الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 12، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور أحاديث كتابة العلم وأهميتها كقصة صحيفة علي بن أبي طالب وخطبة النبي يوم فتح مكة، وحرص الصحابة على تدوين الحديث ورغبة النبي في كتابة وصية. ثم ينتقل إلى باب الوعظ بالليل والسمر في العلم مستشهداً بقيام النبي ليلاً لتذكير أزواجه.
يسرد المحور أحاديث حفظ العلم وآداب طلبه من رواية ابن عباس وأبي هريرة، منها صلاة النبي الليلية ونهيه عن السمر بعد العشاء، ودعاء النبي لأبي هريرة بالحفظ بعد بسط ردائه. ويبين أسباب النسيان وعلاجها ووجوب الإنصات للعلماء كما في حجة الوداع.
يبيّن المحور آداب حضور مجالس العلم من الإنصات وترك الاشتغال، وباب رد العلم إلى الله عند السؤال عن أعلم الناس. ثم يسرد قصة موسى مع الخضر كما رواها البخاري، مظهراً تواضع العالم وحدود علم البشر وضرورة الصبر على حكمة الله.
يختتم المتحدث سلسلة المجالس المخصصة لدراسة كتاب العلم من صحيح البخاري، داعياً الله بالتوفيق والرضا للجميع. ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام المجلس.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب العلم من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: «باب كتابة العلم». قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، قال: عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ أي: خصكم به النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم أهل بيته؟ قال: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهماً أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير. ومعنى قوله: العقل، أي: أديته، يعني: الديات وبيانها. قالوا: سُميت الديات عقلاً لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل، وخيل غير ذلك. وفكاك الأسير: يعني أن فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو، والترغيب في ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه. قال: فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فركب راحلته، فخطب، أي: على الراحلة، فقال: «إن الله حبس عن مكة القتلى أو الفيلة». قال أبو عبد الله - يعني البخاري -: كذا قال أبو نعيم، واجعلوه على الشك: الفيلة أو القتلى. وغيره يقول: الفيلة، يعني: في أبرهة التي أتى بها من اليمن ليهدم الكعبة. قال: «وصلت عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعة هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. فمن قتل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، أي: تدفع الدية، وإما أن يقاد أهل القتيل»، يعني: القصاص. قال: فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: «اكتب لأبي فلان». فقال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر، إلا الإذخر». والإذخر: نبات يوجد بمكة، ويستخدمونه في البيوت وبنائها، والقبور ودفن أهلها. ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قطع الأشجار بمكة، استثنى الإذخر من هذا النهي. قال أبو عبد الله: يقال: يُقاد بالقاف. فقيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ قال: كتب له هذه الخطبة. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا علي بن عبد الله، وهو ابن المديني، أبو الحسن السعدي، كان يلقب بحية الوادي، إمام في الحديث والعلل. قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمر، قال: أخبرني وهب بن منبه، عن أخيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب». قال: قال: تابعه معمر، عن همام، عن أبي هريرة. وعبد الله بن عمرو بن العاص كان حريصاً على كتابة الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولما عتبه بعضهم: كيف تكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حال الرضا وفي حال الغضب؟ قال: أكتب، فوالذي نفسي بيده، لا يخرج منه إلا حق. قال: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: «ائتوني بكتاب، أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده». قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط. قال: «قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع». قال: فخرج ابن عباس يقول: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه». وبين كتابه - والكتاب يا إخوان - يحفظ بها العلم، يحفظ بها العلم. العلم صيد، والكتابة قيده. قيدوا صيودكم بالحبال الوافقة. فمن الحماقة أن تصيد غزالة - وصيد الغزال إن أصعب أنواع الصيد - فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تذرها في البرية طالقة. قال رحمه الله تعالى: «باب العلم والعظة بالليل»، أي: الموعظة ليلاً. قال: حدثنا صدقة، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة. وعمر، ويحيى بن سعيد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة، قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: «سبحان الله، ماذا أنزل الله من الفتن، وماذا فتح من الخزائن! أيقظ صواحب، أيقظ صواحبات الحجر»، يريد: أزواجه عليه الصلاة والسلام. قال: «فرب كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة». شاهد من هذا أن هذه الموعظة كانت في الليل حين استيقظ عليها الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «باب السمر في العلم». قال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، أي: صلاة العشاء، في آخر حياته. فلما سلم، قام، فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد». والشاهد من هذا أن هذا الحديث كان بعد صلاة العشاء. وقوله: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة»، يعني: لا يأتي على هذه الليلة بعد مائة سنة وعلى ظهر الأرض نفس منفوسة لا تزال حية ممن كان في تلك الليلة في زمرة الأحياء. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير، وهو أبو محمد الأسدي، من سادات التابعين، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي ظلماً وعدواناً، وكما قال الإمام أحمد رحمه الله: «قتله الحجاج والناس أحوج ما يكونون إلى علمه». قال: قال: عن ابن عباس، قال: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها. وأراد ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة أن يرى ويتعلم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل. قال ابن عباس: قال: فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، ثم قال: «نام الغليم» - تصغير غلام، يعني به ابن عباس - «نام الغليم» أو كلمة تشبهها. قال: ثم قام، قال: فقمت عن يساره، أي: أصلي عن يساره. قال: فجعلني عن يمينه، أي: أخذه وأداره من خلفه حتى جعله عن يمينه. قال: فصلى خمس ركعات، ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه - أو خيطه. قال: ثم خرج إلى الصلاة، ثم خرج إلى الصلاة. وقوله: «باب السمر»، باب السمر ومعناه: الحديث بالليل قبل النوم. الحديث بالليل قبل النوم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن النوم قبلها والحديث بعدها، أي: صلاة العشاء. كان ينهى أو يكره النوم قبل صلاة العشاء لأنها مظنة أن تضيع صلاة العشاء، والحديث بعدها إلا لحاجة كالعلم. وهكذا السمر مع الضيف: جاء كضيف ونزل عندك، وصليت مع العشاء، فلا بأس أن تسمر معه، فهذا من إكرام الضيف. لكن التأخر عن النوم يضيع على المسلم قيام الليل، بل ولربما صلاة الفجر في جماعة. قال رحمه الله تعالى: «باب حفظ العلم». قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: «إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة»، أي: من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً»، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾. قال: «إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفقة بالأسواق»، يعني: تجار يبيعون ويشترون. «وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم»، أي: مزارعهم. «وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون». فرضي الله عن أبي هريرة، وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أحمد بن أبي بكر، أبو مصعب، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه. وآفة العلم يا إخوان: النسيان. آفة العلم النسيان: أن الشخص يحفظ وينسى ما حفظ، وينسى ما حفظ. وسبب هذا النسيان يا إخوان: قلة المذاكرة، وقلة تعاهد المحفوظات. وهكذا من أسباب النسيان: الإفراط في فضول النظر، وفضول الاستماع، وفضول الطعام والشراب والنوم. ومن أسباب النسيان: المعاصي يا إخوان. جاء عن الشافعي - وما أدراك ما الشافعي في حفظه - قال: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني أن العلم نور، ونور الله لا يؤتى لعاصي». الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى كان يقول: «قرأنا كثيراً فلم يبق إلا ما حفظنا، إلا ما حفظنا». فالحفظ يا إخوان سبب من أسباب العلم. قال أبو هريرة: قال: قال: قال: «أبسط». قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «أبسط رداءك». قال: فبسطته، أي: فرشته. قال: فغرف بيديه، ثم قال: «اضمه». قال: فضممته، فما نسيت شيئاً بعده. قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا ابن أبي فديك، بهذا، أو قال: غرف بيده فيه. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين». قال: «فأما أحدهما فبثثته»، أي: نشرته. «وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا البلعوم، لقطع هذا البلعوم». قال رحمه الله تعالى: «باب الإنصات للعلماء»، باب الإنصات للعلماء. قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو، عن جرير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: «استنصت الناس»، أي: اطلب من الناس أن ينصتوا. قال: فقال: «لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض». وهذا من أدب حضور مجالس العلم وحلق العلماء: إذا جلس ينصت ويستمع، ولا يشتغل بكلام، أو بجوال، أو بغيرها مما قد يلهي عن العلم وأخذ العلم. قال رحمه الله تعالى: «باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم». قال: فيكل العلم إلى الله، يقول: الله أعلم. قال: حدثنا عبد الله بن محمد - وللبخاري أربع من المشائخ ممن يقال لهم: عبد الله بن محمد، أحدهم: هذا المسندي الجعفي، والثاني: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، والثالث: عبد الله بن محمد بن أبي الأسود، والرابع: عبد الله بن محمد بن أسماء. أربعة: الأول: عبد الله بن محمد المسندي الجعفي هذا، والثاني: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، والثالث: عبد الله بن محمد بن أبي الأسود، والرابع: عبد الله بن محمد بن أسماء -. قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمر، قال: أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر، أي: الذي ذكر الله قصته مع الخضر في سورة الكهف. قال: فقال: «كذب عدو الله». قال: حدثنا أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم، متى حدثه أبي بن كعب؟ مر معنا هذا الحديث قريباً. متى حدثه؟ حين تمارى ابن عباس والحُر بن قيس في الخضر، في الخضر صاحب موسى. فمر بهم أبي بن كعب، فناداه ابن عباس، فحدثه بهذا الحديث -. قال: حدثنا أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قام موسى النبي خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين، بحر الروم يلتقي مع بحر فارس، مجمع البحرين، هو أعلم منك. قال: يا رب، وكيف به؟ أي: كيف السبيل إليه؟ قيل له: احمل حوتاً في مكتل، فإذا فقدته فهو هناك. قال: فانطلق، وانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحمل حوتاً في مكتل، حتى كان عند الصخرة، وضع رؤوسهما وناما. قال: فانسل الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، أي: ما يمر به من البحر يكون مثل السرب، أو مثل الطريق الذي يكون في البحر. قال: فاتخذ سبيله في البحر سرباً. قال: وكان لموسى وفتاه عجباً. قال: فانطلق بقية ليلتهما ويومهما، ويظنان أن الحوت في المكتل. قال: فلما أصبح، قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. قال: ولم يجد موسى مساً من النصب، أي: ما شعر بالتعب، حتى جاوز المكان الذي أمر به. فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي. فارتدا على آثارهما قصصاً، أي: يقصان أثر الأقدام. قال: فلما انتهيا إلى الصخرة، إذا رجل مسجى بثوب، أي: مغطى بثوب، أو قال: تسجى بثوب. قال: فسلم موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبراً. يا موسى، إني على علم من علم الله علمني لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك لا أعلمه. قال: ستجدني إن شاء الله صابراً، ولا أعصي لك أمراً. قال: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينة. قال: فمرت بهما سفينة، قال: فكلمهم أن يحملوهما. قال: فعرف الخضر، يعني: حملوهم من أجل الخضر، معروفاً كان عندهم. قال: فحملوهما. قال: فعرف الخضر، فحملوهما بغير نول. ما هو النول؟ المقابل: الأجرة. بغير نول. قال: فجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين في البحر. فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر. قال: فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه. فقال موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسراً. قال: فكانت الأولى من موسى نسياناً. قال: فانطلقا، فإذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه، فاقتلع رأسه بيده. فقال موسى: أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟ قال: أي: الخضر لموسى: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال ابن عيينة: وهذا أوكد، أي: في الاستغراب. قال: وهذا أوكد. قال: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية، استطعموا أهلها، فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض، أن يسقط. قال: فأقامه، قال: الخضر بيده فأقامه. فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجراً. قال: هذا فراق بيني وبينك». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى، لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما». طيب، نكتفي بهذا، ونحمد الله عز وجل أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً على هذه النعمة، ونسأله عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً يقربنا إليه، وأن يجعل اجتماعنا مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقياً ولا محرماً. وهذا آخر المجالس التي نتذاكر فيها كتاب العلم من صحيح البخاري. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر