التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 8

التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 8

الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

علاقة الاستكبار بالشرك وآثاره

يشرح هذا الفصل العلاقة بين الاستكبار عن عبادة الله والشرك، حيث يبين أن كل مستكبر عن عبادة الله لابد أن يكون مشركا، ويوضح أن الاستكبار يؤدي إلى عبادة شيء آخر. كما يبين أن الاستكبار عن طاعة الله يورث الشرك.

الاستغناء عن المخلوقات والافتقار إلى الله تعالى

هذا الفصل يبين أن القلب لا يستغني عن المخلوقات إلا بإخلاص العبادة لله وحده، ويوضح أن العبد مفتقر إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار، بينما الله غني عن كل ما سواه. كما يشير إلى أن قوة إخلاص الدين لله تعزز عبودية الإنسان واستغنائه عن المخلوقات.

مفهوم الخلة ومحبة الله تعالى وتوضيح الفرق بينهما

يفصل هذا الفصل مفهوم الخلة ومحبة الله تعالى، ويبين أن الخلة مرتبة عالية من المحبة لا يبلغها إلا الأنبياء، مشيراً إلى أن إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم هما الخليلان لله. كما يوضح الفرق بين المحبة والخلة ويرد على الآراء الضعيفة التي تظن أن المحبة فوق الخلة.

