الدرس في كتاب البيوع 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الإجارة عقد على منفعة مباحة معلومة، وقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع. تصح الإجارة بثلاثة شروط منها معرفة المنفعة.
تشترط الإجارة معرفة المنفعة والأجرة، ويمكن أن تكون الأجرة معلومة بالعرف أو الوصف. يجوز أن تكون الأجرة طعامًا أو كسوة إذا كان معروفًا بالعرف.
يشرط إذن الزوج للمرأة إذا أرادت العمل خارج البيت، ويشمل ذلك الأنشطة الدينية مثل تعليم القرآن. يُبرز أهمية موافقة الزوج على الأنشطة التي تقوم بها المرأة.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الإجارة. إنما ذكر باب الإجارة هنا لأنه يشبه باب المساقاة والمزارعة، إنهما في أحكام تشترك، فلهذا ذكره هنا. وكتب الشافعية غالبًا يذكرونه بعد البيع؛ لأنه من البيع أصلًا، لكنه بيع منفعة. والإجارة مشتقة من الأجر، وهو العوض. وأما في الاصطلاح، فلها تعريف، لكن أجملها أو أكثرها تعود إلى أنه: عقد على منفعة مباحة، أنه عقد على منفعة مباحة معلومة من عين أو عمل، عقد على منفعة، ليس على أصل، إنما على منفعة مباحة معلومة من عين أو عمل، بعوض معلوم، ومدة معلومة. فهو عقد يكون بين متعاقدين: المؤجر والمستأجر، وعلى منفعة، مثل سكن الدار، أو ركوب راحلة، أو سيارة. هذه المنفعة تكون من عين، عين على مثل الدار للسكنى، أو للبيع، مثلًا لأجل أن يجعلها دكانًا، أو كذا، أو عيادة، أو غيرها. أو عمل، مثلًا: يستأجر إنسانًا على أن يحمل له بضائع، أو كذا، يكون بعوض معلوم، ومدة معلومة. وقد دل على الإجارة الكتاب، والسنة، والإجماع على صحة هذه الإجارة. فمن ذلك ما ذكر الله عز وجل في الرضاع: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. وأيضًا: نبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر استأجر رجلًا من بني الديل هاديًا خريثًا. وقد أجمع أهل العلم على صحة الإجارة، والحاجة داعية إليها؛ لأن الإنسان يحتاج إلى منفعة المنفعة التي في يد أخيه. قال المؤلف: تصح بثلاثة شروط: معرفة المنفعة؛ لأن هذه الإجارة تصح بثلاثة شروط. أول شرط: معرفة المنفعة. قال: كسكن الدار، تعرف إما بالعرف، أو بالوصف. بالعرف، أو بالوصف، يصف هذه المنفعة، أو أنها معروفة بالعرف. أن الدار مثلًا تسكن كسكن الدار، إذا أراد أن يستأجر دارًا ليسكنها، فإن كيفية الانتفاع بها بالسكنى معروفة بالعرف. ولهذا فليس له سوى ما دل عليه العرف، أنه إذا أخذها على أنها سكنى، لا يجعلها مخزنًا للقعاد، أو يضع فيها دوابه؛ لأنه لم يستأجرها لهذا. لكن له أن يستخدمها مثلًا في استقبال الضيوف، وأيضًا غير ذلك مما يكون فيه سكنى. وأيضًا خدمة آدمي، مثل كما قلنا: الضيافة، أو مثلًا عنده عمل في عمارة يحتاج إلى أن يستأجر شقة لأجل العمال، فهذا أيضًا يدخل في هذا الباب. قال: وتعليم علم أيضًا، مثل أن يستأجره لأجل التعليم، فهذا أيضًا يدخل في الإجارة. ومعرفة المنفعة قد تكون المنفعة معروفة بالوصف، معنى إذا لم يكن هناك عرف معروف، تعرف بالوصف. على أنه إذا كان مثلًا يريد أن يستأجر بيتًا يصف له هذا البيت الذي سيستأجره، وأنه مكون مثلًا من ثلاث غرف، ومطبخ، وحمام، أو حمامين، وهكذا. وهذا كله لأجل أن تكون المنفعة المستأجرة معلومة محددة، معلومة محددة إما بعرف، وإما بوصف؛ لأن الإجارة تعتبر بيع منفعة، ومن شروط البيع معرفة المبيع، وهنا كذلك من شروط صحة الإجارة معرفة المنفعة المستأجرة. والشرط الثاني: قال: معرفة الأجرة، معنى: كم الأجرة؟ لابد أن تكون الأجرة معلومة، كما تقدم معناه في التعريف. وهذا باتفاق أهل العلم؛ وذلك لأن معرفة الثمن في البيع شرط، فكذلك في الأجرة. ما يقول مثلًا: اسكن في بيتي، والذي تأتي به مقبول. هذا ما ينفع. وأجر لك بيتي، وسأحدد لك الثمن آخر الشهر، أيضًا هذا ما ينفع. إلا إذا كان على طريقة العرف المعروف، مثلًا أن هذا سكن يؤجره المؤجر بكذا وكذا. قال: وتصح في الأجير، والضئر بطعامهما، وكسوتهما. يصح معنى يستأجر أجيرًا ليعمل له، وتكون أجرته طعامه، أنا أجرته السكنى، وطعامه، وكسوته. يقول له: أريدك أن تأتي عندي عمل تعمل في البيت عندي، وأعطيك سكن، وأعطيك طعام، وكسوة. فهذا يعتبر إجارة. وضئرا أيضًا مردع، ضئر مردع كذلك معنى يجوز أن يستأجر مرضعة تكون الأجر طعامها، وكسوتها. أنا يقول لها: تعالي أرضعي ولدي، وأعطيك طعامك، وسكنك، وكسوتك. كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فعلى المولود له -أي الولي- فعلى المولود له -أي الولي- ولي الرضيع هذا أن يكسو، وأن يرزق المرضعة. وليس هذا يكون للزوجة، معنى الزوجة إذا أرضعت ابنها لا يكون لها أجر يعطيها أجرًا على الرضاع. وهذا كله جائز، أنه الإنسان يؤجر نفسه على طعام، وشراب، وكسوة. لو قال قائل: إن هذا يخالف الشرط أن تكون الأجرة معلومة، وهذا الطعام والكسوة ليس معلومًا. فيقال: إن هذا على العرف، مثلًا كم وجبات عرف الناس ثلاث وجبات، يعطيه ثلاث وجبات، أيضًا اللباس يكون في المناسبات، وكذا. قال: وإن دخل حمامًا، أو سفينة، أو أعطى ثوبه قصارًا، أو خياطًا بلا عقد صح بأجرة المعتاد. القصار هو الذي من يغسل الثوب من غير خياطة سموه قصار، وقيل: إن القصار من يدفع عليه القماش، أو الثوب ليقصره. فيقول هنا: إنه مثلًا إذا دخل حمامًا، أو سفينة، أو أعطى ثوبه قصارًا، أو خياطًا بلا عقد، صح بأجرة العادة. صح بأجرة العادة، معنى على العرف، معنى استأجر مثل السيارة من الشحر إلى المكلا، ولم يتكلم في الأجرة، فهنا يصح بأجرة العادة. كم يعطى الأجرة؟ مثلًا عشرون ألفًا، فيعطى عشرون ألفًا؛ لأن جريان -كما يقول الفقهاء- جريان العرف بالشيء يقوم مقام التسمية. قال: الثالث -معنى الشرط الثالث- الإباحة في العين، فلا تصح على نفع محرم، كالزنا، والزمر -زمر معنى المزمار والغناء- وجعل داره كنيسة، أو لبيع الخمر. ما يكون هذه المنفعة محرمة على البيع، مثلًا غناء، أو فديه، أو غير ذلك من الأمور المحرمة، فهذا لا يجوز، ولا تصح إجارته؛ ولأن الشرع يأمر بإزالة مثل هذه المنكرات، ومعنى الإذن بالإجارة فيها يدل على تصحيحها، وهذا ينافي مقصود الشرع. قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة، منها: الأجير الذي يحمل الخمر. فالآن هذا الشرط هو الإباحة في العين، العين أن تكون مباحة. فإذا استأجر رجل دكانًا لبيع الخمر، أو أشرطة مثلًا، أو ما يقوم بالغناء مثلًا، أو غير ذلك، فيجب على المؤجر أن يبطل هذا العقد؛ لأن العقد باطل، وأحد شروطه منتفية. حتى لو أخذ الأجرة، ثم علم أنه يريد أن يتخذ هذا الدكان لعمل باطل، فهذا يجوز له أن يرجع عن العقد، ويفسخ العقد. قال: وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشب عليه. تصح إجارة حائط -حائط حائط- مثلًا جدار، فيجوز أن يؤجر حائطه لوضع أطراف خشب معلوم، أو واحد يريد أن يضع لوحة في الجدار، فهذا يجوز له أن يستأجر مثلًا من يؤجر مثلًا بيته لأجل وضع فيه شبكة، أو غير ذلك. فإذا أجره لأجل وضع شيء سواء كان في الخارج، أو في الداخل، فإنه تكون أجر منفعة معلومة. قال: ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها أن تعمل في شيء من الأعمال بغير إذن زوجها، مثلًا تعمل في البيوت، أو تعمل غسل أموات، تغسل أموات، وغير ذلك. لابد من إذن الزوج؛ لأن عملها هذا فيه تفويت لحقها. حتى لو كانت مدرسة مثلًا، تدرس حلقات قرآن، فلابد أن يكون بإذن زوجها.