كتاب البيوع 91

كتاب البيوع 91

الدرس في كتاب البيوع 91، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف العارية ومشروعيتها وحكم وجوبها

يُعرّف المقطع العارية بأنها إباحة نفع عين تبقى بعد الاستيفاء بلا عوض، ويبين إجماع العلماء على مشروعيتها واختلافهم في وجوبها. ويرجح القول بوجوبها على الغني إذا احتاج إليها المحتاج بلا ضرر، مستدلاً بأحاديث حق المو وآية الماعون.

أركان العارية وشروط صحتها واستثناءاتها

يستعرض المقطع عدم اشتراط لفظ معين في العارية والاكتفاء بما يدل على المعنى، ويبيّن جواز استعارة كل ذي نفع مباح مع استثناءات محددة كالبضع والعبد المسلم للكافر. كما يوضح أحكام الاستعارة للمحرم والأمة الشابة للأجنبي.

حق المعير في الرجوع والخلاف الفقهي في ضمان العارية

يناقش المقطع جواز رجوع المعير في عاريته ما لم تحدد مدة أو يلحق ضرر بالمستعير، ويستعرض خلاف الفقهاء في ضمان العارية بين الجمهور القائل بالضمان المطلق والحنفية القائلين بأنها أمانة مؤداة إلا بتعدٍ. ويستدل الفريقان بأحاديث «على اليد ما أخذت» وسؤال يعلى بن أمية.

تكاليف رد العارية على المستعير

يقرر المقطع أن مؤنة رد العارية وتكاليف إرجاعها تقع بالكامل على عاتق المستعير، سواء كانت كلفة مالية أو جهدية، وتكون من ماله ونفقته الخاصة دون تحمل المعير شيئاً منها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب العارية، أو العارية: أنا بالتشديد وبالتخفيف. تشديد العارية والعارية، وهي من العري، بمعنى التجرد، وسميت عارية لتجردها من العوض. وهنا عرفها المؤلف فقال: وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استفائه، وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استفائه، أي بعد استفاء النفع. معنى ذلك: إذا أخذت هذه العين انتفع بها ثم أرجعها، معنى ذلك بدون مال. إذا كانت مالًا، مثلاً: أخذ بيتًا واستعاره ليسكنه مدة معينة، فيعتبر هذا عارية إذا كان بدون عوض. إذا كان بعوض يعتبر إجارة. ولا خلاف بينهم في مشروعيتها، وإنما اختلفوا: هل تجب أم لا؟ أي: هل يجب على الشخص أن يعير غيره إذا طلب؟ فجمهور العلماء على أنه من الأمور المستحبة، أنها من الأمور المستحبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجِب إلا الزكاة في المال، لم يوجِب إلا الزكاة في المال، فما كان ملك الشخص يقولون: لا يجب عليه شيء في ماله إلا الزكاة. لكن لا شك أن هناك حقوقًا أخرى غير الزكاة، ولهذا ذهب واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو قول عند الحنابلة: أن العارية واجبة، واجبة لكن مع غنى مالكها، مع غنى مالكها وحاجة الآخر إليها. واستدل بما جاء في صحيح مسلم، حديث جابر بن عبد الله، وجاء نحوه عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أُقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطأه بأخفافها، وتعضه بأنيابها، وتنطحه بقرونها». فقالوا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: «إعارة فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وحلبها على الماء، والحمل عليها في سبيل الله». ففيه: «إعارة دلوها»، وإعارة دلوها، فهذا فيه أنه من حق هذه الحيوانات أن يعار دلوها لمن احتاج إليه، وأن الدلو هذا الذي يخرج به الماء ويعطى للحيوانات أو المواشي. أيضًا استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]. وقد جاء عن عبد الله بن مسعود بسنيد حسن عند أبي داود، وعند أحمد والنسائي، أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كنا نعد الماعون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إعارة الدلو والدر». در اللبن، معناه. وهذا يدل على... لأن الله عز وجل قال: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، فقال: الماعون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إعارة الدلو والدر. ومعنى ذلك: أن من لم يعره فهو داخل تحت الوعيد. وهذا أيضًا كما أشرنا إليه، أنه يقيد بأن يكون صاحبه غنيًا عنه، بمعنى أنه ليس بحاجة إليه، وأيضًا المستعير محتاج إليه، ولا يصيبه ضرر بهذه الإعارة، ولا تفوت مصلحة له. وهذا القول قول قوي في هذه المسألة. واستدلال الجمهور بالحديث العام، في مثلاً قول طلحة بن عبيد الله في حديث طلحة بن عبيد الله: قال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». فهذا في الأمور المستمرة، أما العارية تعتبر من الأمور الطارئة، فقد يملك الإنسان ما يعيره وقد لا يملكه، وأيضًا إذا ملكه فقد يكون هناك من يحتاج له، وقد يكون هناك من لا يحتاج له. فلهذا أقرب الأقوال أنه واجب إذا كان على هذا القيد: إذا كان صاحب المالك غنيًا، بمعنى استغنى عنه، ليس هناك مصلحة له فيه، بمعنى أنه وضعه في بيته، وأيضًا المستعير بحاجة إليه، ما لم يكن فيه ضرر. يعني كيف ضرر؟ يعرف أن هذا الشخص إذا أخذ الشيء لا يرجعه، أو أنه سيستعمل هذا الشيء في شيء ممكن أنه يذهبه ويتلفه. فهذا أيضًا يعتبر مفسدة وضررًا على صاحب المال أو صاحب هذه العين. وهل الإعارة لها لفظ معين؟ الصحيح أنه ليست لها لفظ معين، وإنما كل ما دل على الإعارة فيعتبر إعارة، سواء كان بلفظ الإعارة أو بلفظ مثلاً العطاء. لا، ليس بمعنى السكوت. لا، قد مثلاً: سأعطي إنسانًا، يقول له: خذ هذا، أو يرمي به إليه، ما يدري هل هو استعارة، هل هو صدقة، هل هو كذا؟ لا بد أن يميز، أو هل هو هدية. كثيرًا من الناس تحصل بينهم مشاكل بسبب مثل هذه التصرفات. تجد مثلاً يعطي شخصًا شيئًا، فذلك يحسب أنه أعطاه هدية، وهذا يظن أنها عارية، فيقول له: ما لك ما أتيت بالحاجة؟ فيحصل هذا. فلهذا لا بد من التقيد بشيء يدل عليه. مثلاً قال: أعطني سيارتك لأجل أن أسافر ثم أرجعها لك، فهذا دليل على أنها عارية، ليست إجارة. أو يقول له: خذ سيارتي وانتفع بها واقضِ حاجتك. مثلا: جار قال لجاره: عندي أشياء أريد آتي بها كثيرة وكذا. قال: خلاص، خذ السيارة وحطها بعد ذلك في المكان الفلاني. أو مثلاً هذا يفهم من سياق الكلام. قال له: خذ السيارة. هل معنى خذ السيارة: خذها لك؟ لا، لما قال له: أنا معي بعض الحاجات وكذا، أريد أن آتي بها من السوق، أريد أن آتي بها من مكان. فقال: خذ السيارة. حتى لو لم يقل له: وأرجعها، فسياق الكلام يعرف أنها عارية، ليس مثلاً أنها هدية وكذا. قال رحمه الله: وتباح عارية كل ذي نفع مباح. كل ذي نفع مباح: أي شيء فيه نفع وهو مباح، ليس عينه محرمة، فيجوز: دلو، قدر، فأس، دار، سيارة، أي شيء فيه نفع وأيضًا مباح. قال: إلا البضع، البضع عن الفرج، فلا تصح عاريته. أنا مثلاً: تكون له أمة، يقول له مثلاً: أعطني هذه الأمة تخدمني أيامًا. هذا لا يجوز؛ لأن هذه الأمة لا تحل له أصلًا، والله عز وجل أحلها له بالملك، وإلا الأصل أن الفرج حرام، كذلك النظر إليها وكذا. إلا إذا كانت مثلاً في خدمة بعيدة عن الرجال وكذا، ممكن أن ليست هناك فيها ريبة، فهذا ممكن مثلاً ينتفع بهذه المرأة تخدمهم في البيت، عنده مثلاً المرأة مريضة أو كذا، فقال له: أعطني جاريتك تخدمني في البيت. قال: ولا عبدًا مسلمًا لكافر. معنى ذلك: لا يجوز أن يعير عبده المسلم لكافر يستخدم، أن الله عز وجل قال: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، فلا يكون المسلم تحت الكافر. قال: وصيدًا ونحوه لمحرم. لا يعير الصيد للمحرم، أو ما كان محرماً عليه كشيء مثلاً من اللباس المحرم، فلا يعيره صيدًا؛ لأنه إذا عاره صيدًا معنى ذلك أنه عانه على الإثم، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. قال: وأمة شابة لغير امرأة أو محرم. على أمة شابة يعيرها، أي يفتتن بها. قال: لغير امرأة. أما إذا كان لامرأة، فما في شيء. أو محرم لها، محرم لهذه المملوكة أو الجارية كعم لها وخال، فهذا جائز. أما أنه يجعلها لأجنبي، فلا. وهل هذه العارة لها وقت معين أو وقت محدد؟ فالجمهور، جمهور العلماء عندهم أنها ليس لها وقت محدد، إلا إذا حدده. والأصل أنه ليس لها وقت محدد. محدد: معنى ذلك أن له أن يسترد العين متى شاء. عن المعير: له أن يسترد العين متى شاء. وقت... وقت... وقت... وقت المعير... وقت... وقت... وقت... وقت... العلماء يقولون: إلا إذا كان في ضرر على المستعير. إذا كان في ضرر على المستعير، مثلاً: إنسان عنده مثلاً ما يحمل به الأشياء، مثلاً دباب، قال لجاره: خلاص، خذ هذا الدباب وآتِ بحاجتك. فهو في الطريق، اتصل به، قال: خلاص، أنا سأرسل لك ابني وعطه الدباب. يقول: طيب، معنى حاجاتي فيه. يقول: لا، خلاص، أحولها مكان آخر وكذا. فهذا في ضرر عليه، على المستعير، فلا ينبغي. معنى ذلك: وإلا الأصل أنه يجوز؛ لأنه عقد، عقد تبرع، عقد تبرع، يجوز له معنى من العقد الجائز، ليس الملزم. يجوز للمعير أن يرجع في إعارته في أي وقت. وكذلك أيضًا المستعير له أن يعطيه إعارته في أي وقت. وإذا وقت... إذا وقت المعير وقتًا أو المستعير، مثلاً قال: استعير منك هذا البيت ثلاثة أشهر، أريد أن أسكن في هذا البيت ثلاثة أشهر. فهنا يلزم أن يكون ثلاثة أشهر؛ لأن هذا وعد، فهو أتاح له أن ينتفع بهذه العين لمدة ثلاثة أشهر. فإذا لم يحدد، فيرجع للعادة. فمتى... من هذا الشيء لا يبقيه عنده. مثلاً: استعار امرأة، استعارت من أخرى دلوًا أو قدرًا، فترجعه في يومه؛ لأنهم يحتاجون إليه. قالوا: لا أجر لمن أعار حائطًا حتى يسقط. أيضاً كذلك إذا كان فيه ضرر، من هذا الباب أيضًا. يعني لو مثلاً أعاره حائطًا، أو أعاره مثلاً أن يضع خشبة على الجدار، فوضع الخشبة وبنى، فلما بنى هل يجوز له أن يرجع؟ لا؛ لأن في ضرر عليه، فيه ضرر علينا أن هذا البناء سينهدم، فلا ضرر ولا ضرار، وكل ما أدى إلى الضرر لا يجوز. قال: ولا يرد إن سقط إلا بإذنه، فلا يرد إلا بإذنه عن... بحن... إن أري... إذا سقط هذا الجدار، فلا يرد الخشب إلا بإذن صاحب الجدار. أنا وضع خشبا وردا يبني، فلما بنى سقط جدار الجار، فهنا هل يضعه مرة أخرى أو يضعه على جدار آخر؟ لا، لا بد من الإذن. قال: وتضمن العارية بقيمتها يوم أتلفت، ولو شرطًا في ضمانها. وهذا تنبني على مسألة: هل العارية مضمونة أو مؤداة؟ معنى ذلك: هل تضمن العارية إذا تلفت؟ فالجمهور عندهم أنها مضمونة بقيمتها يوم تلفت. فالعارية عندهم مضمونة وإن لم يتعدَ ولم يفرط. العارية مضمونة في كل حال. فاستدلوا على ضمان العارية وإن لم يتعدَ ويفرط بحديث جاء عند أحمد وغيره: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». له طرق وله أسانيد وروايات أكثرها ضعيف، لكن ممكن أن يحسن بمجموع طرق. «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». على هذا يدل على أن اليد يجب عليها ما أخذت حتى تؤديه إلى مالكه. واستدلوا أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام استعار من صفوان بن أمية دروعًا يوم حنين، فقال: غصب يا محمد؟ وقد كان كافرًا. فقال: «لا، بل عارية مضمونة». والحديث ذكره الإمام أحمد كذلك في السيرة لابن إسحاق، وفيه ضعف، لكن له شواهد تدل على صحته. معناه: يضمن في كل حال، سواء كان فرط أو لم يفرط. فإذا تلفت يضمن. وقال جماعة من أهل العلم: أنها ليست... أن العارية ليست فيها ضمان إلا إذا تعدى وفرط. وهذا قول الحنفية: أن العارية قالوا غير مضمونة. واستدلوا بما رواه أحمد وأبو داود: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ليعلى بن أمية: «إذا لقيت رسل فأعطهم ثلاثين درعًا». فقال: يا رسول الله، عارية مؤداة أم عارية مضمونة؟ فقال: «بل عارية مؤداة». ولم يقل: عارية مضمونة. فلهذا قالوا: أن العارية مؤداة، يجب أن يؤديها كما قال، مثل الوديعة، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. معنى ذلك: أنها تؤدي ما دامت أنها موجودة، فتؤدى هذه العارية، عارية مؤداة. وقال أيضًا: عليه مؤنة ردها، أي أن المستعير هذا يرد على نفقته، مؤنتها. معنى ذلك: إذا كان فيه كلفة في ردها، هذا على المستعير. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.