تعريف اللذة وبيان ماهيتها

هذا الفصل يعرف اللذة بأنها الشعور الذي يحصل بعد إدراك الملائم، وليست الإدراك نفسه، ويبين أن من الخطأ اعتبار اللذة هي إدراك الملائم. كما يشدد على أن اللذة هي الشعور بالمحبوب أو المشتهى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقال ربكم ادعوني استجب لكم. قال تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وكل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يعبد غير الله، فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة. حتى هؤلاء الذين يقولون يقال لهم لا دينيين أو ليس لهم دين، فهم أيضا غالبا يعبدون لهم فكرة يعبدونها، وهذه الفكرة يمجدونها. فتجد عبادتهم لهذه الفكرة مثل الماركسيين والاشتراكيين وغيرهم، لهم فكرة يريدون أن يعمموا هذه الفكرة، فتنتشر هذه الفكرة بين الناس. وأيضا خلاصة القول أنهم يعظمون هذه الفكرة حتى يجعلونها كالمعبود لها، مثلا عند الاشتراكيين الحياة مادية، لا إله، والحياة مادة عظموا هذه الفكرة تعظيما فكانوا يعبدون الشيطان الذي دلهم على هذه الفكرة الباطلة. فلهذا يقول الشيخ: كل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يعبد غير الله، فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة. قال: وقد ثبت في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أصدق الأسماء حارث وهمم» والحارث الكاسب الفعل. وقد ثبت في الصحيح أن الحديث «أصدق الأسماء حارث وهمم» يريد الحديث الصحيح، وإلا هذا الحديث ليس في الصحيح، إنما هذا حديث وبه الجشمي، واختلف فيه هل هو صحابي أم تابعي. حسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه، وليس هو في الصحيح. أما في الصحيح حديث عبد الله بن عمر «خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن»، لكن هذا جاء حب الأسماء إلى الله «عبد الله وعبد الرحمن»، «وأصدق الأسماء حارث وهمم»، «وأقبحها حرب ومرة». قالوا: تسموا بأسماء الأنبياء. قالوا: الحارث الكاسب الفعل. وإنما صار أصدق الأسماء لأنه ما من إنسان إلا وهو حارث يعمل ويكسب، وما من إنسان إلا وهو يهم في فعله إما في الخير وإما في الشر. قالوا: الهمام الفعال من الهم، والهم أول الإرادة. فالإنسان له إرادة دائما، وكل إرادة فلابد لها من مراد تنتهي إليه، فلابد لكل عبد من مراد محبوب وهو منتهى حبه وإرادته. فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك فلابد أن يكون له مراد محبوب استعبده غير الله، فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب، إما المال وإما الجاه وإما الصور وإما ما يتخذه إلها من دون الله عن الهوى، كالشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أربابا، أو غير ذلك مما عبد من دون الله. وإن كان عبدا لغير الله يكون مشركا. فكل مستكبر فهو مشرك. عن هذه النتيجة التي وصل إليها الشيخ، بكلامي هذا، على أن كل مستكبر مشرك، فكل مستكبر يستكبر عن عبادة الله، فهو لا شك أنه لا بد أن يعبد غير الله، لا ينفك عن ذلك. وقد قرر هذه المسألة الإمام ابن القيم في عدة من كتبه: في «روضة المحبين»، وفي «المدارج»، وفي أيضا «الجواب الكافي». أشار إليها أيضا على أن من استكبر عن عبادة الله فهو عبد لهواه ولا بد، عبد لما يهوى، ولا بد، سواء كان يهوى جاها أو يهوى شهوة أو يهوى فكرة أو صورة، كل ذلك تجد أنه انصرف عن عبادة الله لأجل هذه أو هذا الهوى، صار معبوده الهوى. كما قال الله عز وجل: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا﴾. قالوا: لهذا كان فرعون من أعظم الناس استكبارا عن عبادة الله، وكان مشركا. قال الله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال﴾. وقال فرعون: ﴿ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾. وقال موسى: ﴿إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب﴾. إلى قوله: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا﴾ إلى قوله: ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾. وقال تعالى: ﴿وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين﴾. وقال تعالى: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعة يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾. قالوا: مثل هذا في القرآن كثير. وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: وقال الملأ من قوم فرعون «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك». قال: «بلى» السحرة. يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله، كان أعظم شركا بالله، لأنه كلما استكبر، كلما استكبر عن عبادة الله، ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول. وقد ذكر قبل هذا أن الرجل أحيانا يكون صاحب الملك، لكنه لما كانت محبته لأجل بقاء ملكه، فتجده يعطف على من ينصره، فيعطيه الأموال ويعطيه الهدايا ويعطيه كذا، لأجل أنه يناصره. فما بالك بالذي أيضا هو المراد المحبوب، فترك محبة الله وعبادته وأخذ في محبة غيره، الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركا بما استعبده من ذلك. ولا يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوال إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله. فكلما قوي إخلاص دينه لله، كملت عبوديته لله واستغناءه عن المخلوقات. فكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر ومن الشرك. فالشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود. قال الله عز وجل في النصارى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورخبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾. فكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر ومن الشرك. كلما كمل عبوديته لله، كلما بعد من الكبر ومن الشرك. فذكر أن النصارى الشرك عليهم غالب، واليهود الكبر عليهم غالب. لأن النصارى عندهم عبادة، لكنهم جعلوا معبوداتهم أعظم من الله جل وعلا، ولهذا عظموا ابن مريم عيسى ابن مريم عليه السلام عظما حتى صار عندهم إله. قال تعالى في اليهود: ﴿فكلما جاءكم رسول مما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾. وقال تعالى: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وأن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وأن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا﴾. قالوا: لما كان مستلزما للشرك، والشرك ضد الإسلام، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى. قال الله عز وجل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾. كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الذي لا يقبل الله غيره من الأولين والآخرين. وقال نوح: ﴿فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين﴾. وقال في حق إبراهيم: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفيه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾. ﴿وإن قال له ربه أسلم قال أس�مت لرب العالمين﴾. وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. إلى غير ذلك من هذه الآيات التي ذكر الله عز وجل أن دين الأنبياء واحد، كانوا جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، ليس هناك دين آخر. قال: فذكر إسم الإسلام، فإن الكائنات طوعا وكرها، لأن المخلوقات جميعها معبدة له، التعبد العام، سواء أقر بذلك وأنكره، وهم مدبرون، وهم مسلمون له طوعا وكرها. وليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاء وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يصرفهم كيف يشاء، وهو خالق كلهم وباريهم ومصورهم. وكل ما سواه فهو مربوب، المصنوع المفطور، فقير محتاج، معبد