الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل الغلو في الأنبياء والصالحين وتأثير اليهود والنصارى على بعض المسلمين، ويستشهد بآيات قرآنية تبين كفر من غلا في المسيح عيسى بن مريم. كما يوضح أن اتباع الأحبار والرهبان كأرباب من دون الله يعود إلى الغلو فيهم.
يتناول هذا الفصل تحذير الله عز وجل من تحريف الأحبار والرهبان لأحكام الشرع وأكلهم أموال الناس بالباطل، ويشرح كيف أن اليهود والنصارى جعلوا أحبارهم شرعيين واتبعوهم في أحكام ليست في كتاب الله.
يناقش هذا الفصل الغلو في الأولياء والصالحين وتأثيره على بعض الطوائف الصوفية، ويبين أن هذا الغلو قد يؤدي إلى الكفر بالله وتجاوز حدود الشرع. كما يشير إلى أن بعض المتصوفة جعلوا الأولياء أفضل من الأنبياء.
يتناول هذا الفصل ذكر الله سبحانه وتعالى أن الرهبانية هي بدعة ابتدعها الناس وليست فرضًا من الله، وقد اتبع بعض المسلمين هذه البدعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. ثم بعد، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: "اقتضاء صراط المستقيم" قال، وقال سبحانه عن النصارى: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم"، وقال تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم" إلى غير ذلك من المواضع. ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدين والمتصوفة، حتى خالط كثير منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه أيضا. من الأمور التي ذكرها هنا شيخ الإسلام من الأمور التي هي عند اليهود والنصارى، ووقع فيها بعض طوائف التي تنتسب إلى الإسلام: الغلو في الأفاضل، الغلو في الصالحين. فإن هذا مأخوذ من دين اليهود والنصارى، فخاصة النصارى كانوا يعظمون أنبياءهم أشد التعظيم حتى يغلون فيهم. ولهذا خطبهم ربنا جل وعلا بهذا الخطاب: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه". وقال أيضا مصرحا بكفرهم: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم". وقال جل وعلا: "وقالت اليهود عزير بن الله، وقالت النصارى المسيح بن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون". "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"، والأحبار هم علماء اليهود. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وهذا بسبب الغلو حتى جعلوا الحبر أو الحبر من أحبار يهود كلمته هي التي تقدم، ولو يعرفون أنه يحرف الكلام عن موضعه، ولو يعرفون أنه أيضا يبدل الأحكام، يتبعونهم على ذلك. وجاء في قول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله"، أنه يأكلون أموال الناس بالباطل، أي يحرفون الكلمة عن مواضعها، ويبدلون أحكام الشرع بأخذ الرشاوي وغيرها. وجاء عند أحمد وفي الترمذي عن حذيفة، عن رجل اسمه بلال، عن حذيفة -أو عن عدي بن حاتم- أنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: "واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"، وقال: "يا رسول الله، ما اتخذناهم أربابا من دون الله". فقال: "ليس يحرمون عليكم الحلال فتحرموه، ويحلون لكم الحرام فتحلونه؟" قال: "بلى". قال: "تلك عبادتكم إياهم". وإن كان هذا الحديث فيه انقطاع، لكنه معنى الآية، وهو واقع في اليهود والنصارى أنهم جعلوا أحبارهم شرعيين، وأيضا يأتون بأحكام ليست في كتاب الله، وهم يعرفون ذلك، واتبعوهم في قضية الرجم لما افتضحوا. وقرأ آية الرجم بعدما وضع إصبعه، ذاك اليهودي، فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: إنه لما كان هذا الزاني حصل في أشرافنا اجتمع أحبار يهود، فغيروا حكم الرجم إلى التحميم. فهذا تغيير لأحكام الله عز وجل، وتجد أن الناس أو اليهود يتبعونهم على ذلك، وهذا من الغلو كذلك. أو يجعلونهم آلهة مثل ما يفعل النصارى أن يجعلون الكنائس ويجعلون فيها الصور ويعكفون عند هذه الصور أو يعكفون عند هذه القبور. قد جاء في الصحيحين أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا للنبي عليه الصلاة والسلام كنيسة رأتاها بالحبشة تسمى مارية، وفيها من الصور. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". فهذا الغلو واقع في اليهود والنصارى، لهذا خطبهم الله بقوله: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم". فهذا الغلو الذي وقع في الأنبياء. قال شيخ الإسلام: قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدين والمتصوفة أن حتى جعلوا أولياءهم أفضل من الأنبياء، ويذكرون عن الداراني أنه كان يقول: "إن الأولياء خاضوا بحرا وقف الأنبياء بساحله". أن الأولياء دخلوا بحر الأنبياء، أو الأولياء يقولون دخلوا بحرا وقف الأنبياء بساحله ما استطاعوا أن يدخلوا. وهذا كلام باطل، بل كفر بالله. على أن هؤلاء الأولياء دخلوا أشياء ما كان يعرفها الأنبياء، أنبياء الله ورسله الذين اختارهم، هؤلاء الأولياء صاروا أفضل منهم. وهذا كلام باطل، إن صح عنه فهو يعتبر بذلك بإجماع العلماء أنه كافر. لكن قد تكون هذه الأشياء ملفقة والله أعلم. لكن وجد في هؤلاء المتصوفة خاصة كالحلاج وابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وغيرهم من هؤلاء من أهل الحلول والاتحاد ما هو أعظم من هذا، ما هو أعظم من الغلو في هؤلاء الصالحين والأولياء، وجعلوا الولي أفضل من النبي. وهذا كله من الغلو في الأفاضل. ولهذا يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن من أوسع أبواب الباطل الغلو في الأفاضل، دخلوا من هذا الباب وزادوا. كما قال شيخ الإسلام هنا: "حتى خالط كثير منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى". أخذوا الغلو من النصارى، وأخذوا الحلول والاتحاد من الباطنية الذين أخذوه من أهل المنطق. قال: "قال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ والمسيح بن مريم"، فسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه بأنه طاعة لهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، فاتبعوهم. وهذا كما قلنا فيه الطاعة، قالوا: كثير من أتباع المتصوفة يطيع بعض المعظمين عندهم في كل ما يأمر به، وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال. مثل ما ذكروا عن رجل من هؤلاء الذين يسمونهم أولياء، وهو سعيد الوحيشي، أنه كان يأتي بالبهائم فيقول: "أرقع سفينة في البحر غرقت". يرقعها بهذا الحرام، وينطوي على هؤلاء الجهلة. قال سبحانه عن الضالين: ﴿ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾. قد تلى طوائف من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم.