مسائل في شهر محرم وعاشوراء 6

مسائل في شهر محرم وعاشوراء 6

الدرس في مسائل في شهر محرم وعاشوراء 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعامل الناس مع يوم عاشوراء وتاريخه

يوم عاشوراء شهد تباينًا في تعامل الناس معه، حيث اتخذ البعض مأتمًا للحزن على مقتل الحسين بينما احتفل به آخرون كعيد واتخذوا طقوسًا خاصة.

بدع يوم عاشوراء وما يصح وما لا يصح

يوم عاشوراء يوم عظيم لكنه شهد بدعًا مثل التراشق بالبيض والنعناع وإخراج الزكوات، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم سوى صيام يوم عاشوراء.

النجاة من الأخطار في يوم عاشوراء بالاتباع

يجب على المسلم أن يقبل على العلم الشرعي لينجو من الأخطار في يوم عاشوراء ويتعامل مع المواسم على الدليل الشرعي، وسؤال أهل العلم قبل القيام بأي عمل.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، فهذا هو المجلس السادس من المجالس التي نتذاكر فيها وإياكم عما يتعلق بيوم عاشوراء على وجه الخصوص، ومرة أخرى معنا ما يتعلق بمسائله وأحكامه، وأيضًا ما يتعلق بحوادثه وأحداثه، وأهم الوقائع التي وقعت في هذا اليوم، كما كان من وقعة إغراق فرعون، كما جاء ذلك في الصحيح، كان ذلكم في العاشر من محرم، ذاك يوم نجى الله فيه موسى وقومه، وأهلك الله فرعون وقومه، وهو كذلك في هذا اليوم وقعت تلكم الفاجعة العظيمة والتي مرت معنا في الدرس السابق، ألا وهي ما يتعلق بمقتل الحسين. الشاهد إخواني في الله، مما يذكر من هذه المسائل أن الناس في يوم عاشوراء تباينوا مباينة عظيمة في كيفية تعاملهم مع هذا اليوم. أشرنا في درس سابق إلى من جعل هذا اليوم مأتما يظهر فيه العويل والصراخ والصياح والنواح، ويلطم الخد ويشق الجيب، ويلبسون السواد الرجال والنساء على حد سواء، وتنتشر تلكم الرايات السود إظهارًا للحزن العظيم الذي حل عندهم، وذلكم كما قلنا بسبب مقتل الحسين. قابل هؤلاء فرقة أخرى ما جعلوا هذا اليوم مأتمًا، بل بالعكس جعلوا هذا اليوم عيدًا يحتفلون به. وهؤلاء كما قال العلماء أنهم أشبه ما يكونوا باليهود، لأن اليهود يحتفلون ويعظمون هذا اليوم. فنجد أن من الناس من لربما سار على هذا الدرب، جعل هذا اليوم يوم فرح بل وعيد يحتفل به ويحتفي به. ومن معه تجد أن من أفعال بعضهم أنه لربما جعل هذا اليوم يومًا خاصًا للتنظف والتزين والاغتسال، وهكذا التجمل والتخضب والاكتحال. بل لربما تعمد في هذا اليوم على أنه ينفق المال على الأهل والعيال. وهؤلاء إخواني في الله الذين طرقوا هذه الطريقة ليس معهم قول أحد، لا من الصحابة الكرام ولا من السادة التابعين إلى يوم الدين، ولا من أحد من العلماء العاملين، ولا من الأئمة المشهورين أبدًا. ما قال بهذا أحد من الأئمة في الدين، وإنما هي من الأمور الدخيلة على الإسلام والمسلمين. وأيضًا هذه الأفعال لا تستند على دليل صحيح، لا من آية قرآنية ولا من حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف، بل عبارة عن أحاديث موضوعة مكذوبة مفتراة لم توجد لا في الكتب الصحاح ولا في المسانيد ولا في السنن. هكذا قال العلماء. تجد أن بعضهم يأتي إلى حديث مثلًا يريد أن يذكر فضيلة في الاغتسال، فأشار أن الاغتسال يوم عاشوراء لم يمرض، وإذا أراد مسألة الاكتحال قال: من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد، أي ما أصابه الرمد أبدًا. وفي رواية طيلة العام تكون محميًا إن اغتسلت من الأمراض، وتكون محميًا إذا اكتحلت من الرمد. وكل هذه من أين الدليل عليها؟ أحاديث موضوعة مكذوبة لم تثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا من وسع على العيال في يوم عاشوراء وسع الله عليه، من أين مصدر هذا الحديث؟ ليس بحديث، وإنما قول أثر عن بعض السلف، ولم يصح عن رسول الله شيء في هذا المقام. والأمر التوسع إخواني في الله، حتى أن من الناس من ربما أظهروا الفرح والسرور ببعض العادات والتقاليد، حتى بلغنا أن أناسًا في المغرب العربي يجعلون من هذا اليوم مما يظهرون فيه الفرح، فعل بعض الاحتفالات كقضية التراشق، منهم من يتراشق بالبيض، ومنهم من يتراشق بالنعناع، وبعضهم يتعمد في أن يخرج في هذه الليلة في مسائها يخرج مع أصحابه ويجتمعون حول النيران إلى الصباح، كل هذا إظهارًا للاحتفاء والاحتفال بعاشوراء. وهل ثبت شيء من ذلكم؟ الجواب: لا، ما ثبت هذا عن نبينا ولا عن الصحابة ولا عن التابعين. ثم نأتي إلى طائفة ثالثة من الناس من لربما وجدت أن هذا اليوم من الأيام المعظمة عند الله وعند رسوله، فماذا فعل؟ ابتكر واجتهد في إنشاء عبادات كما تسمى بصلاة عاشوراء، ومنهم من كما أشار العلماء من يتعمد إلى إخراج الزكوات والنفقات في هذا اليوم بالذات، عنده صدقة يريد أن يخرجها، يقول: لا أُنتظر إلى متى؟ قال: إلى أن يأتي عاشوراء، ما المزيج؟ يقول: زيادة أجر. ومن قال بهذا؟ من قال أن عاشوراء بها تزداد الأجور لفعل العبادات الصالحات كالصدقات والنفقات؟ فإخواني في الله، فينبغي أن نعلم أن مثل هذه المواسم، وهذه قاعدة عندما تحل علينا المواسم، لأننا ننطلق فيها على حسب أهوائنا وعلى حسب عاداتنا وما تربينا عليه من تقليد للآباء والأجداد، وإنما إذا حلت علينا المواسم ينبغي أن نسأل الشرع كيف التعامل مع هذا الموسم أو ذاك الموسم؟ الشرع هو الذي سيدل، الشرع الذي سيدلك كيفية التعظيم لهذا اليوم بعينه، ويكفيك الله عز وجل شر ما تذهب إليه من الاجتهادات والابتكارات. والشرع كما قال العلماء، شيخ الإسلام وغيره، ما ثبت في عاشوراء سوى الصيام، ما ثبت في عاشوراء سوى الصيام. صم يا عبد الله إذا استطعت أن تصوم، فأنت على أحسن الأمور والأحوال إذا استطعت أن تصوم، فأنت على أحسن الأمور. صم، أما زيادة على ذلكم كما نسمع وسمعنا من جعل بعضهم عبادة خاصة من صلوات أو زكوات أو التخصيص لزيارة القبور وزيارة الأموات في مثل هذه الأيام، أو السعة على العيال، وهذا كله من البدع الدخيلة التي ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا ما ذكرناه من حال من جعل هذا اليوم هو يوم عيد بالاحتفال والاغتسال والاكتحال والتزين، هذا يوجد إخواني في الله. فإذا وجدت أنك ما علمت بهذه الأمور وما تلوثت بها، فاحمد الله واعلم أن الله قد هداك إلى سواء السبيل، لأن من الناس من قد ابتلوا بهذه البدع، فخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، هذا حال كثير من الناس إذا أعرضوا عن العلم. فالسبيل يا عبد الله إلى النجاة من هذه الأخطار ومن هذه الأخطاء أنك تقبل على العلم الشرعي، اقبل يا عبد الله وسل أهل العلم وسل أهل الذكر في كيفية التعامل مع هذه المواسم. ولهذا نجد إخواني في الله أن يوم عاشوراء في الحقيقة هو من الأيام العظيمة، ليس فقط من ناحية الفضائل والمناقب، بل كذلك ما هو أعم من ذلكم من ناحية النظر إلى أحوال الناس، النظر في أحوال الأمم في هذا اليوم، اجتمعت كما يقال الشبهات والشهوات في هذا اليوم. وكلاهما الطرفين، قيض أصحاب الشبهات ممن اتخذ هذا اليوم مأتمًا، إذ أنه بنى هذا المأتم على شبهات وترهات وأكاذيب، وكلها من نزل الخيال. والذين جعلوا هذا اليوم يوم عيد اتكلوا على الشهوات، على الملذات بالأكل ما لذ وطاب، لأن من أفعال هذا اليوم أيضًا عند أصحابه التفنن والتوسع في المآكل والمشارب. هؤلاء أخذوا بالشهوات، وهؤلاء أخذوا بالشبهات، والكل ضل عن سواء السبيل. في يوم عاشوراء إخواني في الله يظهر الاتباع ويظهر الابتداع، يظهر المتبع لرسول الله عليه الصلاة والسلام بأنه لا يزيد ولا ينقص إلا بما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا الذي يمشي عليه. وأما المبتدع هو الذي حرم من هذا الخير، ثم يزيد ويبتكر ما أنزل الله به من سلطان. في هذا اليوم إخواني في الله تظهر فضيلة للأمة المحمدية عن سائر الأمم والملل، كما قلنا صوم يوم واحد يجعل الله عز وجل فيه كفارة سنة كاملة. فيوم عاشوراء إخواني في الله يوم من الأيام الذي ينبغي أن يعتبر بها كل مسلم ومسلمة. فنحمد الله جل في علاه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه أن أطال بالأعمار وأن أوصلنا إلى مثل هذه الأيام نستغلها ونغتنمها في طاعة ربنا سبحانه وتعالى. وينبغي أن تغتنم على ما أراد الله، ليس على أهوائنا ولا على تقاليد آبائنا وعادات أسلافنا. بعض الناس لربما يمشي على موسم معين على ما ألفه عليه أهله: قم يا بني، إيش معك؟ قم اغتسل، قم تزين، إلا استياب العيد، هذا لابد. حينها يا عبد الله سل أهل العلم، سل عن الدليل من أمرك، سواء كان من والديك أو من قرابتك أو حتى من مشايخك ممن انتصب للفتوى، سله، قل: ما الدليل على هذا؟ فإن أجابك بدليل فاتبعه. ومن أرادك أن تجعل هذا اليوم مأتمًا سله: ما الدليل؟ ومن طلبك بالصيام سله: ما الدليل؟ كل الناس من طلبك بطلب أراد منك أن تتقرب إلى الله، سله على الدليل. حينها ستعرف يا عبد الله من المحق ومن المبطل في دعواه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.