الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الناس يتفاوتون في العبادة والإيمان، وقد يدخل العبادة شرك أو رياء، فيصبح الإنسان عبدا لما يهواه. العبودية الحقيقية هي رق القلب وعبوديته لما يسترقها ويستعبدها.
يتناول تحريم سؤال الناس إلا في حالات محددة، ويشير إلى أحاديث نبوية تحث على الصبر والتوكل على الله. كما يبين أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل.
يشرح خطورة تعلق القلب بالمخلوقين وعبوديته لغير الله، ويبين أن تحرير القلب يتطلب الإخلاص لله وتذوق حلاوة العبودية له. كما يوضح أن القلب إذا تعلق بشيء غير الله عذب به.
يتحدث عن عوارض تعرض على العبادات وتشغل عنها، مثل حب الشهوة والهوى وطلب الرئاسة. يذكر أن هذه العوارض تصرف عن العبادة الحقة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال فصل: إذا تبين لك ذلك، فمعلوم أن الناس في هذا الباب يتفاضلون تفضيلا عظيما، وهو تفاضل في حقيقة الإيمان. وهم انقسموا فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت ربوية الرب سبحانه لهم فيها عموم وخصوص وضروب، ضروب معنى أنواع. ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. الآن يريد أن يبين الشيخ رحمة الله عليه أن العبادة -كما ذكر- العبادة مستمرة ودائمة، ليس هناك وقت محدد لها، بل هي مستمرة دائمة. لكن هذه العبادة، الناس ليسوا فيها سواء، كلهم على حسب إيمانه، على حسب إيمانه. إذا تبين هناك، يتفاضلون في الإيمان، كما أنهم يتفاضلون في العبادة يتفاضلون في الإيمان كذلك. ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، معنى: هناك عبادة لكن فيها شرك. وصفتها عندها تطبيق، الخفوص، خفوص نحن عند الباب، الباب خفوص، خفش النظر. اشتركوا في القناة، وكذلك في عبادته، فبحسب العبادة يكون الإيمان. فقد يدخل العبادة شرك، قد يدخلها رياء، قد يدخلها أيضا أشياء أخرى تعكر على العبادة. فلهذا فالناس يتفاوتون في مثل هذه الأمور، فمنهم من يلتزم العبادة وأيضا يراعي ما يضادها، ومنهم من يلتزم العبادة وقد يكون أفضل من ذاك، لكن ما يراعي ما يضادها، يدخل عليه الشرك، يدخل عليه الرياء، يدخل عليه غيرها من هذه الأمور التي قد تؤثر على العبادة. قال في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش». إن أعطي رضي، وإن منع سخط. قال: فسماه النبي صلى الله عليه وسلم «عبد الدرهم» و«عبد الدينار» و«عبد القطيفة» و«عبد الخميصة»، وذكر فيه هو دعاء وخبر، «تعيس وانتكس»، تعيس هو دعاء عليه بالتعاسة، وانتكس أي خبر أنه إذا حصل منه هذا فهو منتكس، فهو منتكس ليس على طريق مستقيم. «تعيس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش»، وإذا شيك فلن تقش معنى: إذا وقعت فيه الشوكة ما تخرج حتى بالمنقاش. والمراد أن الدنيا تمكنت في قلبه ما يستطيع إخراجها، خروجها صعب. قال: والنقش إخراج الشوكة من الرجل، والمنقاش ما يخرج به الشوكة. وهذا حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح، لكونه تعيس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه. وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي، وإن منع سخط، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله. قال: وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواه نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط. فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده. قوله: «برئاسة» أنا بجاه، أو بصورة، أي صورة امرأة أو صورة ولد أو كذا. ولهذا يقال: «العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع». العبد حر ما قنع، كانت عنده قناعة فهو حر ولو كان عبدا، والحر عبد ما طمع، أنا يصير عبد لهواه، عبد لشهوته، عبد لدنياه. قالوا: يقال: «الطمع غل في العنق، وقيد في الرجل»، فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، معناه لما قال: «ألا أخبركم بخنع ما في الرجل؟» خنع ما في الرجل، قال: «خلع أو جبن خالع، وشح خالع». أخنع ما في الرجل، أنا أخذ شيء فيه، أن يكون جبانا، هذا الجبن حتى إنه يخلع قلبه، جبن خالع، جبن خالع، وشح خالع. فالجبن الخالع هو الذي يخلع القلب من شدة الخوف، أنا يكون عنده خوف شديد، جبن حتى إنه لينخلع قلبه من الجبن، وشح خالع، جاء في لفظ: «أبغض ما في الرجل»، أبغض ما في الرجل، وشح خالع. على شح الشح، هذا الحرص، حرص، أنانية، طمع، فيكون فيه طمع شديد على الأموال أو على الرئاسة وغيره. فيقول: «أخنع ما في الرجل». قال: ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «الطمع فقر، واليأس غنى»، أنا حدكم إذا يأس من شيء استغنى عنه. وإذا أمر يجده الإنسان، وإذا أمر يجده الإنسان من نفسه، فإن الأمر الذي يأس منه لا يطلبه ولا يطمع به، فلا يبقى قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله. وهذا -الله أعلم- الأثر، لكن كلام صحيح. «الطمع فقر، واليأس غنى»، اليأس والقناعة، اليأس غنى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس»، إنما الغنى غنى النفس. فالقناعة هي غنى النفس. قال: وأما إذا طمع في أمر من الأمور وجاه وتعلق قلبه به، فصار فقيرا إلى حصوله وإلى من يظن أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك. وقال الخليل عليه السلام: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾. الآن يريد أيش؟ أن يبين المؤلف أن هناك أشياء تدخل في العبادة وتعارض أمر العبادة، أنه تعارض سير العابد. فمن ذلك أنه يكون عابدا لغير الله، ليس المراد أنه يعبد ويصلي له وكذا، لا يكون عنده طمع شديد فيه، إما في دنيا، إما في رئاسة، وإما كذلك في جاه، إما في هوى، وإما في شهوة، وغيرها من هذه الأشياء التي تطبع على القلب فيصير عبدا له. فيصير هذا الإنسان عبدا له، فهذا أيضا من عوارض العبادات. قال: فقال الخليل: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، فالعبد لا بد له من رزق، فهو محتاج إلى ذلك. فإذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيرا إليه، وإذا طلبهم من المخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه. ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة، أن محرمة في الأصل، أي المسألة من غير حاجة. قال: في النهي عنها حديث كثير في الصحاح والسنن والمساند. «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مسألة الناس وله ما يغنيه، جاءت مسأ، مسألة يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه». «الخدش» معروف، مثل الجرح، و«الخموش» أيضا مثله، لكنه أصغر، و«الكدوح» الكدح معنى: الجرح الكبير. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفضع، أو دم موجع، أو فقر مدقع». قال: وهذا ما خرج عندكم، أيش قال؟ «اسناده ضعيف». قالوا: هذا المعنى في الصحيح، الظاهر يريد في الصحيح. حديث قبيصة: «أنها يا قبيصة، لا تحل المسألة إلا لثلاثة: رجل أصابته فاقة، فشهد من قوم ثلاثة من ذوي الحجة». ورجل «اشتاحت ماله جائحة، اشتاح ماله بطر سيل». ورجل «تحمل حمالة، أصلح بين قبيلتين وتحمل الدين»، هذا يعطى من الزكاة ويسأل الناس. وأما غيرها، فسحت يأخذها صاحبها، سحتاء. أكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الذي يسأل الناس وهو عنده ما يغنيه، إنما يسألون من جمر جهنم، فليستقل أو ليستكثر». قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». هذا صحيح أيضا. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف، فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك». وهذا أيضا في البخاري. قال: فكره أخذه مع سؤال الناس، واستشراه في القلب. وقال في الحديث الصحيح: «من يستغني يغنه الله، ومن يستعفف يعفوه الله، ومن يتصبر يصبره الله». «وما أعطي أحدا أعطاء خير وأوسع من الصبر». هذا حديث بسعيد، صحيحين. وقد أوصى خواص أصحابه أن لا يسأل الناس شيئا أصلا، أنا لا أريدش أن الأصل أن العبد فقير إلى الله، وإذا سأل يسأل الله، يسأل الله عز وجل. ولا يجوز له أن يسأل غير الله إلا إذا حلت له المسألة، وإذا الأفضل أن يسأل الله عز وجل. ولهذا جاء في الحديث: «من نزلت به نازلة فأنزلها على الله قضيت». أنزلها على الله، معناه: اشتكى إلى الله، ودعا الله قضيت. وإن أنزلها إلى خلقه وكلهم إليهم، كله إليهم. فعند إذ عنزل هذه النازلة إلى الخلق، ذهب يسأل الناس، وكله الله عز وجل إليهم. قال رحمه الله: وفي المسند: «أن أبا بكر الصديق كان يسقط الصوت من يده، فلا يقول لأحد: أن أولني إياه»، ويقول: «إن قليل أمرني أن لا أسأل الناس شيئا». وفي صحيح مسلم وغيره: عن عوف ابن مالك: «أن النبي عليه الصلاة والسلام، خفية أن لا يسأل الناس شيئا». فكان بعض أولئك النفر يسقط الصوت من يده، فلا يقول لأحدنا: «ولا نيئ إياه». قال: وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق، في غير موضع. «فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب». وقول النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». ومنه قول الخليل: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، ولم يقل: «فابتغوا الرزق عند الله»، إنما: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، أي: إذا سألت فاسأل الله أولا، وادعوا الله عز وجل. ولم قالوا: تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: «لا تبتغوا الرزق إلا من عند الله». وقد قال تعالى: ﴿وَسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾. والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه، ومن دفع ما يضره. وفي كل الأمرين شرع له أن يكون دعاه لله، فمنه يسأل، وإليه يشتكي، كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل. أنا هذه الأشياء كلها وصفها بالجمال. قال: وقد قيل: «إن الهجر الجميل هو الهجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى مخلوق». الهجر الجميل بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل صبر بغير شكوى. ولهذا قرأ على أحمد بن حنبل في مرضه: «أن طاوسا كان يكره أنين المريض، ويقول: إنه شكوى». فما أن أحمد حتى مات. وأما الشكوى إلى الخالق فلا ينافي الصبر الجميل، فإن يعقوب عليه السلام قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. فعلا الشكوى إلى الله عز وجل، وأيضا ليست منافية للصبر. وإن كان مثلا بعض السلف، بل بعض الأنبياء كان يؤخر الشكوى، أنا لا يشكو إلى الله عز وجل إلا إذا اضطر لذلك. لكن يدعو الله عز وجل في كل شيء، مثل ما فعل نبي الله أيوب، جلس في المرض لم يسأل الله عز وجل ثمانية عشر سنة، بعد ثمانية عشر سنة سأل الله لما مسه الضر: ﴿إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. لم يقل له: «أني مريض، وأني كذا»، لكن أعطى معنى، لأن الله عز وجل أعلم به، فنادى ربه جل وعلا أنه مسه الضر بهذا المرض، حتى ذهب عنه البعيد والقريب، كما جاء في الحديث. فلهذا سأل الله عز وجل بعد هذه السنوات الكثيرة. قال: وكان عمر بالخطاب يقرأ في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل، فمر بهذه الآية في قراءته. عن الذي في البخاري: «أنه قرأ يوسف، وفي الركعة الثانية قرأ الكهف، فمر بهذه الآية في قراءته، فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف». «نشيجه» معنى: بكاء، صوت البكاء. قال: في دعاء موسى عليه السلام: «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك». وفي الدعاء الذي دعا به النبي عليه الصلاة والسلام لما فعل به الطائف ما فعل: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟». الحديث صحيح، لكن هذه الزيادة لا تصح. قال: «إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي». «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلاح عليه أمر الدنيا والآخرة». لكن الدعاء -كما قال بعض العلم- أنه فيه آثار النبوة ومشكاة النبوة، دعاء عظيم جدا. قال: «فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلاح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك، لك العتبة حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». قال: كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضررته، قويت عبوديته. أنا يريد الآن يبين أن فقر العبد إلى الله هذا من أفضل الأمور التي يترقى فيها العبد إلى درجة العبوديات الخاصة. قال: وحريته مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، ويأسه منه يوجب غنى قلبه. كما قيل: «استغني عن من شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيرا». قالوا: كذلك طمع العبد في ربه ورجاءه له يوجب عبوديته له، وعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء له، يوجب انصراف قلبه عن العبودية له. لاسيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق، حيث يكون قلبه متعلقا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه وممالكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه، كمالكه وملكه وشيخه ومخدومه، وغيرهم ممن هو قد مات أو يموت. فهذا قال: «وعراض قلبي عن الطلب من الله ورجاله يوجب انصراف قلبي عن العبودية له»، فيكون عبوديته لغير الله. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾. قال: وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن يصروه أو يرزقوه أو يهدوه، خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك. وإن كان في الظاهر أميرا لهم، مدبرا لهم، متصرفا لهم. فالعاقل ينظر للحقائق لا إلى الظواهر. فالرجل الذي تعلق قلبه بامرأة، ولو كانت مباحة له -أنا مثل الزوجة- يمقى قلبه أسيرا لها، تحكم فيه، تتحكم، وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها. حتى ولو كانت ملكة يمينه، تجد ولو كانت ملكة يمينه، وهو قد تشبث بها، فإنه يكون كالعبد لها. قال: «لأنه زوجها»، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لا سيما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها. فإنها حينئذ تحكم فيه حكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور له، الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم. فإن أسر