الدرس في كتاب البيوع 82، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المساقاة عقد بين طرفين للقيام بسقي الأشجار مقابل جزء من الثمرة، وتجوز على الشجر الذي له ثمر يؤكل. هناك خلاف حول جوازها على الشجر الذي لا يؤكل ثمره.
عقد المساقاة جائز بين الطرفين ويمكن فسخه دون ضرر، وهناك اختلاف بين المذاهب حول إلزاميته. الجمهور يرى أنه جائز بينما يرى البعض أنه لازم.
الجمهور استدل بحديث على جواز المساقاة واختلفوا في إلزاميتها. البعض قاسها على الإجارة والبعض الآخر اعتبرها عقد شركة، وهذا أدى لاختلاف في تصنيفها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب المساقاة. المساقاة معنا مفاعلة من السقي، وإنما سميت مساقاة لأن أهم ما يكون فيها هو السقي، فسميت مساقاة، وهي استئجار من يقوم بسقية، وأيضا العمل في بستان، أو يقولون دفع شجر إلى من يقوم بسقيه والعمل عليه على جزء مشاع، على جزء مشاع معلوم من الثمرة. معنا المراد هنا دفع شجر، معنا مثلا استئجار من يعمل بسقي الزراعة، ولو لم يغرس، ما يشترط أنه يكون هو الذي يغرس، لا، قد يكون أيضا الأشجار قائمة، ثم يستأجر من يسقيها. وذكر العلماء أنه لابد أن يكون الربح أو الإيجار يكون جزء مشاع، معنا ما يكون جزء معلوم، معنا ما يقال مثلا هذا الجزء ثمرته للمستأجر، وهذا الجزء ثمرته لصاحب البستان، هذا ما يجوز، قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه. والأصل في المساقاة ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها، معنا عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع، فهذا هو أصل المساقاة والمزارعة، وإنما كره العلماء الجزء المعلوم من الثمر، لما جاء في ذلك من حديث في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. قال رحمه الله: تصح على شجر له تمر يؤكل، أن هذه المساقاة تصح على تمر، أو على شجر له تمر يؤكل، كشجر النخل أو العنب أو الموج أو غيرها مما يكون شجر يؤكل. وظاهر كلام المؤلف أن المؤلف أنه إذا كانت شجر لا يؤكل ثمره، فإذا المساقاة لا تصح فيه، معنى إذا كان شجر ليس له ثمر يؤكل، ولو كان ينتفع به، مثلا مثل أشجار الصنوبر، أشجار الإثل، ينتفع بها في الخشب، لكن ليست لها ثمرة تؤكل. فذكر المؤلف هنا أنه إذا لم تكن ثمرة تؤكل، ما تجوز المساقاة، أو لا تصح المساقاة، وهذا القول المشهور في مذهب الحنابلة، وهناك قول آخر في المذهب، مذهب الحنابلة، وهو مذهب المالكية، أن المساقاة تصح على كل شجر لثمر مقصود، سواء كان مما يؤكل أو لا يؤكل، سواء كان هذا الثمر يؤكل أو لا يؤكل. وهذا الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين وغيره، لأن هذا هو القياس الصحيح، لأن الثمر، سواء كان يؤكل أو لا يؤكل، لكنه ينتفع به لا شك، ولهذا أيضا ذكر ابن قدامة رحمه الله عن بعض الحنابلة أنهم ألحقوا أيضا بهذا ما يقصد ورقه، مثل الزهور وغيرها، وإن لم تؤكل، فإنه أيضا يدخل في المساقاة. والأصل في الأشياء الحل ما دام أنه استئجار، فهو جائز، ليس