التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 7

التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 7

الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم العبودية لله تعالى

يبدأ الدرس بتعريف العبودية وشرح مفهومها، حيث تتطلب الذل والمحبة لله وخضوع له. كما يشير إلى أهمية فهم حقيقة العبودية لتحقيق التوحيد.

آثار التعلق بالدنيا على العبودية

يتناول المقطع موضوع التعلق بالمال والرئاسة وكيف يمكن أن يكونا عائقين عن تحقيق العبودية لله تعالى. كما يشير إلى أهمية طلب هذه الحاجات من الله والرضا بقضائه.

حقيقة المحبة لله ورسوله وعلاقتها بالعبودية

يشرح المقطع حقيقة المحبة لله ورسوله وضرورتها لتحقيق الإيمان والعبودية الكاملة. كما يشير إلى أن المحبة لله ورسوله يجب أن تكون أقوى من أي محبة أخرى.

التوحيد والاستسلام لله وحده

يشرح المؤلف حقيقة العبودية وعلاقتها بالتوحيد، ويبين أن العبد يحتاج إلى الله في عبادته واستعانته. كما يوضح أن العبودية لله تتم بالاستسلام له وحده دون غيره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد، فذكر المؤلف -رحمه الله- الشيخ الإسلام التعبد لغير الله، وأنه ذل لغيره سبحانه وتعالى، ولابد. وذكر العوارض التي تعترض العبادة من الشهوة، ومن حب الرئاسة، وكذلك الطمع والشح. وأيضا قد يعترضها أيضا الشرك، الرياء، الدنيا، وغيرها من هذه الأشياء التي تعترض أمر العبودية. أيضا قال: طالب الرئاسة والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليهم، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبدل لهم الأموال والولايات، ويعفو عنهم ليطيعوه ويعينوه، وهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم. أيضا يريد أن يبين أيضا أن هناك عوارض للعبودية، وهي في أصلها أيضا عبودية لغير الله، وذل. فمن ذلك يقول: طالب الرئاسة والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليهم. أن من رأى أنه يعينه ليس كل أحد، وإنما الذين لهم شأن عظيم في رفعه، وفي بقاء ملكه، فهو لا تجد أنه يكون رقيقا معهم، ويذلهم ويعطيهم الأموال التي يريدونها، ويعطيهم الولايات وغيرها من الأشياء حتى يبقى في مكانه. قال: وهكذا أيضا طالب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه. وهذه الأمور نوعان، منها ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك. فهذا يطلب من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده ويستعمله في حاجاته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، من غير أن يستعبده، فيكون هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا. وهذا كلام تحقيق عظيم. هناك من الأشياء التي يحتاجها العبد هي ضرورية، كما ذكرت: الطعام والشراب، المسكن، المنكح. هذه أشياء ضرورية للعبد، لكن يطلبها من الله عز وجل. فإن تيسرت له أن يسرها الله عز وجل له، يكون أن يستعملها في حاجته فقط، لا يفرط في محبتها، فيبذل لها كل وسعه. فمن الناس من يكون الأكل يصده عن الخير، يصده عن العبادة، فتجده أهم شيء عنده أنه يوفر الطعام والشراب. أحيانا يكون مثلا لعياله، يريد أن يوفر الطعام والشراب لعياله، فيقع فيه المحظور، مثل ما قال بعض المنافقين: «شغلتنا أموالنا وأهلنا»، فاستغفر لنا. شغلتهم عن ماذا؟ عن طاعة الله، عن الخير. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. هذه الأمور يمتلكها الإنسان، لكن إذا خرجت عن السيطرة ملكته. إذا خرجت عن السيطرة ملكته. المال يمتلكه الإنسان، لكن إذا خرج عن السيطرة ملكه هذا المال، فكان وصفه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كالذي يأكل ولا يشبع». وما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم: «يا حكيم، إن هذا المال حلو خضر، فمن أخذه بصخاوة نفسه بورك له فيه، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع». كان كالذي يأكل ولا يشبع، يعني يلهث، يأكل، يأكل، يأخذ من المال، يجمع، جمع. كما قال الله عز وجل في وصف بعض الكفار: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، أن كان ذا مال وبنين. ﴿عُتُلٍّ﴾ قيل أنه ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، وقال: «ياشي قبلها أمازم مشاء بن أميم مناع للخير معتد أثيم». مناع للخير، معناه أنه يجمع الأموال، لكن يمنع إنفاقها، معتد أثيم. فهذا أيضا كما جاء في حديث حارثة بن وهب: «أنه للنار كله جواض عتل جواض مستكبر». العتل: الشديد، والجواض: الجمع الذي أيضا يجمع ولا يخرج ولا يرحم. فلهذا تكون في الشخص نهمة في المال، نهمة عظيمة في احتواء المال، تجده يحاسب على القليل، وكذلك يحافظ على الشيء اليسير من المال، أنه يجمعه. كما يقول بعض التجار: تجدونه يقول: «جمعت هذا المال على شيء شيء». بعضهم يقول: «على بيسة بيسة». بعضهم يقول: «على عانة عانة». معناه مثل ما قال بعض المتكبرين كما ذكرهم الله عز وجل، فقال لما ذكر قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، إنما أتيته على علم، ما جمعت هذا إلا بحنكة، بعلم، وبذكاء. فيظن هذا في نفسه، وإنما جمع هذا بالطمع والهلع وراء المال. فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. هذا الطمع إذا مسه الشر جزوع، وإذا مسه الخير منوع يمنع. إذا مسه الخير. قالوا: منها ما لا يحتاج إليه العبد، فهذه لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها. فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها، وربما صار معتمدا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعب من العبادة لغير الله، وشعب من التوكل على غير الله. وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «تعيس عبد الدرهم، تعيس عبد الدينار، تعيس عبد الخميصة». وهذا هو عبد هذه الأمور. ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط. وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما يحب الله ورسوله، ويبغض ما يبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله. وهذا الذي استكمل الإيمان، فما في الحديث: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». أنه يكون أمره كله لله. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فيكون أمره لله حتى في الأخذ والعطاء، يكون لله. ما يكون مثلا لأغراض أخرى. لكن النفس ما تترك الإنسان، لابد أن تبقى أغراض أخرى في العطاء وفي الأخذ، والعطاء في الأخذ والأقصد في العطاء. وكذلك أيضا في الأخذ، فتجد أنه يعطي لعلة شيء من الأغراض، يأخذ لعلة شيء من الأغراض، ليس لأجل الله. فيعطي لله ويأخذ لله، يقبل مثلا الهدية لأجل الله، يقبل المال لأجل الله. وهكذا يفكر في طاعة الله عز وجل، يكون همه كله لله. «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». وهذا الحديث حسن، حديث ابن عباس. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». قال: فهذا وافق ربه في ما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وحب المخلوق لله، وحب المخلوق لله لا لغرض آخر. وكان هذا من تمام حبه لله، فإن محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب. إذا أحب أنبياء الله وأوليائه لأجل قيام محبوبات الحق، لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره. ما يحب إلا لله، فيحب الأنبياء والصالحين، يحبهم لله عز وجل. قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فإن الرسول يأمر بما يحبه الله، وينهى عما يبغضه الله. وجاء في الحديث -وإن كان في سناده مقال- إلا أن بعضهم حسنه: «في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك، والحب الذي يقربني إلى حبك». وهذا كمال المحبة، وكمال الارتباط بالله، أنه يجعل كل محبوباته محبوبات الله جل وعلا. قالوا: يخبر مما يحبه الله، والتصديق به. فمن كان، محبا لله، لازمه يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتعظ به فيما فعل. لأنه يحب ما يحبه الله. ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله، فيحبه الله تعالى. فجعل الله لأهل محبة علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيله. وذلك لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ولأنه يقدم نفسه لله. فلهذا فهو محب لله. وفي دفع ما يكرهه الله من الكفر والفسوق والعصيان. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيل الله بهذا الوعيد. بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولدي ووالدي والناس أجمعين». وفي الصحيح -أي صحيح البخاري- أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي». فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». قال: «فوالله لأنت أحب إلي من نفسي». قال: «الآن يا عمر». وفي رواية: «الآن يا عمر تم إيمانك». لكن هذه الرواية لا تصح. لهذا فسره بعض أهل العلم: «الآن يا عمر»، أي: الآن هذا حقيقة الإيمان. وعمر إنما قال هذا حتى لأنه ظن أنه لو قال: «حتى من نفسي» لأكذب نفسه. فقال: «إلا من نفسي». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى من نفسك». فاتيقن بعد ذلك عمر أن الإيمان لا يكون إلا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس. وقد كانت حقيقة عنده. قال: فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافق في حب ما يحب، وبغض ما يبغض. والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان. ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، وكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات. فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات. فإذا كان العبد قادرا عليها حصلها، وإذا كان عاجزا عنها فعل ما يقدر عليه من ذلك، كان له كأجر الفاعل. كما قال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم». قالوا: «وهم بالمدينة؟» قالوا: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر». يقول: إذا كان العبد قادرا عليها -أي هذه المحبة العظيمة- حصلها. وإذا كان عاجزا عنها، وفعل ما يقدر عليه من ذلك، كان له كأجر الفاعل. إن كان تمكنت في قلب هذه المحبة، وإلا دل عليها. قالوا: الجهاد هو بذل الوسع والقدرة في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق. فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد، كان دليلا على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه. الآن دخل الشيخ في حقيقة العبودية، فكان يتكلم على المحبة، لأنها أصل العبودية. قالوا: معلوم أن المحبوبات لا تنال غالبا إلا باحتمال مكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة. فالمجنون للرئاسة والمال والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا، مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة. بل قد يخسر الآخرة. فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذوو الرغبة من المحبين لغير الله في حصول محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبتهم لله. أن هؤلاء اجتهدوا في محبتهم لغير الله، فكيف أنت المحب لله لا تجتهد؟ فيحتاج الاجتهاد أكثر. كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أي: من أهل الأصنام لأصنامهم. أهل الشرك لشركهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. فلهذا لابد أن يكون حبك لله أكثر من حب هؤلاء لأصنامهم ولآلهتهم. قالوا: إذا كان ما سلك أولئك فهو الطريق الذي يشير به العقل. ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. نعم، قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقا لا يحصل به المطلوب. فمثل هذا الطريق لا يحمد. إذا كانت المحبة صالحة محمودة، فكيف إذا كانت المحبة فاسدة والطريق غير موصل؟ كما يفعل المتهورون في طلب الرئاسة والمال والصور، فيحبون أمورا توجب لهم ضررا، ولا تحصل لهم مطلوبا. وإنما المقصود الطريقة التي يسلكها العقل لحصول مطلوبه. فعنى حتى لو كانت الطريقة غير صحيحة، لكن لابد أن تكون المحبة صالحة محمودة. لكن هذا لا يحمد. كذلك إذا كانت الطريقة غير محمودة. ويريد أن يبين الشيخ أنه لابد من سلوك الطريق الصحيحة مع سلوك المحبة والإخلاص في هذه الطريق. قالوا: إذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وحرية عما سواه. حرية: معناه التحرر من عبادة غير الله. وكلما ازداد عبودية ازداد له حبا، وحرية عما سواه. والقلب فقير بالذل إلى الله من جهتين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائبة، ومن جهة الاستعانة والتوكل. أن من جهة العبادة أولا هو محتاج إلى الله، يذل لله. وكذلك أيضا الاستعانة، الإعانة على هذه العبادة يحتاج أيضا من الله، يحتاج الذل والخضوع لله. قال: فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يسر، ولا يلتذ، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن فيه. فقر ذات إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه. وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة. وهذا لا يحصل إلا بالإعانة من الله، يحتاج إلى ذل في العبادة، وذل في الإعانة حتى تكتمل أمره مع الله. قالوا: لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، وهو دائما مفتقر إلى حقيقة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال: فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة الله بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول. وكل ما سواه فإنما يحبه لأجله، لا يحب شيئا لذاته إلا الله. فمتى لم يحصل له هذا لم يكن قد تحقق حقيقة: «لا إله إلا الله». فإن أراد أن يتحقق هذه الكلمة، فإنه يكون حبه وطلبه عبادة لله جل وعلا. وأن يحب كل شيء لله. قاله: لا حقق التوحيد، العبودية والمحبة. وكان فيه من النقص والعيب، بل ومن الألم والحسرة والعذاب حسب ذلك. قاله: لو سعى في هذا المطلوب، ولم يكن مستعينا بالله، متوكلا عليه، مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له. فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه. فهو إله لا إله له غيره، وهو ربه لا رب له سواه. ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين. قال: فمتى كان محبا لغير الله لذاته، وملتفتا إلى غير الله أنه يعينه، كان عبدا لما أحبه، وعبدا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه إياه. فالأغراض أيضا تدخل المحبة. قالوا: إذا لم يحب لذاته إلا الله، وكل ما أحبه سواه فإنما أحبه له، ولم يرجو قط شيئا إلا الله. فإذا فعل فانفعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها، كان شاهدا أن الله هو الذي خلقها وقدرها. وأن كل ما في السماوات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه، وهو فقير إليه. فجلب هذه الأسباب يدل على أن مسببها هو الله. «إني قالت يا مريم أن لك هذا؟ قالت هو من عند الله». قالوا: أن كل من في السماوات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه، وهو فقير إليه. كان قد حصل له من تمام عبودية الله بحسب ما يتم له من ذلك. قالوا: الناس في هذا على درجات متفاوتة، لا يحصي طريقها إلا الله، بين مستقل ومستكثر. فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله، وأقواهم وأهداهم وأتمهم عبودية لله من هذا الوجه. وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله. معنى الذي سار على طريقة صحيحة، ومحبة، وتوكل على الله، أي: عانه الله. وهو أن يستسلم العبد لا لغيره لله، لا لغيره. فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع الاستسلام له مستكبر. وقد ثبت في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الجنة لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من كبر». كما أن النار لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. فجعل الكبر مقابلا للإيمان. فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية، لأن العبودية ذل، لكن ذل الله عز وجل. كما ثبت في الصحيح أنه يقول الله عز وجل: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته». والعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية. والكبرياء أعلى من العظمة. قالوا: لهذا جعلها من منزلة الرداء، كما جعل العظمة من منزلة الإزار. ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والعياد هو التكبير، لأن التكبير أدل على العظمة. وكان مستحبا في العقيقة العالية كالصفا والمروة، وإذا علت الإنسان شرفا، أو ركب دابة ونحو ذلك. وبه يطفئ الحريق. وإن عظم. لكن الحديث لا يصح. وعند الأذان يهرب الشيطان. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وكل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يعبد غير الله. فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة. خلاصة الأمر أن يقال: أن المؤلف -رحمه الله- يبين عوارض العبادات، وحقيقة العبودية. وأن العبودية لابد أن تكون بالذل والمحبة لله عز وجل، وخضوع له. طيب، إن شاء الله تعالى نكتب بهذا. نكتب في درس المحبة.