القلب من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن. فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مشتريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكن الاحتيال في الخلاص. قالوا: أما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقا مستعبدا متيما لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية. لما استعبد القلب، وكما قال الإمام القيم: «أن القلب إذا أحب شيئا غير الله عذب به ولابد». قالوا: «عبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب». فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق، لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات. أنظر: يقول الآن المؤلف، شيخ الإسلام، يقول: الذي يؤسر يأسره الكفار، أنا كأنه أهوى. من من يأسره؟ تأسره شهوة، أو تأسره ملذة، سواء كان شهوة رئاسة، أو شهوة جاه، أو شهوة مكانة، أو شهوة امرأة، أو ولد، أو غير ذلك. قال: «فإن المسلم لو أسره كافر واسترقه فاجر بغير حق، لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات». «ومن استعبد بغير حق، إذا أدى حق الله، حق مواليه له أجران». ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك. وأما من استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله، فهو يضره ذلك، ولو كان في الظاهر مالك الناس. والحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى القلب. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». فكما أن الغنى غنى النفس، فكذلك أيضا العبودية عبودية النفس وعبودية القلب. قال: وهذا لعمري، إذا كان قد استعبد قلبه بصورة مباحة. فأما من استعبد قلبه بصورة محرمة -امرأة أو صبي- فهذا هو العذاب الذي لا ثواب فيه. وهؤلاء من أعظم الناس عذابا، وأقلهم ثوابا. فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقا بها متعبدا لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصي إلا رب العباد. ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه، أن إذا تعلق بفعل الفاحشة ولو لم يفعلها. قال: «أشد ضررا عليه من من يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه». لكن هذا يستمر، وهؤلاء يتشبهون بالسكارى والمجانين، كما قيل: «سكران سكر هوى، وسكر مدامة، ومتى إفاقة من به سكران؟» أنا سكران سكر هوى، أي سكر شهوة ومحبة، وسكر مدامة، أي خمر. «ومتى إفاقة من به سكران؟» هذا السكران الذي خمر، إذا ذهبت الخمر ذهب، لكن هذا صاحب الهوى يبقى فيه متما انتهى من هذا الهوى. وغالبا لا ينتهي. قال: «وقيل: جننت بمن تهوى، فقلت لهم: العشق أعظم مما بالمجانين». «العشق لا يستفيق الدهر صاحبه، وإنما يسرع المجنون في حين». وهذا ينسب إلى قيس بن الملوح، أو مجنون ليلى. قالوا: «من أعظم أسباب هذا البلاء عراض القلب عن الله». فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له، لم يكن عنده شيء أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أطيب منه. والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفا من مكروه. بالحب الفاسد إنما ينصرف بالقلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر. قال الله تعالى في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. فالله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله. وهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص، بغلبة النفس عن اتباع هواها. فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه، إن قهر له هواه بلا علاج. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. فإن في الصلاة دفعا للمكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وهو فيها تحصيل المحبوب، وهو ذكر الله. معنى هذا متى؟ إذا صلى صلاة صحيحة على ما طلبها الله عز وجل منه، صرفه الله عن المنكر والفحشاء. قال: «فإن مقصوده لغيره على سبيل التبع، والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه». فلما عرضت له إرادة الشر، طلب دفع ذلك، فإنه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل. أنا هذه عوارض، عوارض تعارض القلب وتعترضه. قالوا: لهذا قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾. وقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أزكى للنفس، وبيّن أن ترك الفواحش من زكاة النفس. وزكاة النفس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك. فهذا عارض من العوارض، وهو حب الشهوة وحب الهوى، هذا عارض من عوارض العبادات التي تصرف عن العبادة. وتذكر بعد ذلك: طالب الرئاسة، والعلوم في الأرض أيضا، هو عارض من العوارض، فإن شاء الله تعالى نجعلهم في وقت آخر.