هناك ما يدل على المنع، ليس هناك ما يدل على المنع، فلهذا فهو جائز أن يستأجر مثلا من يسقي أشجار فيها زهور بدون ثمرة. قال أيضا: على ثمرة موجودة، تصح المساقاة أيضا على ثمرة موجودة، أثمر النخل، فجاء بعامل يسقيها، فهذا أيضا يجوز، قالوا: على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمرة، وهذا لا شك أنه جائز، أنه يغرس الشجر ويسقيه، يقول له مثلا المؤجر صاحب المزرعة يقول للمستأجر: عندي أشجار فيها ثمر، أريدك أن تقوم بها وتقوم بشأنها وتخرج ثمارها وغيرها، فهذا جائز لأنه لا فرق بين أن يسقيها من أول غرسها أو أنها مثمرة، المهم أنه عامل مستأجر يقوم بشأن الأشجار. وقول المؤلف هنا: بجزء من الثمرة، أي بجزء كما تقدم مشاع معلوم، معلوم معناه مثلا يقول لك: صاع لك، أربعة صاع، خمسة صاع، على حسب الاتفاق الذي يتفقونه، لكن لا يحدد الجهة المعينة، لا يقول مثلا: لك الجهة الشرقية، ولي الجهة الغربية، فهذا قد جاء النهي عنه في حديث رافع بن خديج وغيره، لأنها قد تثمر هذه وهذه لا تثمر. قال: وهو عقد جائز، جائز معناه بين الطرفين، معناه عندما يقول الفقهاء: عقد جائز، معناه أنه ليس ملزما، له أن يبطل هذا العقد في أي وقت شاء، ما لم يكن فيه ضرر على الآخر. هذه الشراكة والمساقاة والمزارعة وغيرها من هذه العقود، هذه عقود يسمونها عقود جائزة، معناه ليست ملزمة لأحد الطرفين، لأن العقود تختلف: عقود ملزمة للطرفين، مثل البيع والإجارة وغيره، وعقود ملزمة لطرف واحد، مثل الوكالة، الوكالة تكون ليست ملزمة، مثل الرهن، وما يقوم مقامه أيضا يكون ملزما من طرف واحد. قال: فعقد جائز، أي متى أراد الفسخ أن يفسخ هذا العقد يفسخه، ليس له وقت محدد، حتى ولو اتفق على عقد مثلا سنة، فإن أراد أن يفسخ العقد يفسخه، لكن لابد أن لا يكون فيه ضرر على أحد الطرفين. ومسألة الفسخ أو أنه عقد جائز، هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الجمهور، أن عقد المساقاة عقد جائز، مذهب الشافعية والمالكية أنه عقد لازم بين الطرفين، فلا يجوز للمالك ولا للعامل أن يفسخ، لا يقول مثلا بعد أيام أو بعد شهر: أنا ما سأشتغل، فهو ملزم له على حسب الاتفاق، معنى ملزم للطرفين مثل البيع. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله، وأيضا اختيار شيخ عبد الرحمن بن سعدي، وغيرهم. وهناك قول ثالث أيضا في المسألة، وهو أن الملزم هو جانب المالك، وجائز من جهة العامل، أن يجعلوه ملزما من طرف واحد، وهو طرف المالك، المالك لا يفسخ، لكن العامل له أن يفسخ. ولا شك أن القول الثاني هو معنى أرجح من ناحية الأدلة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأهل خيبر: «نقركم فيها على ما شئنا»، النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل خيبر: «نقركم فيها على ما شئنا»، فدل على أن المالك معنى هذا. استدل به من يقول أنها جائزة، استدل بهذا الحديث الجمهور الذين قالوا بأن هذا عقد جائز، وعمد الجمهور قالوا بأنها ملزمة للطرفين، قاسوها على عقد الإجارة، لأنه قالوا أنه عقد إجارة أصلا، وعقد الإجارة ملزم للطرفين عند جمهور العلماء. وذكر بعض العلماء في الرد على القول الثاني بأنه إجارة، قالوا: أنه فرق بين الإجارة والمساقاة، فالإجارة استئجار منفعة، وقالوا أن المساقاة ليست استئجار منفعة، وإنما هو عقد شركة، لهذا بعضهم يجعل عقد المساقاة أقرب إلى عقود الشركات. هذا تجد في كتب الحنابلة يذكرون الشركات، يذكرون المساقاة والمزارعة، بخلاف كتب الشافعية، الشافعية يذكرونه عند الإجارة غالبا، يذكرونه في كتاب البيع، لأنهم يقولون أن المساقاة أشبه بالمضاربة، هذا مال، وهذا بدن، فهي شركة مضاربة، لهذا يقولون فيها عقد فيه المنع من الجزء المعلوم. بخلاف الإجارة، الإجارة لابد أن يكون جزء معلوم، مثلا لك كذا وكذا، لكن المساقاة هنا لا، ما يكون إلا جزء مشاع، ما يقال له مثلا: هذا الجزء لك، وهذا الجزء لي، فلهذا يحصل الخلاف هنا. وهذا ذكرنا بمثلة هنا اختلف فيه حتى المعاصرون، مسألة استئجار السيارات، هل هو عقد إجارة أو عقد مزارعة أو شركة، أو عقد مضاربة؟ إذا قلنا أنه عقد مضاربة، لأن الآن مثلا خاصة في مسألة عندما يقول مثلا: لك الثلث من الربح، معنى غير معلوم، معنى ما يعين الربح، يقول له: لك ثلث، وللسيارة ثلث، ولي ثلث، فهذا إذا قلنا أنه عقد إجارة فهو جائز. لكن إن قلنا أنه عقد شركة مضاربة، فهذا لا يجوز، لا يجوز في الشركات أن يكون المال جزء معلوم، لك كذا وكذا من الربح، لا يقول مثلا يكون الربح بالنسبة بينهما، أما مثل هذا: يقول له: لك الثلث، لأنه قد يأتي بهذا، إذا قال له الثلث تمام، لكن يعين له الأجرة، يقول له مثلا: لك 200 ألف، والباقي لي، معنى مثلا في الأسبوع 200 ألف لك، والباقي لي، معنى قد يطلع 200 ألف، بعضهم يجعلها في اليوم، بعضهم يجعلها في اليوم، مثلا يقول له: أريد في اليوم 20 ألف. هذا يستعملون، أما إذا كان قال له: الثلث، هذا جائز، لكن إذا قال له: أريد مثلا 20 ألف في اليوم، طلع لـ 20 ألف، فممكن يطلعها، وممكن لا يطلعها، لكن لو قلنا أنه عقد إجارة، فهو إجارة على السيارة، إجارة على منفعة السيارة، هذا جائز. لكن لو قلنا أنه عقد شركة مضاربة، فهذا لا يجوز، لأنه سيدخل في الربح معنى سيكون يدخل الأقصد في القمار، يدخل في المقامرة، الميسر، لأنه عقد فيه غنم وغرر، احتمال الغنم والغرم، فممكن أنه يأتي بهذا الذي طلبه في 20 ألف، وزيادة أضعاف، وممكن أنه لا يأتي به، سيخسر من جيبه، سيعطيه بقية العشرين. فهذا وهذا أقرب ما يكون أنه عقد شركة، ليس عقد إجارة، إلا هؤلاء الذين يؤجرون السيارات، هذا إيجار، يعطي السيارة يمشي بها، سواء كان يشتغل بها أو ما يشتغل، المهم يدفع إيجارها. لكن هذا الذي يعطي إجارة، يعطي السيارة مثلا لأجل أنه يعمل بها، ثم يقتسمون الربح، فهذا أقرب بالمساقاة، وهو أقرب إلى أنه عقد شركة، وهذا الذي أيضا ظهر أن الشيخ ابن عثيمين يرجح هذا، مع أن القول المشهور عند الحنابلة أنه عقد إجارة، ليست عقد شركة، أيضا المساقاة أقصد فيكون ليس لازم للطرفين، يجوز الفسخ من أحد الطرفين.