مقهور. أي هذا العبد، وهو الواحد القهار الخالق الباري المصور. وهو إن كان قد خلق ما خلقه بأسباب، وهو خالق السبب والمقدر له. قال: وعاد مفتقر إليه، كافتقار هذا. وليس في المخلوقات سبب مستقل، ولا يدفع ضرا، بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه، وإلى ما يدفع عنه الضر الذي يفعل ويمنع. وهذه الأسباب مسببها الله عز وجل. فإذا وجدت الأسباب لابد أن يكون هناك سبب يدفع، وهو معونة الله عز وجل وتوفيقه. قال: وهو سبحانه وحده هو الغني عن كل ما سواه، ليس له شريك يعاونه، ولا ند يناوبه ويعارضه. وقال تعالى: ﴿قل فرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾. وقال تعالى: ﴿ويمسك الله بضره فلا كاشف له إلا هو ويمسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾. وقال تعالى عن الخليل: ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال تحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تذكرون﴾. قالوا: ﴿كيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا فبأي آلاء ربكما تكذبان إن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ. الآن الشيخ رحمه الله يريد أن يبين أن العبد هو المفتقر إلى الله، وهو الذي يحتاج إلى العبادة، أما الله عز وجل فهو غني، فهو غني حميد سبحانه وتعالى. فلهذا فإن توفر سبب العبادة، فالعبادة تحتاج أيضا إلى سبب المعونة، حتى لا يضره الضرر، فيدفع الضرر بالله جل وعلا. فلهذا فالعبد محتاج إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار. قال: في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الآية لما نزلت: ﴿إن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله، أي الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. وقال: «يا رسول الله أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟» فقال: «إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾». وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين. قال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾. معنى: من كان على ما هو عليه من التوحيد يكون وليا لله عز وجل. وأما من لم يكن على التوحيد فهو ليس وليا. قال: فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، بل يأمر سبحانه أن يكون الظالم إماما. وأعظم الظلم الشرك. قال الله عز وجل: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين﴾. قال: والأمة هو القدوة. أي كان أمة، أي قدوة. قال: المعلم للخير الذي يؤتم به، كما أن القدوة الذي يقتدى به. والله تعالى جعل في ذرية النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته. قال الله عز وجل: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾. وقال تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾. وقال تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾. وقال تعالى: ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾. قولوا: ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾. قالوا: قد ثبت في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن إبراهيم خير البرية، فهو أفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الله. وقد ثبت في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير وجه أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». وقال: «لو كنت متخذ من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» يعني نفسه. وقال: «لا يبقى في المسجد خوقة إلا سدة إلا خوقة أبي بكر». الخوقة: معنى النافذة. قال: وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإن ينهاكم عن ذلك». وكل هذا في الصحيح. وفي أنه قال قبل موته بأيام: «وحد جندب أو سمرة بن جندب». وذلك من تمام رسالته، فإنه في ذلك تحقيق مخالفته لله، التي أصلها محبة الله للعبد ومحبة العبد لله، خلافا للجهمية الذين ينكرون محبة الله عز وجل. قال الله: «لا يحب ولا يحب». وفي ذلك تحقيق توحيد الله، وأن لا يعبدوا إلا إياه، ردا على أشباه المشركين. وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق حقه، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكا بالبشر. يعني إلى القبلة. أي عندي القبلة، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكا بالبشر. أي يعبدون عند القبلة إشراكا بالبشر، بعبادة عدي بن المسافر. وهو عدي بن المسافر الأموي، لأنه كانوا بزمن الشيخ طائفة تعبد عدي من الضلال، وهم بعد من علي. آه علي. قلت: خاف عدي. عدي بن المسافر الذي الآن ينتسب إليه عبدة الشيطان. طيب إلى علي. وهم أعظم المنتسبين إلى علي إشراكا بعبادة علي. ونختصر: إشراكا بالبشر، المعنى واحد. قال: والخلة كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال العبودية لعباده الذين يحبهم ويحبونه. ولفظ العبودية يضمن كمال الدين وكمال الحب. فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان معبدا للمحبوب، والتتيم التعبد. وتيم الله عبده: وتيم الله عبده، وهذا على الكمال. حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم. أي الخلة، الخلة مرتبة عظيمة لم يبلغها إلا إبراهيم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا: لهذا لم يكن له من الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة. معنى: النبي صلى الله عليه وسلم ما له خليل في الأرض، بل خليله الله، فإنه كما قيل: «قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا». معنى: ليس له لأحد موضع في قلبه، فلهذا سمي الخليل خليلا. قال: بخلاف فصل الحب، فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث: «اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما». وسأله عمر بن العاص: «أي النساء أحب إليك؟» قال: «عائشة». لا. قال له: «أي الناس أحب إليك؟» قال: «عائشة». قال: «فمن الرجال؟» قال: «أبوها». قال: «ثم من؟» قال: «عمر». وقال لعلي رضي الله عنه: «لعلي الرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله؟» قال: «أنت». ومثل ذلك كثيرة. فقد أخبر أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيل الله صفا كأنهم بنيان مرصوص. وقال: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾. هذه المحبة أصل المحبة، هذا موجود. الله عز وجل يحب، وكذلك يحب. لكن الخلة لا توجد. الخلة إلا معنى من الله عز وجل إلا لرجلين اثنين، نبي الله إبراهيم ونبينا عليهم الصلاة والسلام. قال: فأما الخلة فخاصة. وقول بعض الناس: أن محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وظنوا أن المحبة فوق الخلة، قول ضعيف. أي هذا دائما يقول الصوفية، يقولون: أن محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله، يظنون أن المحبة فوق الخلة. قال: فإن محمد أيضا خليل الله، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة. وما يروى أن العباس يحشر بين حبيب وخليل، وأمثال ذلك، فأحاديث موضوعة لا يصلح أن يعتمد عليها. قال: وقد قدمنا أن محبة الله محبة ما أحبه، كما في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن وجود الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له. فمن أحب شيئا أو اشتهاه، حصل له مراده، فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك. واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى. ومن قال: إن اللذة إدراك الملائم، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء، فقد غلط في ذلك غلطا بينا. وإنما اللذة هو أن يجد المحبوب أو المشتهى. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس لاحق.