتحقيق. فعلى القول الذي سمعتموه، لما نزلت ثلاثة، نزلت الأصول الأرض، لم يكن فيها أحد، نزل آدم ونزل الشيطان ونزلت حواء مع آدم عليهما السلام. لما تم النزول، هنا إخواني في الله، نأتي إلى مرحلة ثانية من مراحل آدم، وهي ما كان في عيشه في الأرض. وقعت عدة حوادث لآدم عليه السلام وهو في الأرض. من هذه الأمور التي صارت لآدم عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى جعله نبيا، أن الله سبحانه وتعالى جعله نبيا. وقد صح ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كان آدم نبيا مكلما». كان آدم نبيا مكلما. فلما أنزله الله عز وجل إلى الأرض، شرفه الله فوق تشريفه، أن شرفه بالنبوة، فجعله نبيا. فأخذ يعلم يعلم ذريته، ويعلم من تناسل منه الشريعة والدين، وكل ما أمره الله جل وعلا أن يبلغه للناس. كذلك من الحوادث التي صارت لآدم عليه السلام ما كان من حبل حواء، أن حواء كانت تحبل، وقد ذكر العلماء من المؤرخين وممن تكلم في سير الأنبياء والمرسلين على أن حواء كانت تحمل في البطن الواحد ذكرا وأنثى، ذكرا وأنثى. ثم تأتي بالبطن الثاني ذكرا وأنثى. فكان الذكر في ذلك البطن يتزوج الأنثى من هذه البطن، والأنثى من تلك البطن تتزوج من الذكر الذي في هذا البطن، حتى يحصل التكاثر في ذرية آدم عليه السلام. كذلكم من الحوادث التي صارت لآدم عليه السلام أن الله عز وجل أعطى لآدم عمرا مديدا في الأرض. كم عسى آدم عاش في الأرض؟ عاش ألف سنة. آدم عاش في الأرض ألف سنة. وهذا قد جاء في حديث صحيح رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث طويل، الشاهد منه هذا الذي أريده. أن ملك الموت عندما جاء لآدم لقبض روحه، علم آدم بملك الموت، قال له: «عجلت»، قال له: «عجلت»، يعني جئت في غير وقت. قال: «عجلت إن الله إن الله قد كتب لي ألف سنة». كيف تأتي الآن؟ لأن ملك الموت جاء قبل قبض آدم بأربعين سنة، وآدم عليه السلام كان يحسب يحسب السنوات، يحسب السنوات سنة بعد السنة. فتفاجأ آدم أن ملك الموت أتى إليه وقد تعجل ملك الموت بأربعين سنة. والصحيح ليس فيه عجلة، الأمر لم يكن فيه عجلة. وأنا ما أحب أخذ في هذا، لكن بما أنه ذكي، من باب الفائدة، ما الذي صار؟ صار أن آدم عليه السلام لما خلقه الله في الجنة وأوجده الله عز وجل، أخرج الله من صلب آدم ذريته جميعا، ذرية آدم أخرجها الله من صلبه، ثم عرضهم عليه، قال: «فقال آدم: من هؤلاء؟ فقال له ربنا: هذه ذريتك يا آدم». وكانت هذه الذرية الله أعلم بالذي رآه آدم، تخيل البشرية كلها نشرت أمامه، كان في بين عيني كل واحد مننا العمر الذي سيعيشه. آدم عليه السلام كان يتصفح في هذه الخلائق الذراري، وجد شخصا من هؤلاء له بصيص نور يتلألأ، قال: «من هذا يا رب؟ قال: هذا داود». داود سيعيش ستين سنة. فآدم رأى أن ستين صغير شوي، فقال: «يا رب أعطيه من عمري أربعين، أعطيه من عمري أربعين». فأعطيه داود أربعين فوق عمره. إذن من الذي صار؟ آدم أخذ من عمره وتنازل، هو كتب لو كم؟ ألف سنة، فأعطي داود كم؟ أربعين. إذن متى ستكون منية آدم؟ ألف إلا أربعين. هنا آدم نسي هذه المسألة. فلما جاءه ملك الموت على الموعد، ألف سنة إلا أربعين، قال آدم: «عجلت، عجلت، عجلت». فذكره ملك الموت بهبته التي هباها لداود عليه السلام. الشاهد من هذا من القصة بكمالها على أن آدم عليه السلام كان يعرف أن عمره ألف سنة. فأعطاه الله جل وعلا هذا العمر المديد. مما يذكر كذلكم من حوادث آدم التي صارت في الأرض ما كان من مسألة قصتي قصة ابني آدم الذي قرب قربانا، فتقبل من أحدهم ولم يتقبل من الآخر. وكان من طبيعة ذاك الزمان أن الذي يقرب قربانا لله يكون إشارة القبول لهذا القربان بنزول النار. إذا جاءت النار أخذت القربان، بمعنى أن الله رضي عن هذه القربة. فلما كان من أحدهما أن الله ما تقبل منه قربته، أصابه الغيظ والتغيظ، فغضب على أخيه، قال: «لأقتلنك». فقال: «إنما يتقبل الله من المتقين». هذا ليس لي أنا مثلك، قربت قربان فتقبل الله مني. لكن طوعب له نفسه قتل أخيه، فقتله. فكان هذا أول قتيل. طبعا قصة هؤلاء مشهورة بمن؟ قابيل وهابيل. لكن بقي هل هذه الأسماء جاءت من مصادر إسلامية؟ ما عندي نص في السنة ولا آية في كتاب الله تدل على أن هؤلاء اسمهم قابيل أو هابيل. ما عندي نص. لكن جاءت في الإسرائيليات، وهي مما اشتغر. فالأمر في ذلك سهل. لكن اجعلها فائدة، اجعلها فائدة. ولهذا في نص القرآن: «ابني آدم» بدون تعيين. وهكذا في السنة: «كان من قتل نفسا كان لابن آدم». ما جاء به التسبيب. قابيل وهابيل جاءت من مصادر غير إسلامية، نقول من الإسرائيليات. لكن لا إشكال في هذا، لأن لا تخالف شيئا من ديننا. فالأمر في هذا سهل. قابيل وهابيل هذا الذي اشتهر عند المؤرخين وعند العلماء. فالحاصل أن ذلكم القاتل عندما قتل أخاه، ما استطاع أن يتصرف، لأن هذا أول حادثة قتل قد صارت، ما يعرف كيف يتصرف. قد يقول: «قال لماذا ما رجع إلى أبيه في أخبره بمفاد القصة؟» قال العلماء هنا: «لا يمكن». لماذا؟ لأننا ما ندري ما ندري كيف أين كان هؤلاء؟ نتحدث عن آدم وعن ذرية توسعت وانتشرت، هؤلاء أين كانوا؟ هل كانوا عند قريب من آدم من أبيهم؟ أم أنه ذهبوا إلى شرق الدنيا وذاك إلى غربها؟ الله أعلم. آدم عاش ألف سنة، لربما هذه الحادثة وقت بعد أربعمائة سنة، بعد خمسمائة سنة. فالله أعلم أين كان محلهم. فذبما كانوا عن بعد مثلا. فما استطاع أن يرجع إلى أبيه، أو قل قد يكونوا عن قرب، لكن ما تجرى أن يصرح لأبيه ما فعل بأخيه بأنه قتله وأهدر دمه. ولهذا ماذا سكت؟ وقد ذكر العلماء من المؤرخين أنه في طيلة فترة هذه الفترة الذي ما استطاع أن يتصرف فيها، كان يحمل جثة أخيه على ظهره. تخيل جثة طويلة عريضة يجعلها على ظهره ويمشي بها ليلة نهار، لا يدري أين يضعها، ما يعرف كيف يتصرفون. إلى أن بعث الله غرابا، نفس القصة، يبحث في الأرض، يبحث بمعنى يحفر في الأرض لكي يواري سوأة أخيه. فعلم هذا القاتل كيف يتصرف مع جثة أخيه، فقام بدفنه ومواراته في الأرض. هذا ما يتعلق بهذه المسألة. وطبعا تخيل يا عبد الله جثة طولها كما قلنا ثلاثة وثلاثين متر أو دون ذلك بقليل، كم تحتاج من حفر؟ هذا في الطول. ثم انظر في العرض، ثم انظر إلى العمق، انظر إلى العمق كيف سيكون؟ فهذا الذي صار من هذه الحوادث. استمر آدم عليه السلام فترة من الزمن، استمر آدم عليه السلام في الأرض يدعو الناس، وكان الناس كلهم على التوحيد، على الدين، على الشريعة. حتى مرض آدم عليه السلام، لما مرض آدم عليه السلام اشتهى أمرا، ماذا الذي اشتهى؟ اشتهى أن يأكل من ثمار الجنة. اشتاقت نفسه للجنة التي عاشها. فطلب من بنيه، فطلب من بنيه أن يأتوا له بثمار الجنة. فسارع أبناؤه إلى تلبية أمره. قد يقول قائل: «وكيف سيأتون بثمار الجنة؟» الجواب: «هم يعرفون أنه لن يأتوا بشيء، لن يأتوا بشيء، أين هم وأين الجنة؟» لكنهم ما أرادوا أن يخالفوا رغبة أبيهم من باب البر والطاعة لأبيهم آدم عليه السلام. وخرجوا، قالوا: «نبحث حتى قال قائلهم: نبحث ولو كان شيء يشبه ثمار الجنة، ولن يجدوا لكن شيء حتى نخرج من عذر أبينا، حتى نخرج من عذر أبينا». لما خرج هؤلاء أبناء آدم عليه السلام في الأرض يبحثون، وافتهم ملائكة، وافتهم ملائكة، وافتهم ملائكة. الرواية تذكر على أن الملائكة كانوا على صورة رجال، على صورة بشر. وكان معهم ماذا؟ معهم فؤوس ومساحي وحنوط وكفن ومكاتل، هذه أدوات إيش؟ أدوات الموت، هذه أدوات الدفن. ف وافوا الأبناء جماعة من الملائكة، وما أعرفوا أنهم ملائكة. فقالت الملائكة: «إلى أين تريدون؟ أين تذهبون؟» قالوا لهم: «إن أبان آدم اشتهى أن يأكل من ثمار الجنة». قال: «ارجعوا، ارجعوا إلى أبيكم، فإن أجله قد انقضى، فإن أجله قد انقضى»، أي بمعنى انتهى، انتهى، لا تتعبوا أنفسكم بالبحث. فلما دخلت الملائكة على آدم، أول من قابلتهم حواء. حواء عرفت عرفت بأن هذا الملأ هو ملأ من الملائكة. وكيف عرفت حواء الملائكة؟ يعني قد عاشت في الجنة، عاشت في الجنة، وعلمت من هم الملائكة، تعلم بصفاتهم وخصائصهم، لهم معرفة بهم. فلما رأت حواء الملائكة قد دخلوا عليهم، قامت حواء ولاذت بآدم، لاذت به، التصقت به. وهنا قال العلماء: «لماذا هذا اللوذ؟ لماذا؟» طبعا من الروايات، من تفاسير، على أن حواء خافت خافت على آدم، وأن آذي منيته، وأن روحه ستقبض، قيل هذا. وقيل: «أمر آخر». وتوضح التفسير الثاني الذي سأتي به يوضحه تمام القصة. أن حواء لما لاذت بآدم، قال آدم عليه السلام: «إليك عني، فإني لم ألق ما ألقى إلا منك». يعني عاتبها. قد إذن على ماذا؟ يفسر هذا اللوذ. قال جماعة من أهل العلم: «أن حواء لما علمت أن هؤلاء ملائكة، وأنهم بهذه الأدوات أتوا لقبض روحه، وهي تعلم كما يقول، وهذا مما يكون من شأن الأنبياء والرسل، أنه حين المنية، الأنبياء يخيرون، حين المنية، الأنبياء يخيرون بين ماذا؟ بين قبض الأرواح وبين البقاء، بين قبض الروح وبين البقاء، تقبض روحك إلى الرفيق الأعلى أو تبقى في الأرض». فكانت حواء تعلم بهذا، وكانت تطمع حواء أن آدم يختار ماذا؟ يختار البقاء في الأرض. فلما جاءت عند هذا، وكأن تريد أن تغريه، ماذا قال؟ «أقار إليك عني، خلاص يكفي، إليك عني، ما قد لقيت إلا بأمرك». يعني ما صار لي، ما صار إلا في الجنة، واخراجي، لأن كانت اللامة في أكل الشجرة تعود إلى حواء، تعود إلى حواء. فقال: «إليك عني، فما أصابني إلا منك». ثم قال: «خلي بيني وبين ملائكة ربي». فخرجت. ثم جاء الملائكة وقبلت روح آدم عليه السلام. طب قبضوا روحه فقط، لا؟ قامت الملائكة بغسله وبتكفينه وبدفنه وإدخاله وبحفر قبره وإدخاله إلى القبر وجعله في اللحد ووضع اللبن عليه وبدفنه والصلاة عليه، كل هذا الأمر فعلته الملائكة لآدم عليه السلام. ثم انتهت الملائكة، قالوا لأبنائه: «قالوا هذه سنتكم يا بني آدم، هذه سنتكم يا بني آدم». ودل هذا إخواني على أن هذه الأمور كانت من الأمور القديمة في الأمم، وهي ما تتعلق بإكرام الأموات، بكفنهم وتغسيلهم وتحنيطهم ودفنهم والصلاة عليهم. لكن جاءت الخلوف بعد ذلك، ورأينا هذه المهازل التي تقيمها الأمم لموتاهم. منهم من يحرقه حرقا كما يفعل الهندوس، والهندوك يحرقون الجثث. ومنهم من يجعل له توابيت وإهرامات كما يفعل الفراعنة. ومنهم من يجعل فيه توابيت كما صار في بعض البلدان، يأتون بالميت ويجعلونه فيه تابوت مغلق، ثم يوضع في مكان حتى يتحلل داخل التابوت، ولا يدفن، إنما يدفن بعد فترة، يأخذ الرفات من هذا التابوت، ثم يحفر له حفرة في الأرض، ويوضع فيها. وآخر ما سمعت من المهازل القبيحة الخبيثة والصور الرديئة في الدفن، ما يفعل في بعض دول الأسيوية، أن القبور عبارة عن زجاج. تخيل الميت إذا مات ويجعل له قبر من زجاج يدفن فيه، ثم يوضع في هذا الإطار الزجاجي ويدفن، ويكون مرآه. لماذا؟ حتى يأتي الزوار من أقربائه وأحبابي يزورون، تزورون من؟ تزورون هذا. لو ترك أسبوعا واحدا أو نحو من ذلك، من الذي سيكون؟ سيتفجر، الجثة تتفجر، يخرج منها الديدان، يخرج منها شيء الله أعلم. حتى أن أصحابه لن يستطيع أن ينظروا إليه. لكن سماحة الدين وشريعة الإسلام أمرت بإكرام الميت، وذلكم بكفنه ودفنه وإدخاله في حفرة حتى يوارى، ولا يتلاعب به. فالحاصل إخواني في الله، هذه القصة كانت في موضوع موت آدم عليه السلام. ثم بعد ذلكم عاش الناس بعد آدم عليه السلام على التوحيد، ما كان هناك شرك، وما كان هناك كفر، ولا كان هناك ما يخرج عن جادة التوحيد. استمر الناس على هذا، كم؟ عشرة قرون، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «كان بين نوح وبين آدم عشرة قرون، كلها على التوحيد، كلها على التوحيد، كان الناس على عبادة الله وحده لا شريك له، عشرة قرون». وما بالفائدة إخواني في الله؟ القرن، القرن إذا ذكر فإنه بمعنى الجيل، لفظ القرون إذا جاء في الكتاب والسنة بمعنى الأجيال. عشرة قرون أي عشرة أجيال، عشرة قرون أي عشرة أجيال. فكان بين آدم وبين نوح عشرة أجيال، عشرة قرون. وكم يحسب الجيل؟ كم يحسب الجيل؟ الجيل يحسب بمنتصف عمر أصحاب هذه الفترة. مثاله قلنا: آدم كم؟ ألف سنة، ونوح كم؟ ألف سنة، كم المنتصف؟ خمسمائة سنة. إذن الجيل الذي يكون في هذه الفترة عمره خمسمائة سنة. عدد الجيل، الجيل في هذا ما بين نوح وبين آدم عمره الجيل خمسمائة سنة. فبهذا لو ضربنا خمسمائة سنة في عشرة قرون، كم تعطينا؟ خمسة آلاف سنة. هذه الفترة التي كانت بين آدم عليه السلام إلى نوح، خمسة آلاف سنة. وهذه خمسة آلاف كانت مليئة بتوحيد الله سبحانه وتعالى. هذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر حول قصة آدم عليه السلام، وما كان من خلقه، وما كان من سكنه الجنة، وما كان من إخراجه، وما كان كذلك من موته عليه السلام. طبعا بقت هناك مسائل وحوادث وأحداث، لكن ماذا رأينا أن تترك حتى نستغل الوقت بالدخول في غيرهم من الأنبياء؟ هل في إشكال إخواني في الله قبل أن ندخل إلى نوح عليه السلام؟ هل في إشكال في قصة آدم وما صار، أو تنبيه أو شيء؟ هو نبي، هو نبي كما يقال، نبي أو رسول كما يقال على الخلاف. لكن جاء مصرحا أنه نبي: «كان آدم نبيا مكلما، كان نبيا مكلما». وكم جيل بيننا وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ هل أحد عنده إجازة الآن؟ تعمل عنده إجازة قرآنية، عدد الرجال بين الذي عنده السلسلة إلى رسول الله كم؟ 29، 28. عدد الأجيال التي بيننا وبين رسول الله 28 جيل أو 29 جيل. هذه عدد الأجيال التي بيننا وبين نبينا عليه الصلاة والسلام. لأن كما قلنا نقدر حياة من كان في زمن رسول الله قل: 80 سنة، ونحن في هذه الأزمان كذلك 80 سنة. فعمر الجيل الواحد 40 سنة، الجيل 40 سنة. فمن عاش 80 سنة فمعناه أنه عاش بين جيلين، من عاش 80 سنة عاش بين جيلين. فلو حسبنا الأجيال التي بيننا وبين رسول الله 28 جيل. ومن أراد يتأكد يرجع إلى أصحاب الأسانيد من أخذ القرآن شفاهة وقراءة، ينظر أن بينه وبين رسول الله 28 أو 29 راوي. هؤلاء الأجيال التي بيننا وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام. ننتقل إخواني في الله إلى نوح عليه السلام، والذي كما قلنا قد جاء بعد آدم عليه السلام بخمسة آلاف سنة. وجاء نو