الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نشأ سلمان الفارسي في قرية جِي بأصبهان محبوساً في البيت لخدمة النار المجوسية بأمر والده الدهقان، حتى مر بكنيسة للنصارى فأعجبته صلاتهم ودعاؤهم فجلس معهم. لما عاتبه أبوه قال إن دينهم أفضل لأنهم يعبدون الله مباشرة، فخاف الأب وكبّله بالحديد، فسأل النصارى عن أصل دينهم فأخبروه أنه بالشام وطلب إعلامه عند قدوم وفد منها.
لحق سلمان بتجار إلى الشام وسأل عن أفضل أهل الدين فدل على أسقف كنيسة، فاكتشف فساده بكنز الصدقات وعدم إنفاقها على الفقراء، ففضحه بعد موته فصلبه الناس. ثم تبع سلمان سلسلة من الرهبان الصالحين أوصى كل منهم بالذي بعده من الموصل إلى نصيبين إلى عمورية، مما يدل على طول عمره وأدركه لتلك الحقبة.
دل آخر الرهبان سلمان على علامات النبي المنتظر: خاتم النبوة بين كتفيه، وأكل الهدية دون الصدقة. قدم سلمان المدينة فاختبر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فلم يأكلها، وبالهدية فأكلها، ثم رأى خاتم النبوة فآمن به وأسلم.
يختتم المتحدث الجلسة بالإشارة إلى جلوسه بين يدي ابن عباس ورواية حديثه، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل في الدرس القادم. تم ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام التسجيل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام: باب قصة سلمان الفارسي. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، وعاصم بن عمر هو ابن قتادة بن النعمان بن زيد الأوسي الأنصاري، وعاصم كان عالماً من علماء الأنصار بالمغازي، وهو جد قتادة بن النعمان الصحابي المعروف. قال: عن محمود بن لبيد، وهو أيضاً أنصاري صحابي صغير رأى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن قيل إنه لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً، لكن ذكر أنه من الصحابة لأنه ولد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وكان في المدينة. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: حدثني سلمان الفارسي، قال: كنت رجلاً من أهل فارس، من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جِي. هذه القرية يقال لها جِي، وهي من أصبهان، والآن يسمونها شَهْرِسْتَان. وأما أصبهان فمعلومة ومعروفة، هي من كور الفرس، والآن موجودة في إيران، وهي داخلة في دولة شَهْرِسْتَان. قال رحمه الله: قال سلمان رضي الله عنه: يقال لها جِي، وكان أبي دهقان أرضها. يقال دهقان ويقال دهقان بضم الدال، والأشهر هو بكسرها: دهقان. والمراد بالدهقان هو الرئيس عند العجم، إما شيخ قبيلة أو رئيس القبيلة، أو كذلك رئيس المنطقة أو المقدم، فالمهم كبير القوم. قال: وكان أبي دهقان أرضه، وكان يحبني حباً شديداً، لم يحبه شيئاً من ماله ولا ولده، فما زال به حبه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، لا يريده أن يخرج مكاناً. قالوا: اجتهدت في المجوسية حتى كنت قِطْن النار التي يوقدها، أنا مقيم عندها، مقيم عند هذه النار وهو الذي يوقدها، أنا إذا طُفئت قال: فلا أتركها تخبو ساعة، أنا إذا حسست أنها ستطفئ أوقدها. قال: فكنت لذلك لا أعلم من أمر الناس شيئاً إلا ما أنا فيه، أنا ما كنت أخرج مكاناً وإنما جالس عند النار. ومعلوم أن دينهم كان المجوسية، والمجوس يعبدون النار. قال: حتى بنى أبي بنياناً له، وكانت له ضيعة فيها بعض العمل، الضيعة غالباً تكون مزرعة. قال: فتعانى، فقال: يا بني، إنه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه، ولا بد لي من الاطلاع عليها، فانطلق إليها فمرهم بكذا وكذا. معنى أمر العمال الذين يعملون في هذه الضيعة، ولا تحتبس علي، فإنك إن احتبست عني شغلني ذلك عن كل شيء. قال: فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة للنصارى، فسمعت أصواتهم، فقلت: ما هذا؟ قالوا: النصارى. فدخلت فأعجبني حالهم، والله ما زلت جالساً عندهم حتى غربت الشمس. قالوا: بعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته. فقال: أين كنت؟ فقلت: مررت بالنصارى فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم، فجلست وأنظر كيف يفعلون. فقال: يا بني، دينك ودين آبائك خير من دينهم. فقلت: لا والله، ما هو بخير من دينهم. هؤلاء قوم يعبدون الله وهم يعلمون، أيضاً المجوس يعلمون أن العبادة كلها لله، لكن يعتقدون أن هذه النار هي عبادة الله، عبادة النار عبادة الله. قال: ويدعونه ويصلون له، أي يدعون الله ويصلون له، ونحن نعبد ناراً نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت. فخاف، فجعل في رجلي حديداً وحبسني. فبعدت إلى النصارى، فقلت: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه؟ قالوا: بالشام. قال: فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني، معنى أرسل إليهم أناس من خاصته. قالوا: نفعل. فقدم عليهم ناس من تجارهم، فآذنوني بهم، فطرحت الحديد من رجلي ولحقت بهم، فقدمت معهم الشام. قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة. والأسقف هو شيخ الكنيسة أو صاحبها. قال: فجئت فقلت: إني قد أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلم منك الخير. قال: فكن معي. قال: فكنت معه، فكان رجل سوء، يأمر بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوها له اكتنزها ولم يعطها المساكين. فأبغضته بغضاً شديداً. أنا صاحب طمع، وقد ذكر ربنا جل وعلا هذا الأمر، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. فيأكلون أموال الناس بالباطل، إما بمثل هذه الطرق، يأمرونهم بالصدقة ثم يكتنزونها، مثل ما يفعل كثير من الناس الآن، سواء كان في حدائق غزة وكذا، يأمرون الناس بالصدقة ثم إذا يئسوا أو لم يجدوا مكاناً يضعونها فيه أخذوها، استعملوها، أو أنهم يأخذون نصفها، أو غير ذلك من هذه الأمور التي يلعب بها بأموال الناس. فكان هذا الرجل من هؤلاء الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويأخذون الصدقة منهم. وأيضاً من الطرق التي يفعلها اليهود والنصارى، أي أحبارهم ورهبانهم، فيحكمون لهم بالحكم فيعطون مالاً، من أراد حكماً يأتي إلى الكنيسة، فإن أعطى كثيراً لهذا الأسقف أو لهذا الراهب أعطاه حكماً لصالحه، فغيروا كتاب الله عز وجل بسبب هذه الأموال. قال: فإذا جمعوها له اكتنزها ولم يعطها المساكين، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيت من حاله. فلم ينشب أن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: هذا رجل، أعطيكم، أو هذا رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويكتنزها. قال: وما علامة ذلك؟ معنى: إيش الذي يدل على هذا؟ لأنهم يعلمون أنه رجل صالح. قلت: أنا أخرج إليكم كنزه. فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهباً وفضة، أو قال: ذهباً وورقاً، معنى المراد: ورق وفضة. قال: فلما رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبداً. فصلبوه ورموه بالحجارة، وجاءوا برجل فجعلوه مكانه. قال سلمان رضي الله عنه: ولا والله يا ابن عباس، ما رأيت رجلاً قط لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه. أنا لا يصلي الخمس، أي رجل ليس بمسلم، عبر على ذلك بقوله: لا يصلي الخمس، أي أنه ليس بمسلم. ما رأيت رجلاً ليس بمسلم وهو أفضل من هذا الشخص. قال: أرى أنه أفضل منه، وأشد اجتهاداً، ولا أزهد في الدنيا، ولا أدأب ليلاً ونهاراً. معنى: كان يعبد الله على طريقتهم. قالوا: ما أعلمني أحببت شيئاً قط قبله حبه. فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: قد حضرك ما ترى من أمر الله، فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟ قال لي: يا بني، والله ما أعلمه إلا رجلاً بالموصل، فأتيه، فإنك ستجده على مثل حالي. قال: فلما مات لحقت بالموصل، فأتيته بالموصل، معنى: منطقة في العراق وهي تابعة للشام، لأن العراق بعضها يتبع الشام. قال: فأتيت صاحبه، فوجدته على مثل حالي من الاجتهاد والزهن. فقلت له: إن فلاناً أوصى بي إليك. قال: فأقم يا بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبي، حتى حضرته الوفاة. فقلت: إن فلاناً أوصى بي إليك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصيني؟ قال: والله ما أعلمه إلا رجلاً بنصيبين. فلما دفناه لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالي حتى حضره الموت، فأوصى بي إلى رجل من عمورية بالروم. وهذا يدل على أن سلمان عمر فأدرك أناساً وأدرك موتهم. قال: فأتيت فوجدته على مثل حالهم، أنا نفس الدين الذي هم عليه، وهو دين النصارى الصحيح، وكان قليل منهم من يرى هذا الدين، فأكثرهم قد غيروا وبدلوا. قال: فأوصى بي إلى رجل من عمورية بالروم، فأتيت فوجدته على مثل حالهم، فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقيرات. ثم احتضر، فكلمته، فقال: يا بني، والله ما أعلم بقي أحد على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين، أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. أنا أعطاه هذه العلامات: أن بين كتفيه خاتم النبوة، وأيضاً أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. قال: فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه. فلما وريناه أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب، قبيلة كلب. فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأنا أعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي. قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا جاءوا وادي القرى ظلموني، فباعوني عبداً من رجل يهودي بوادي القرى، وهذا كل طمعاً في المال. قال: فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما كان في وادي القرى، وهو بعيد عن المدينة. قالوا: ما حقت عندي حتى قدم رجل بني قريظة فابتاعني، فخرج بي حتى قدمنا المدينة. والله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعتها، فأقمت في رقي. وهذا من توفيق الله له أنه أتى به الرب جل وعلا إلى المدينة، وهذا قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام، أو قبل أن يهاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. قالوا: بعث الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة، لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم قباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخله. والله إني لفيها إذ جاء ابن عم له، فقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة. قال: قيلة أم الأنصار، فقال: إن جدتهم أم الأوس والخزرج أمهم يقال لها قيلة. قال: والله إنهم الآن مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي. والله ما هو إلا أن سمعتها، فاضطربت العرواء، يقول: الرعدة، حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. ونزلت، أقول: ما هذا الخبر؟ فرفع مولاي يده فلكزني لكزة شديدة، قال: قال له: اشتغل في عملك. وقال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبراً فأحببت أن أعلمه. فلما أمسيت، وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بقباء. فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحاباً لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصدقة، فرأيتكم أحق من بهذه البلاد، فهاكها، فكل منها. فأمسك وقال لأصحابه: كلوا. فقلت في نفسي: هذه واحدة. ثم رجعت، وتحول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة، فجمعت شيئاً ثم جئته به، فقلت: هذه هدية. فأكل وأكل أصحابه. وهذه العلامة الثانية. قال: فقلت: هذه خلتان، أي علامتان. ثم جئت وهو يتبع الجنازة، وعلي شملتان لي، وهو في أصحابه، فاستدرت لأنظر إلى الخاتم. فلما رآني استدبرني، عرف أني أستثبت شيئاً وصف لي، فوضع رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، والخاتم كان لحمة، معنى: لحمة زائدة فيها شعر. قال: عرف أني أستثبت. قال: فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه وقبلته وبكيت. فقال: تحول يا سلمان. هكذا فتحولت، فجلست بين يديه، وأحب أن يسمع أصحابه حديثي، فحدثت يا ابن عباس كما حدثتك. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحقة. ترجمة نانسي قنقر